إبحث:
عناوين أخرى


هل تعتقد بأن ماقامت به "حماس":





 
كتاب الأمة
عبدالناصر مجلي >>> الأعمال القصصية الكاملة-1
2008-12-07 11:36:50

Warning: getimagesize(nmedia/image/4232.jpg): failed to open stream: No such file or directory in /home/npmoder/public_html/news.php on line 642


والمبدع اليماني الشامل عبدالناصر مجلي واحد من ذلك النفر القليل من المبدعين الذين يؤكدون رسوخهم ومهارتهم وقدرتهم على الخلق الفني في كل لون أدبي يطرقونه رغم تمرده وفوضاه المنظمة وصلابته في توكيد خصوصيته ومواقفه...أ.د. عبدالعزيز المقالح

الأمة برس -

ABDULNASSER MUGALI
عبدالناصر مجلي

 

الأعمال القصصية الكاملة-1

 

THE COMPLEATE SHORT STORY'S WORKS-1
1989-2005

 

إلى سنوات الجمر المضنية المسالك التي عبرناها منسيين لا يسأل عنا أحد!!!

شهادة

السيرة الرملية للفتى البحر.. أو تحت سماءٍ لم تعد غريبة..؟
وعندما ضاقت أمامي السُبل، حزمت حقيبتي المتخمة بالكتب وبعض الملابس، وقفزت في غيب الغرب الأقصى المجهول، ولم أكن قد أدركت بعد بأنني سأكون شاهداً مغلولاً بمواجعه التي كانت تنتظرني هناك، على مصارع الزهرات المنسية، التي لا يدري عنها أحد في وطني البعيد. تلك الزهرات التي فرَّت باتجاه الحلم الامريكي المروع، كنا مثل بدوٍ شتتهم آمال قبيلة حجرية المشاعر مشوشة الغايات وتخاطفتهم مجاهل الانكسارات في بلادهم المنسية، فروا الى حيث يمكن العيش بأقل القليل من الكرامة والستر إن جازت التسمية، حتى يظل الوطن هو ذلك الحلم الأسطوري الذي لا يمس أو تخدشه المرارات.
وصلت الى الولايات المتحدة في شتاء 92 القاتل، وحيداً فقيراً لا أدري أي المنايا ستتلقفني، وكنت مثل راعٍ صغير بوادٍ متصلب الأنحاء والمفاوز، لا يمتلك خبرة كافية بوحشية مدن الأسمنت، يقف للمرة الأولى أمام الخرسانات الجبارة التي تطعن السماء بحيادها وجبروتها الأسمنتي المعجون بالحديد، أساءل نفسي عن حقيقة تلك الديناصورات الفولاذية التي لا تقهر ولا تلتفت لقصائد بشرية مرتجفة بمظنات لفظتها رطانات جغرافيات لم تعد مسالمة، ليس معي سوى حلم ضاري وساذج في آن، عن ضرورة تغيير العالم بالقصة القصيرة، التي كنت أظنها بلسماً ناجعاً سيداوي جروح ومواجع المنسيين، ليس لبني جلدتي ولغتي، وبل ولسائر زملاء المعاناة والضياع والنسيان، الذين لفظتهم متخاذلة أوطانهم بدون شفقة.
كنت أطمح الى الالتحاق بجامعة ما لأكتسب منها ما لم أكتسبه في بلادي، يحدوني أمل شاهق لحفظ اللغة التي يتحدث بها سكان هذا الكوكب الامريكي في جميع معاملاتهم بما في ذلك الثقافة والابداع. طمعت في أن أتعلم لغة شكسبير حتى أكتب بها، وأنقل اليها ابداع الجنود المجهولين، من مبدعي أمتي الذين لا يعرفهم أحد في هذه الارض الجديدة لكنني فوجئت بأن العمل يأتي هنا أولاً، وبعد ذلك التعلم، إن أُتيحت الفرصة، تلك الفرصة المستحيلة التي لم تتح حتى الآن إلاّ  بشقّ النفس!!
كنت أظن - وما أكثر ما ظننت دون جدوى- بأن المقام لن يطول بي على تلك الأرض، لأن ثمة أناس في بلادي سيطالبون بضرورة عودتي أو على أضعف الإيمان، سيطالبون بمنحي فرصة أو منحة دراسية عُليا، خصوصاً وأنهم ما انفكوا يشيدون بـ«موهبتي» أضف الى أنني شخصياً كنت أرى في نفسي كاتباً قصصياً لا يشق له غبار هذا ما كنت أظنه في تلك الأيام، وكنت أشعر بالخجل أمام نفسي من تلك الأحاسيس والمشاعر في اعتقادي بخطورة ما أقوم به، وتالياً سأكتشف بأن ايماني ذاك هو الذي أنقذني من الضياع، وكثيراً ما كنت ألوم نفسي على شعوري بالخجل من نقدي لنفسي على إفراطي الزائد بالثقة بالنفس والاعتداد بها.
كان شتاء جارحاً ومريراً وكئيباً وموحشاً، خصوصاً وأنني رأيت مرأى العين، بأن كل ما كنت أفكر به كأن أكون ملتحقاً بجامعة ما، ما هو إلاّ محض أوهام، ففي تلك الارض أكتشفت أول قواعد الاغتراب الامريكي، وهي الاعتماد على النفس، وبدون ذلك لن يلتفت اليك مخلوق كائناً ما كان، وعندما رجعت بالذاكرة قليلاً الى الوراء وتحديداً الى ذلك المساء الممطر في صنعاء، بعد أن استلمت مبلغ مائة وخمسين ريالاً لا غير، هي حصيلة كتابات شهر بأكمله علمت علم اليقين بأنني غدوت قاب قوسين أو أدنى من اللاجدوى إلاّ اذا كنت جاداً وصادقاً مع نفسي كما تقتضيه الظروف الجديدة. وهكذا كان فبمجرد ما رأيتني أقف أمام جهاز غسل الصحون والقدور في مطعم «بورت أفينو» الايطالي بمدينة وايندات التي سكنها الهنود قبل بمئات السنين فهمت أنه يجب تحديد خياراتي بسرعة وبدقة، وقد كان خياري هو خيار الكتابة.
كنت شاباً صغيراً لم يتجاوز الواحدة والعشرين من عمره أو أقل ممتلئاً حتى التخمة بجدوى ما أكتبه، في ظروف لا انسانية ولا شفقة فيها على الاطلاق، تلك الظروف التي لشدة قسوتها كنت معها أضطر لبيع القوارير الفارغة في سبيل مبلغ زهيد، يساعدني على تدبر أمور معيشتي الضنكى الشديدة الإمحال والفقر. قال لي واحد من أبناء مدينتي الصغيرة «جُبَنْ» أنت أول مغترب يا ولدي يأتي الى امريكا وشنطته مليئة بالكتب، وهذا أمر جيد لكنني سأنصحك نصيحة لوجه الله، الكتب لا تؤكل عيشاً، ابحث لك عن عمل وكن رجلاً كباقي الرجال الذين يجمعون الدولار فوق الدولار، ويتزوجون ويبنون لهم بيوتاً تأويهم هذه بلاد عمل وليست بلاد كتب ومحازي!!
كان قد تجاوز السبعين، ولم أغضب منه، قضى منها خمسون عاماً مغترباً. كلمات ذلك الرجل كانت بالنسبة لي تحدٍ آخر وطرحت عليَّ اسئلة كبيرة، كان يجب عليَّ وحدي الاجابة عليها، وقد أجبت وكانت اجابات لا اجابة واحدة أجبت سأواصل الكتابة وليقل الناس ما يقولون وسأكون مغايراً ليس في كتابتي فحسب، بل وفي طريقة عيشي كذلك حتى أصبت بالطعنة الأولى!!
كنت على الدوام منغمساً في غسيل الصحون، وعندما تأتيني فكرة ما للكتابة، أترك كل شيء وأجلس على أقرب طاولة لتسطير أفكاري، تلك الافكار التي علمتني أن الكتابة المغايرة لا يجب أن نكتفي بشكلها بل وهذا هو المهم بحيويتها، التي تجعل القارئ لا يكتفي بالقراءة فحسب، بل أن يكون جزءاً من الكتابة ذاتها. كنت أعيد اكتشاف ذاتي مرة ثانية في ظروف مادية قاهرة وغير محايدة على الاطلاق، لذلك كتبت عشرات القصص تحت سماء غريبة، بكل تفاصيلها وأحاسيسها، كان الانسان هو بطلها بكل جدارة، أو بطريقة أدق كانت الأحاسيس الواسعة اللغة والدلالات ميزتها الاساسية، وهذا هو المفروض والضروري، في كتابة القصة، وكنت قد فطنت الى ضرورة الالتفات الى بنية النص وديناميكيته كمعطى ابداعي في المقام الأول، لكنني عندما فوجئت بتلك الطعنة المباغته، انتبهت الى ان القصة قد لا تفي بالغرض، في التقاط الحدث وتأطيره كتابياً، وتسطيعه كفن في الدرجة  الاولى وكتاريخ لما أراه تالياً.
 كانوا اربعة من عائلة واحدة لم يتعد اكبرهم الثلاثين واصغرهم الثامنة عشرة سنة من العمر، قتلوا في ليلة واحدة داخل دكان كان يمتلكه الأب، وعندما سمعت بالكارثة أصابتني صدمة ما حقة، فهل كتب علينا ان نقتل مجاناً بالرصاص بعد ان قتلنا من قبل بجوازات الهجرة، وفت في كبدي سؤال شديد الإيلام.. كيف يمكن ان أصور أو أكتب ما حدث أو سيحدث في مستقبل الأيام القادمة؟
كانت القصة القصيرة هي معشوقتي الأولى والأثيرة، لكنني أكتشفت بأنها لا تكفي للإلمام بكافة التفاصيل التي كانت تتسع بإطراد فكان الخيار هو الرواية، وهذا ما حدث!!
كان خياري بالهجرة موفقاً على الصعيد الكتابي، فمن الولايات الدولة ومن «ميتشجن» كولاية، ومن مدينة «ديربورن» الصغيرة التي تسكنها غالبية عظمى من العرب، يمنيون، ولبنانيون، وفلسطينيون، وعراقيون، وغيرهم استطعت قراءة المشهد الابداعي او بكلام أدق مراقبته بالقدر الذي أتاحته لي الظروف ليس في وطني اليمني فقط، بل وفي سائر الوطن العربي، من محيطه الى خليجه وهنا أطلعت.. أي في امريكا على كل المطبوعات لكبار الكتاب العرب، تلك المطبوعات والكتب التي كانت ممنوعة من التوزيع في البلدان العربية، وبدأت بمتابعة الصحف والدوريات كقارئ أولاً ثم أقدمت على خطوتي المهمة، وهي في النشر في تلك المطبوعات كصحف أو كدوريات، وهذا ما حدث، وكم كانت سعادتي عظيمة عندما كنت ارى ما أرسله منشوراً، ليس لانه يمثلني ويحمل أسمي فحسب، بل لأن ذلك كان يوحي لي بأن أبناء جيلي في صنعاء أو عدن أو تعز أو الحديدة أو حضرموت أو اب أو حجة، وسائر المدن والمحافظات اليمنية، لا يقلون إبداعاً عن زملائهم في الأقطار العربية، وبقدر ما كان ذلك يعلي من إسمي كمبدع من اليمن، في المحيط العربي الكبير، بقدر ما كان يسلط الضوء بطريقة أو بأخرى، على إبداع أبناء جيلي خصوصاً الذين نسوني رغم حضوري الدائم والمبشر بإبداعهم, ولم اكتفِ بالنشر فحسب، بل عمقت علاقاتي مع كل المسؤولين والقائمين على المنافذ والملاحق والصفحات والدوريات الثقافية وحدثتهم عن حقيقة ما يجري من نهوض ابداعي في أرض سبأ يستحق الثناء والاعجاب، وكانت جملتي الدائمة في أسماعهم «ما أنا إلاّ قطرة في محيط عظيم لا ينبغي إهماله»، وهذه شهادة لابد من قولها وهو تواضع مني لا أراه مبرراً الآن نظراً لأن من بشرت بهم بادلوني عكس ما كنت أتوقع، فاذا كان «نجاحي» عربياً أمدني بقوة معنوية هائلة على الاستمرار، فقد كنت أرد ذلك «النجاح» الى تميز زملائي وزميلاتي في مهد العروبة الأول الذين لا يقلون إبداعاً ومغايرة عن غيرهم، وكان ذلك يفرحني، لكنه لم ينسني أبداً المرارات التي كنت أعيشها، فبعد ست سنوات عجاف من الاشتغال على كتابة رواية «رجال الثلج» وهي وثيقة مهمة تسلط الضوء على واقع الغربة الامريكية، عرفت بكل ما تعنيه الكلمة أي هول وجحيم كنا نعيشه في متاهة المغترب الخانقة التي بدت وكأن لا فكاك منه، وكانت زهرات العمر الجميل لا تزال تواصل تساقطها المرعب الذي يبعث على الجنون!!
هل أخبرتكم عن المرأة التي ودعتني باكية وهي تتمنى الموت بعد أن وصلت علاقتي مع أهلها الى نقطة الاصطدام التي لا عودة بعدها!
هل ذكرت «هناء» ابنتي التي حرمت منها سنيناً طويلة دون ذنب؟!
ماذا عن الدموع التي سفحتها في ليل الضياع الطويل، ولم يرها إنسان, ماذا عن القهر ونظرات التشفي وسوء الظنون والأقاويل التي طاردتني في كل مكان؟
ماذا عن الوطن الذي ناديته بكل عمري المثخن بالمواجع والعثرات والهزائم والانكسارات التي لا يتحملها بشر، ولم أسمع منه اجابة واحدة تطفئ نيران الشوق اليه أو لفتة خاطفة تداوي جروحي العميقة العذاب. كيف يمكنني تفسير مشاعري في كل مرة أعود فيها من المقبرة بعد مواراة صديق فتكت به رصاصات التوحش الحضاري المهلكة؟
ماذا عن السير على أرصفة النسيان وحيداً وملعوناً لا يكفكف دموعي أحد!!
ماذا عن التجاهل والطعنات وتقليب صفحات ما كتبته بدمي كل مساء متسائلاً كيف يمكنني طباعة هذه العذابات؟!
هل أخبرتكم عن أثاث بيتي الصغير الذي بعته حتى أتمكن من طباعة كتابي الشعري «سيرة القبيلة»؟!
ماذا عن لؤم التقصد في داخل وطني الذي أحبه أكثر من «هناء» ومن نفسي لنسياني، وكأنني ما صرخت بسم بلادي على الأشهاد حين سقطت أقنعة المقت، وعز النصير والبلاد تؤخذ غدراً الى المذبحة؟
ماذا عن عبدالناصر مجلي الانسان، الذي قدم نفسه رخيصة في سبيل اشراقة صبح ارض السعيدة عندما اتبع الشقيق مقاصده الناقصة، وأمام ثلة من البشر كان يظن بأنهم لن ينسوه، فاذا بهم وبعدما كانوا في آخر الصفوف يصبحون في المقدمة لأسباب لا أحد يدريها؟
وينظرون اليَّ وكأنني ما كنت قبلهم في الصدَّ والرد، وهم يأكلهم الخوف وجبن أعمى لا يليق إلاّ بأمثالهم, فهل حبك يا وطني يستلزم أن يكون عشاقك ومحبوك من المتخاذلين والجبناء.
هل الايمان بك ايها الأعز عليَّ من نفسي يحتم أن أكون منافقاً ومرابياً في أسواق بيع الأوطان؟!
كانت تجربة عاصفة بكل المرارات والخيبات وسابع عشر الأحزان، لكنني ما انكسرت، أو سمحت للهزيمة ان تحتويني رغم ضراوة الويل، وتكسر الأحلام، لكنني ما استسلمت، وما رفعتها عالية راية الموت والخذلان!!
علمتني الارض الامريكية قيمة الوقت، وحينما لم يعد هناك وطن يذكرني، أو امرأة تحتويني بعد مغادرتها لسمائي ذات ليل لم أعد أذكره، كانت الكتابة ملاذي وقلعة الأمان التي ألوذ بها في كل وقت.
وقد أبكتني هذه الكتابة فصولاً طويلة عند كتابتي لرواية «رجال الثلج» كنت كمن يُعيد صناعة المشهد مرة ثانية، وبعد تنبيه الوقت لي بقيمته وسرعته الخاطفة، هربت الى الشعر لمحاولة قول ما لم استطع قوله في  القصة او الرواية، وقد كان نعم الصديق، ثم وفي سبيل ان يصل صوت السبئيون الجدد من أبناء جيلي ذهبت الى الكتابة النقدية، وهناك وعند تلك التخوم التي تطرح الاسئلة كحبات المطر، بدأت أتساءل عن ماهية أمتي ومقدراتها وتحدياتها والعقبات التي تحد من انطلاقتها المرجوة.. فعكفت على كتابة نظريتي النقدية «الوحشية المضادة» التي نشرتها في لندن والشارقة وتعز، وكنت كلما سمعت كلمات الإطراء، أقول لنفسي: «ما هذا إلاّ غيض من فيض مما يكتب، في جنوب جزيرة العرب، واذا كنت مكربياً شديد المراس والايمان بذاته، فلست آخر المكاربة»، ومر الوقت، وتنقلت بين الآلام والمواجع والاعمال وصنوف الكتابة، وكلما ازداد صعودي، زاد شعوري بالعزلة والضياع فكل ما اكتبه، وعلى الرغم من نشره في أغلب الصحف والدوريات في وطني وفي العواصم الغربية والعربية من لندن وباريس ومدريد حتى صنعاء وتعز والقاهرة وعمّان وتونس والرياض والدوحة والشارقة ومسقط والدار البيضاء والكويت وغيرها، إلاّ أن الحسرة كانت تأكل قلبي، وأنا أشاهد مخطوطاتي الشعرية والقصصية والروائية والنقدية تتراكم أمامي لا حول لي في نشرها نظراً لضيق ذات اليد، فأتساءل ما جدوى الكتابة ان كانت لا تُقرأ، وما قيمة العمر الذي يهدر في سبيل كتابات لا استطيع نشرها؟
كنت كل ليلة حينما أعود من عملي مهدوداً ومحزوناً وشديد النسيان أخرج تلك المخطوطات وأبثها مواجيدي وأشجاني، كما لو كانت تسمعني وتحسُ بالنار التي تعصف بي من الداخل وأصرخ بكل صوتي كمجنون بأرض خراب «أمعقول كل هذا يا الله؟» لا وطن ولا أهل، ولا من يذكرني حتى بكلمة غير مقصودة؟!
وبدا أن كل ما حققته من «نجاح» و«شهرة» في الوطن العربي-  إن جاز القول- وعلى الرغم من ترجمة بعض كتاباتي الشعرية والقصصية الى الانجليزية والفرنسية والسويدية وأخيراً الاسبانية، كما لو كان لا شيء أو قبض فراغ, حتى سافرت الى قطر وهناك سمعت ورأيت ما جعلني أتماسك قليلاً ولو إلى حين!!
أعتقد بأن الإمام الشافعي كان على حق عندما قال في إحدى قصائده الحكيمة: «سافر ففي الاسفار خمس فوائد... إلخ».
والآن وبعد خمسة عشر سنة من الجمر تصطلي في كبدي، أدركت مقولة الإمام الشاعر، فلولا السفر والغربة، ما كان قُدر لي أن أكون شاهداً على ما يجري في الداخل الامريكي من هزائم وتمزق آمال واحتراق أرواح وضياع أناس لم يقدروا على الفكاك من ربقة ذلك الفردوس الجهنمي، وأظن لو أنني بقيت في بلادي، ما كنت كتبت كل هذه المخطوطات، وما كنت سعيت جاهداً للمغايرة والاختلاف، مع أن هذه الخصلة أي حب الكتابة غير المقلدة او مسبوقة كما أظن ولتسامحوني على هذه الثقة المفرطة التي كانت تلازمني منذ أن كنت في اليمن، والذي يقرأ مجموعتي القصصية الأولى «ذات مساء ذات راقصة» رغم كثرة الاخفاقات فيها، خصوصاً النحوية منها نظراً لحداثة التجربة، سيدرك بأن التغريد خارج السرب هو شعاري، لكن ولابد هنا من الاعتراف بأن المغترب الامريكي كان له فضل لا ينكر فيما وصلت اليه، هذا مع افتراض انني قد وصلت الى شيء، فهذه البلاد - امريكا اقصد - التي تسيطر على العالم وتقوده ليست مجرد سياسة قد تتفق معها او تختلف، بل وهذا هو الأكيد تعتبر بلاداً منتجة للثقافة من الدرجة الأولى، مع أننا قد نختلف حول مفهوم هذه الثقافة وأصالتها، لكن ما قصدت قوله بالضبط، أنني عشت في بلد لا يهدأ طرفة عين بمعنى انها بلاد تصنع ثقافتها في كل ساعة، وكان عليَّ - قدر الإمكان -  أن التفت الى هذا الحراك البنيوي الهائل، وهذا ما فعلته قدر استطاعتي. ولهذا كنت احاول ان اكون مختلفاً مع نفسي قدر الامكان، حتى أكتب بطريقة مختلفة ومكثفة، لكن دون إغفال لمشاعري الانسانية والثقافية كأديب عربي يعيش في هذه الأميركا الهائلة.
وعندما أدركت بأن السكون علامة الموت، حاولت الخروج او الهروب من دائرة الرعب تلك، فسافرت الى قطر بحثاً عن عمل، وكنت قد انتهيت لتوي من نشر «الوحشية المضادة» ورواية «رجال الثلج» في الصحف في لندن وتعز والشارقة،  وعندما غادرت الى الدوحة كان العالم قد مر بقيامة الحادي عشر من سبتمبر المهولة 2001م.
خرجت من الولايات المتحدة وكل طموحي أن أجد عملاً أقتات منه، وعندما وصلت الى الدوحة صادف وصولي فعالية مهرجان الدوحة الثقافي الاول، ولأنني كنت قد تعرفت على بعض المثقفين والمبدعين القطريين والعرب المقيمين هناك فقد دُعيت كضيف على المهرجان، وهناك اكتشفت بأن احتراقي طيلة عشر سنوات بالكتابة، قد أتى أُكله، فقد كنت معروفاً دون أن أدري من مختلف الذين قابلتهم، وهم مبدعون ونقاد ومفكرون واعلاميون من الطراز الرفيع، لم أقل شيئاً، لكن ذلك منحني بعض العزاء.
أقول بعض العزاء لأن شعوري بأنني منسي في بلادي رغم تواصلي الكتابي معها، ورغم ما كنت أسمعه من بعض الزملاء عندما اتصل بهم بأن الجميع يترقب ما أرسله اليهم بشوق عظيم، لكن التساؤل الملعون ظل يطاردني: ما جدوي كل ذلك وأنا مازلت في ضياعي لا يسأل عني أحد ؟ ما جدوى ان يترقبني الجميع مع كل تقديري لهم، وانا مجرد كاتب وصل الى مرحلة الشعور بما أسميه مرحلة «اللاوطن» فلم أجد اجابة تروي غليلي؟ وعندما عدت مهزوماً الى الولايات المتحدة بعد فشلي في ايجاد فرصة عمل هناك على ضفاف الخليج، كان اليأس قد بلغ بي مبلغاً جهنمياً لا يطاق، وعدت لمساءلة نفسي: ماذا بعد كل هذا الجهد والعذاب؟ السلام عليَّ في أحزاني وهنيئاً لكل من تمنى أن أصل الى ما وصلت اليه من يأس وضياع.
ولأني كنت على الدوام أتابع عبر الانترنت الصيرورة الثقافية والابداعية في الوطن، فقد لفت نظري بأن  اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين الذي أنا عضو فيه، يقوم بطبع أعمال أعضائه.. فقد قمت بعد تردد طويل بالاتصال بالاستاذ محمد حسين هيثم رحمه الله، الامين العام للاتحاد آنذاك، اتصلت به وأنا متخوف من الصد، على الرغم من معرفتي المسبقة بشخصية الاستاذ هيثم الودودة والخلوقة والمنصفة، وعندما سمعت ترحيبه بي بمجرد ان سمع اسمي، ادركت بأن الوقت قد آن ليقرأ القارئ اين ما كان نتاج عشر سنوات من المشاعر التي لا استطيع القول إلاّ انها كُتبت بكل قطرة دم نزفها شهيد منسي قُتل ظلماً وعدواناً في محطة للبنزين ذات ليل معادٍ وانها سُطرت بكل دموع وآهات قلوب وأرواح أناس ضحوا بأعمارهم وشبابهم، حتى يستطيعوا توفير لقمة العيش الكريمة لأهاليهم في مجاهيل وقفار وطنهم البعيد.
وأنها أيضاً كتبت بكل التحدي الذي كان يعصف بي وبكل المواجع والنزوات والصرخات الملهوفة التي لم تجد من يستمع اليها.
إذاً فهذه صورة مجتزأة من مشهد عريض لا يمكن وصفه او التدليل عليه إلاّ بالقول بانها نُقِشَت بألوان ملتهبة خُلطت بالدم والدمع والحنين!!
عبدالناصر مجلي
 

 

 

 

 

ذات مساء .. ذات راقصة
 
إلى الفارس الذي
لم يصدأ سيفه
إلى أبي
وجماعة الغد الأدبية.

 
* حزاوي علي بلابله
1- لحن
يا به أحمد
صوته أنطلق متقطعاً محلناً وكأنه يوشك على الغناء،
- ما هو؟؟(1)
- يا حمار.
- للمه يا علي, أو ما عدناش خبيرك(2).
- مَعْ (3)
- للمه(4)
- هكذا
- ناهي(5)
أجابه عمه أحمد وواصل طريقه، وقبل أن يفعل أمسكه صوت علي القادم من الخلف..
يا به..!
- ماهو؟
أجابه قبل أن يتم ندائه الملحن..
- أنا بين أحبك، أول الله وبعدا أنت
- ناهي!!
- ناهي!
واختفى تاركاً إياه يتوسد وحدته ووحشة المدرجات الخالية.
2- اليوم كان علي بلابلة ولم يكن سواه
شاب مخدوش الوجه متوسط القامة عملاق البراءة يحب الله والأهلي(6) وعمه أحمد الذي لا يعرفه أحد.
اليوم وجه كل السنين التي ينوء بها عمره كان كله علي بلابله، الإنسان الذي يحب كل الناس ويطارده كل صبية الحارات ذات الروائح المختلفة, الكباب، البرعي، وعطن البول.
علي بلابله..
وتستمر الأيام في دورتها غير عابئة به..
رجل..!
يحب كل..!
ولا يرى أحد مطلقاً دموعه التي يذرفها في أمكنه لا تطأها شمس.
3-  ضياع
عندما يخرج من الظرافي(7) تلتهمه الأرصفة، وصراخ الصبية وهم يطاردونه، وقهقهات المارة الفارغة من المبالاة..
- ما تشتوا مني يا جهال(8)؟؟
سؤاله الخالد منذ عرف نفسه، طالما صرخ به في كل مكان (والجهال) ذوي الملابس الرثة يطاردونه لا يدرون لماذا, ربما ليضحكوا من دموعه التي لها لون الشفق.
أحدهم يصفعه وآخر يخطف شاله ويفر هارباً وعلي وحده, وحينما يشتد به الغضب المضحك المبكي الذي يمزق مستمعيه، يصرخ بخصومه الصغار..
- والله لأرجم نفسي تحت السيارة، وأخليها تفحسني لو ما تموتني.
ويهددهم -بالفعل- بالاقتراب من أي سيارة مسرعة قريبة منه.
لكن لا صبية الأزقة يتركونه ولا هو تخلى عن حبه للأهلي مستمراً في تسكعه إلى حيث لا يدري.
 
4-  عواء
كان (الظرافي) ممتلئاً والوقت بين الشوطين، والساعة كانت علي بلابله وهو يسدد على المرمى الفارغ من حارسه.
ركل ركلته الأولى بكل قواه بعد أن تراجع حتى وصل إلى منتصف الملعب، وانقض على الكرة كالرمح قاذفاً في الفضاء حذاءه ليستطيع التصويب بدقة كما أعتقد, لكن الكرة نفرت منه بعيداً وهي تعرج، وفي المدرجات كان الجمهور يضحك بضحكات يسيل منها خواء بشري له طعم سرماد.
المرمى لا يزال فارغاً، وعلي ممتلئاً بالعزم وجمهوره الوحشي تلمع في عيونهم قطرات من الدم لا تسيل، وفريقه الأحمر منصرف عنه يتابع مفردات مدربه الأكاديمية التي لا يفهمها.
الوقت كان أدمية يمتلكها شاب تتسكع الجروح على خارطة وجهه الخشن، يسدد ركلاته إلى المرمى أمامه في ضراوة, وحينما ولجت إحدى الكرات المرمى دوت عالياً قهقة جماعية تشبه العواء، وفي آخر الملعب من الجهة الجنوبية كان علي يركض في كل الاتجاهات فرحاً بإحرازه للهدف المزعوم لكن لا يدري أحد هل كان فرحاً ذلك الذي جعله يطير ركضاً أم..!
الوحيد الذي كان يعرف السر شاربه الكث الذي كان ندياً بدموع لها طعم المرارة التي لا يفقهها حتى علي نفسه.
5- علي!!
- ماهو؟
- صدق أن الوحدة(9) هزمت الأهلي اثنين صفر؟؟!
- كذاب أمك
- وأمك
- قلك هزموه.. الأهلي حديد
- مابلا لبيج(10)
كثيراً ما يصادف علي في طريقه أحد "الزباجين" (11) فيجره بدوره إلى معركة حامية حول هزائم وانتصارات ذوي القمصان الحمراء.. نجومه الذين يحبهم بعد الله، وحينما يعجز عن مجارات خصومه كان يلجأ فجأة للصمت تكسو وجهه أمارات الحزن, فيثير بحزنه الضحك والشفقة ثم ينتفض من مكانه بغتة ويأخذ في الركض بلا هدف, وهذه هي عادته دائماً لحظة يشعر فيها بالاندحار صارخاً بأعلى صوته المبحوح..
- الأهلي نار "ياخوشان" "وجعره" (12) عيجغركم يا عيال ال..!
كان "الزباجين" وهم في العادة من مشجعي الأندية الأخرى وبعض مشجعي ناديه المفضل يجادلونه في موضوع هو كل حياته، وأحياناً يسيئون إليه ويشتمونه لكنه ما حقد على أحد منهم, فقد كان الحب يملأ قلبه لله ولناديه.. الحديد.
6- علي..
وينهمر حزن البلاد في طرقاتها المتربة كالمطر ويحيل غبارها إلى وحل من أسى, دوماً كان وحده كتلة من نقاء ورسول للبراءة والوجع..
ذلك المساء خرج من الملعب يحمل على كتفيه هموم صنعاء المدينة التي لا يعرف من العالم سواها، ولم يطعم حنظل الأيام إلا فيها، وذاب في زحام "عبد المغني" (13) وحيداً كما تعود, لم يكن يدري إلى أين يتجه..
هو يحب الله ويتمنى لو أنه يستطيع الذهاب إليه بشرط أن يكون الأهلي معه، والذي كان يؤلمه هو اتخاذه كمهرج لا يحفل أحد به من الداخل أو حتى يناقشه في همومه وأوجاعه..
 "- أنا ما ناش لعبة يلعبوا بها "علاسب" (14) يضحكوا" .
خرج من الملعب والشمس تغمره بالوداع قبل أن تغرب وكأنها لم تشرق إلا من أجله والسماء كانت مدججة بالسحب المخضبة بأول الليل و"المغني" كان مستمراً ببقايا سيارات ومارة لا يدرون إلى أين هم ذاهبون, وعلي وحده يسير فوق كل الأرصفة لا يكترث به الناس, وجهه ترتسم عليه آثار جروح قديمة وحديثة لا زالت دبقة الدم.
الظرافي كان فارغاً والشارع ممتلئ بكل الوجوه والأحذية والمتسولين وذوي القمصان الحمراء محشورين في حافلتهم لا يهمهم إلا الوصول إلى المقر في أقرب وقت.
الجماهير تفرقت وذابت وراء المنعطفات والأزقة بينما علي بمفرده يسير لا يدري إلى أين, يقلب عينيه في كل ما حوله فلا يرى بجواره إلا الوحشة.
وعندما وجد نفسه بغتة أمام "خُزيمة" (15) تذكر الله لا يدري لماذا تذكره في تلك اللحظة، ربما لأنه كان يسكن قلبه الفارغ من كل شيء إلا من الزهور، أغرورقت عيناه بالدمع وبدأ الموال..
" يا ألله أنا بين أحبك لأنك ما بتنسانيش"
عندما انتهى من مواله واصل بوجهه الغير حليق طريقه إلى حيث تقوده قدماه، والشمس تودعه بدموعها الملونة موغلاً باتجاه الأفق الشرقي، رويداً رويداً لا يلتفت إليه أحد سواها .               صنعاء قبل القيامة بقليل
 

الرسالة

يقضم أظافره، يهصر نفسه، يزفر كل شيء أمامه، والوقت يمر بطيئاً كجرذ يحتضر ويمطر طاعونه في سموات الأرصفة بعد أن دهسته سيارة مجنونة أول القرن، السنة ، اليوم، الساعة، الناس, "قال بأنه سيرسلها في أقرب فرصة فلماذا تأخر".
الوقت يمر، يوم، يومان، شهر، سنتان، وأظافره تنبت وراء أسنانه كالمسامير، وعيناه تزدادان نقاء وحشياً كعيني شخص يلد الغيب داخله اللاجدوى.
كل ما حوله كان يضايقه، زوجته هو ليس متزوجا,ً عشيقته، عشيقاته كثر, شرابه وطعامه، منذ عرف نفسه وهو يمارس طقوسهما بملل فاضح إلى درجة أصبح فيها يشك في هذه القضية, هل يأكل لأن لديه أسنان أو لأن الذئاب تأكله فيضطر للأكل؟
يصلي كثيراً، لا لزوم للصلاة، بل هناك لزوم لمالا يلزم ولما يلزم, "جميل أن يكون للإنسان رب يطبطب على كتفيه إذا ما انفجر الحزن داخله"!
كان وحده إلا من أسرة تعدادها عشرون، أقل، أكثر، لا يدري، أمه، أبوه، أخوته، أخواته, "لكن أمي توفت قبل أن أراها لماذا؟,‍ دون لماذ فلو رأتني لماتت قهراً عليّ ليتني مت بدلاً عنها مسكينة عانت كثيراً".
لم يكن يعرفها فقط سمع بها قيل بأنها كانت جميلة أبوه أخوته، أخواته، يحبهم يكرههم لا شيء يهم, "الكره حرام والحب ليس له ملامح".
شقيقاته متزوجات..مطلقات، فقط يحب أطفالهن يشبهون الملائكة، أحياناً، وأحياناً أخرى..‍‍,إخوته لأبيه يكرهونه، كلا بل هو الذي يكرههم بل.. بل!!.
"مساكين أخوتي كم أحبهم في كرهي، وكم يكرهوني بحبهم".
والده أرمل بعد دزينة نساء، والدته كانت الأولى مسكينة ماتت شابة، عذبها الكلب كثيراً.
لأبيه قريب بعيد أسمه ... نسي أسمه لكنه شاب طيب يحب الإحسان.
"نعم طيب جداً وقد يحسن إليّ ".
مهاجر منذ صباه الأول الذي نسي تاريخه، عن الوطن/ الخصم, "كم أحبك يا وطني يا أنا ".
يحبه، يبغضه، لا يهم مَنْ يحب مَنْ.
"لكنني أشتاق لحليب حنانك أيها المحتل أرضية القلب بالقوة والبلطجة" كان يلبس نظارة, ضعيف البصر، لا يرى أمامه ولا يستطيع الالتفاف إلى الخلف، متكبر، لكنه قوي الأمل.
"ما الأمل؟ هل هو حذاء إيطالي الصنع؟".
متوسط القامة، وسيم الملامح له لون التراب بعد المطر ينفر من أمواس الحلاقة, "إن حد شفراتها يفقد الوجه أعشاب الدهشة التي ترتسم عليه قبل الولوج في دائرتها المغلقة ثم إن النساء أيضاً يشذبن بها مروجهن المعشوشبة في كل الفصول".
الفتيات يلاحقنه ويسحرهن حديثه وجنونه.
"كم يثرن شفقتي وسخطي بإبتساماتهن الحمقاء، يبحثن عن الغيث تحت كل بارق ويدعين بعد ذلك الإرتواء، هل يشبع الليل من قطرات النجوم؟؟".
"أحب النساء وأكره أمي، أعني أحب أمي وأكره الـ......؟؟"
عنيت ..؟ قريب والده وعده في منفاه خلف الشمس، القمر لا يهم، وعده بفيزة دخول إلى منفاه الإختياري.
"عمي عطوف سينقذني، كم أحبه وأكره نفسي والعالم بل وهو أيضاً, فقط أحب الله يستحق ذلك قلبه كبير كثير العطف".
له خطيبة جميلة يحبها..
"كلا هي ليست خطيبتي، مجرد عشيقة، كلبة، عاهرة، كلنا عاهرون." عمر عمه سبعة وثلاثون عاماً قضى نصفها في المهجر، في بلاد التمثال الذي تطعن يمناه بطن السماء, ويملكها شخص ينادونه بالمستر "سام"..
"لا..المستر سام نوع من الخمرة الرديئة التي تضر بشاربيها وبمشاهديهم على حد سواء.. وأنا أكرههم وأكره أكراشهم المنتفخة كبطون الحوامل، تحت فساتينهم الفضفاضة, فهم يذكروني ببغايا وشواذ الـ(42 street), ليسوا مهمين لهذه الحياة، حيوانات قارضة، مجرد قمامة في مزبلة منسية وراء ضلفة التاريخ".
عمه وعده بمساعدته، لكن الوقت يمر، عقد، قرن، سنة، كلهم تبخروا ولم يبقى إلا رائحة أظافره وراء أسنانه.
كان وسيماً, لعبته المفضلة ممارسة العواء مع أي امرأة يصطادها, عمه الوسيم أيضاً كان يعب حتى الثمالة من خمرة سام الرديئة.
أخيراً أرسل له رسالة بينما كان يتوسده المرض ويغازله الموت، لم يستطع الذهاب للبحث عن رسالته، قيل له بأن أحد أصدقائه قد تسلمها نيابة عنه، لكنه لم يسلمها له حتى الآن، الوقت ينتحر وراء شفتيه المثيرتين، وأظافره قد صارت داخل فمه كلاباً تعوي، وهو يكره عواءها تذكره بداء الكلب, الرسالة وصلت وصديقه لم يسلمها له بعد، أسبوع مر ولم يجده.
" أين ذهب؟؟"
دورة قضم الأظافر تعصف به، كم مَرّْ من الزمن؟ لا يدري!!
أخيراً وصله أن صديقه قد مات، فرمته سيارة مسرعة أخبره بعض شهود الحادث، بأن المسكين كان يبحث عنه عندما فاجأته السيارة الساقطة وشطرته شطرين, قبل أن ينتهي من مشروع ابتسامة مقتضبة أراد أن ينفحها لطفل صغير كان يسابق ظله، وقد لونت كما حدثه بعض شهود الحادث دماء صديقه, أفكار بعض المارة الذين تصادف مرورهم أثناء السحر بالقرب منه، كذلك لونت وجوه كل الطرق المسافرة من هناك إلى مختلف البقاع، ومع أن المتواجدين وقت المذبحة كُثر إلا أن أحدهم لم يحاول منع السيارة من الفرار, أو حتى يدّون رقم لوحتها وكأن الموت المدوّي فوق الجثة المشطورة قد شلهم.
أضطر بعدها إلى الذهاب إلى المستشفى لإلقاء النظرة الأخيرة على صديقه التعس.
"مطلقاً، كنت فقط مهتماً بالرسالة، صديقي محظوظ مات شهيداً، كلنا نموت شهداء، نموت مثل الكلاب الضالة تحت إطارات المركبات المجهولة الهوية، ومع ذلك نسمي قتلانا في الطرقات شهداء، نوع من المجاملات فلن نخسر شيئاً، فعلاً لن نخسر غير قليل من كرامة، قيل بأنها قد نفذت من الأسواق وكثرة الصفعات تعلم البلادة (الكرامة نوع من المقبلات المعتقة يستحسن تناولها قبل الذهاب إلى النوم بعد رج الزجاجة، لكنها للأسف تعفنت وفقدت خاصيتها على أرفف البقالات طعمها كريه بعد أن مر وقت طويل على انتهاء مدة صلاحيتها)."
دخل المستشفى، كان من الداخل يشبه المسلخ كل رواده يعاقرون الصراخ وكأنهم سيذبحون، وفي مكتب الاستعلامات استلم الرسالة ووقع الاستلام مبتسماً.
كانت داخل مظروف أبيض ملطخ بالدماء.
"كم أشعر بالتقزز لدى رؤيتي للدم، ثم هل من الضروري لكي يموت الإنسان عليه أولاً أن ينزف دمه على قارعة الطريق؟".
فض المظروف فلم يجد أية رسالة، سوى ورقة صغيرة مكتوب في أعلاها بخط أحمر منمق: "أنت التالي", فلم يدر ما يجب عليه فعله، إلا أنه أنفجر ضاحكاً حتى تبول على نفسه، هو لا يدري هل كان تبوله رعباً أم غير ذلك , وحينما التفت إلى الوراء تسبقه رائحة بوله، كان ثمة فأس ضخمة تهوي على رأسه يسبقها صفير حاد حطم كل نوافذ المستشفى الذي يشبه مسلخاً حيوانياً مهجوراً لا عنوان له.  

 

 
تداعي الزمن الصعب


تعصف بك دوائر شيطانية حادة مثل تيارات هوجاء شديدة الشراسة من ضيق ذات اليد، وتتكالب عليك الدنيا بأسرها وكأنها تريد منك قصاصاً دون ذنب جنيت, منذ الصباح الباكر وأنت تتوسل وتناشد الأهل والأقارب ليمدوا إليك يد العون لحاجتك الشديدة والملحة للمساعدة, لكن كلهم يرفضون، يعتذرون ويعطونك مبررات لا تسمن ولا تغني من جوع، وبعضهم لحظك التعس تجاهلك وتجاهل طلبك المتواضع وهم للأسف الأهل والأقرباء.
تبقى وحيداً وسط هذه التكتلات  البشرية الجامدة، لا معين لك على متاعب هذه الحياة القاسية، سوى بقايا من أحلام الأمس البعيد شبه الميتة في أغوار وجدانك المتداعي تتمنى وتعلل نفسك بتحقيقها يوماً ما.
دائماً أنت شارد الذهن خصوصاً إذا قابلتك إحدى عقبات الزمن فتشرد في صلاتك، عملك, وفي كل شيء يمت إليك بصلة, وهذا ليس بيدك بل عنوة عليك، وعندما تبكي حظك العاثر تبكي بدون دموع أو نشيج، فدموعك آهات حارقة تطحن بها السنين روحك المعذبة.
لماذا أنت دون البشر.. لماذا!!
قنطت من مساعدتهم إياك هؤلاء مدعوا القرابة في اللقب فقط، في صفة الدم المدونة على البطاقات، أما المشاعر فلا توجد في القلوب فبينك وبينهم هوة سحيقة من عدم الاهتمام أو المبالاة, لا سبيل لردمها إلا بابتعادك عنهم والكف عن الاستنجاد بهم مرات أخرى قادمة، فهناك دوما رب أسمه الرحيم.
تخرج وتهيم على وجهك في شوارع المدينة المترامية الأطراف تصفعك أشعة الشمس بحرقة جحيمية من حرارتها التي لا ترحم فيغلي دماغك في قراراة جمجمتك, حتى يوشك أن يتبخر في الهواء لتصادم الأفكار والهواجس فيه، فتضع يديك البارزتي العروق النافرة كثعابين خضر جائعة على الصحراء المترامية في بلقاء رأسك الخالي نصفه من الشعر, وتضغط بشدة عليه خوفاً من الانفجار الذي تترقبه كل لحظة وكل ثانية.
ها أنت تعود يمتطيك الإرهاق وكل آلام الأيام العجاف راسية على كتفيك الواهنتين إلى عملك, ينتظرك مكتب تكومت عليه تلال من الملفات فتذيب ما تبقى لك من نظر في الكتابة وضرب وطرح للأرقام التي لا تنتهي، وتحطم فقرات ظهرك الغضروفية من شدة الإنحناء على تلال هذه الملفات الكثيرة العدد كالنمل في مواسم تزواجها المباركة اللعنة، ينتهي دوامك باكراً واليوم هو الخميس كما تذكر وهو يوم استلام الراتب الضيئل، تهرول وكأنك أول مرة ستقبض ولست منذ خمسة عشر عاماً تمر في نفس الطريق إلى الخزانة.
تتناول الريالات المعدودة بأصابعك المرتعشة وتبدأ الحساب في عقلك.. إيجار المسكن وحده يستنزف ثلاثة أرباع المرتب والمتبقي منه مصاريف البيت والأولاد، تتذكر صغارك الأبرياء فلذات كبدك, فتبكي كما هي عادتك بآهات مجنونة تدك أضلعك المتعبة، وحتى الآن لم تنس ولن تنسى بأن أبنك الأصغر توفي العام الماضي, نتيجة لأنك لم تكن تملك المال الكافي لإدخاله المستشفى الذي طالبك عامل استقباله بإيجار السرير مقدماً, وكأنك ضللت به الطريق إلى فندق وليس إلى مستشفى، تتذكر حينها بأنك صرخت لأول مرة في حياتك وقد كانت الأخيرة، صرخت وكان صراخك نشازاً نظراً لأنك لم تتعود أبداً على الانفعال والصراخ, فقد كنت متسامحاً حتى في أبسط حقوقك كإنسان موظف وهذا ليس تسامحاً بقدر ما كان عدم ثقة في نفسك للمطالبة بحقوقك, ولأول مرة في حياتك أيضاً تدحرجت دمعتين يتيمتين من مقلتيك الجافتين منذ طفولتك اليائسة..
"حرام حرام عليكم هو ابني.. اسعفوه.. أنقذوه أتوسل إليكم".
كانت كلماتك طحين في مهب ريح هوجاء لا يصل صداها إليهم، وكان جواب عامل الاستقبال وممرض جرّع إبنك سائلاً أبيض كعلاج أولي حتى يُرّقد، يصفعك ويطوق عنقك الناحل وكأنهما يريدان قتلك بكلماتهم القاسية وغير المبالية..
- يا أستاذ أفهم.. يجب أن تستخرج لصغيرك بطاقة تنويم طارئة وهي تكلفك مبدئياً خمسمائة ريال لخمسة أيام!
وقعت هذه الجملة الأطول خلال معاملتك لمختلف البشر على أذنيك كجبل نقم(1) فسدّت عليك أنفاسك وجعلت عينيك تضطربان في محجريهما, وكأنك فقدت السيطرة عليهما,من رآك في هذه الحالة لولى منك الأدبار..
- لكنني لا أمتلك سوى خمسين ريالاً فقط.. صدقوني.. أنا لا أكذب عليكم و...!!
مزقت جيوب بنطلونك أمامهم كي يصدقوك وكأنك تنفي عن نفسك تهمة سرقة أتهموك بها, فتريهم الجيوب الخاوية ليعلموا بأنك لا تمتلك شروة نقير، وقد كنت تتمنى في قرارة نفسك بكل أمل ورجاء أن يصدقوك، لكن نفس كلماتهم الجوفاء كانت تأتيك مبهمة غير مفهومة لديك, لأنك في الحقيقة لا تريد أن تفهم أو تسمع شيئاً مما قالوه من كلماتهم الحبلى بعدم الاكتراث, والممطرة باللامبالاة والسامجة كطعام بدون ملح منذ أمد سحيق.
- ياسيدي صدقنا لا نقدر على مساعدتك بشيء سوى بالإسعافات الأولية هذا هو المتعامل به في مستشفانا وهذه هي الأوامر..!
تفيق من تذكرك وأنت قد صرت أمام مخبز لبيع الخبز، تلجه لتشتري منه قوت عيالك الأربعة وأمهم، ستة أرغفة فقط محسوب حسابها منذ أول الشهر وتحديداً منذ اللحظة التي استلمت فيها المرتب السابق.
تعاود سيرك في الشارع الواحدة ظهراً والشمس تلسعك وتلهب قفاك بشدة, لأنك دوماً لم تتطلع إلى الأعلى إلا بوجل، كنت قنوعاً زيادة عن اللزوم على الرغم من حاجتك الشديدة لكل فلس، لم تطالب حتى بحقوقك المكفولة لك بحكم القانون، خمسة عشر عاماً مضت وأنت في الدرجة السابعة، زملاؤك منهم الآن مدراء ورؤساء لشركات ومؤسسات كبرى بل ومنهم الوزراء، وأنت كعيبان(2) مستقر مكانك تردد بضعف بينك وبين نفسك مقولتك وحكمتك العاجزة.. "هم لم يصلوا إلى ما هم عليه إلا بالخداع والنفاق والرشوة", وأنت تدري تمام الدراية بأن هذا غير صحيح أبداً, بأنه وهم كاذب أطلقته لتداري عجزك على أن تحذو حذوهم، فليس كلهم غشاشين أو منافقين بل منهم الصالحون والمجتهدون في أعمالهم مثلك تماماً، ولكنهم عرفوا الحياة أكثر منك وعرفوا أيضاً بأن الحظ لا يأتي سوى مرة في العمر، فيصيب من هو مقدام متطلع إلى الأمام بعزم وعندما أتى بالطرق الشريفة أو بغيرها أستغلوه، الشريف منهم وغير الشريف، الأمين والسارق وهم الآن فوق في القمة وأنت دونهم لا زلت تعارك ظلك الجبان تحت في السفح.
لقد جاهدوا ووصلوا إلى ما وصلوا إليه، أنت فقط كنت الأخير والجبان.. نعم جبان وهّياب بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معان.
هل تذكر صديقك محمود الذي اختارك زمان لتشاركه مشروعه الطموح دون سائر أصدقائه الآخرين, والذي لو نجح فسيغير نظام تعامل المؤسسة وعملها إلى الأفضل ويوفر لها ملايين الريالات سنوياً، لكنك خفت، جبنت تهيبت المسئولية, وكان يجب عليك الإقدام لأنك ستقدم بشرف لا لتسرق كالغير ولكن لتشيد وتعمر، أبيت المساعدة على الرغم من أنها كانت في صالحك، تخوفت لقاء المدير العام وهو يناقشك تفاصيل المشروع، أمهلك شهراً.. ثلاثون يوماً كاملة للتفكير ومراجعة ذاتك, لتأتيه بعد هذا كله وتقول له وبالفم المفتوح عن آخره.."آسف", صرخ، نعم تتذكر جيداً بأنه صرخ وكأن ثمة صاعقة أصابته من هول المفاجأة المتمثلة في ردك الأجوف.. "محسن أجننت.. إنها فرصة العمر يا رجل لمَ الرفض", أجبته بتفاهة وخوا: "أخاف الفشل.. العقاب!!"
"لكن" وهو لا يريد التصديق "ممن العقاب وأنت لن تخرق القانون أو سواه، ولم الفشل وأنت تعي مهنتك وطبيعة عملك جيداً!!"
"آسف".. بكل إصرار أبله في أعماقك أجبته، ونجح المشروع كما كان متوقعاً له نجاحاً باهراً، وتحدثت عنه كل وسائل الإعلام بل وطالبت بتعميمه على باقي المؤسسات, وترقى محمود إلى نائب المدير العام وبعد مرور ثلاثة أعوام لا غير، صار مديراً عاماً للمؤسسة كلها الآن، وأنت كما أنت لا زلت ذلك المحاسب درجة سابعة لا تقدم ولا تؤخر، تأكل أصابعك.. تقضم أظافرك، تتمزق ندماً, تعصف بك رياح القهر وضيق العيش، ضاقت عليك الأرض على سعتها، لو أنك وافقت محموداً أيها الغبي لو..!!
يعود إليك شعورك مذعوراً من رحلة ذكرياتك التي لا تنسى على صوت كابح قوي لسيارة مسرعة كادت أن تدهسك تحت عجلاتها السود كأيامك وتسويك بالإسفلت كعلبة فارغة, تتمتم والعرق يتصبب منك غزيراً بكلمات مبهمة" أرجو المعذرة, لم آخذ بالي.. آ..و.." فصدمك صوت ساخط ومخدر
"لا تعتذر وكفاك خبالاً, أنتبه لطريقك أيها المجنون هل تريد أن تموت؟!"
قال هذه الكلمات وأنطلق ذاك الذي كان على وشك أن يرديك وييتم صغارك يسابق الريح، والقدر، والموت.
رددت بعمق كلمة الموت في أذنيك.. ولكن أين هو هذا الموت من يبيعه في هذه الأيام الملعونة فقد أصبح الشيء الرخيص الوحيد في هذا الزمن الصعب.
فجأة يترائى لك وجه أبنك الأصغر بسام ذي الوجه الملائكي البريء كبراءة نوارس السماء الحالمة، وحمى السعال الديكي تعصف به، تخنق عمره وتفتك بجسده أمامك، أذابت رونق وجهه البللوري وأنت تراه، عيناه تذوبان كزهرة بالية ولا حول لك ولا قوة، ويسعل بألم شديد حتى طفح الدم من فمه قادماً من شلالات صدره الغض النازفة..
" بابا.. صدري يؤلمني أخبر الطبيب يضرب لي إبرة"!!
أبداً لن تنسى هذه الجملة التي خرجت من أعماق طفلك الذي يمزقه الألم مدى حياتك، فبكيت ليس بالآهات كما هي العادة بل بالدموع الغزيرة الانهمار المرة الطعم، وعندما رآك تبكي أراد تعزيتك في نفسه ببراءة الصغار" بابا حبيبي لا تبكي أنا بخير وغداً سوف أهجي لك ألف باء فقد حفظت ما علمتني إياه".
أه يا بسام الحبيب يا بسمة عمري، ويا زهرة حبي ويا أملي الذي كنت من أجله أعيش، أخذتك مني يد المنية التي لا شفقة في قلبها، مزقت وشائج قلبي حطمت آمالي بفقدانك ياسيدي الصغير، أحالت سويعات فرحي بقربك جحيماً لا يطاق، أين أنت ألن تعود يا صغيري الحبيب؟!
ها أنت ذا تعود وتكلم نفسك من جديد كمن فقد عقله..
"هل أنا مجنون كما قال سائق السيارة؟" تتسائل مقلباً كفيك في الهواء مرتجف القسمات.
تواصل مسيرك ببطء وتعب والغبار المتطاير يكتم أنفاسك, تمرق بمحاذاتك سيارة مرسيدس زرقاء اللون منطلقة كالسهم، انتبه أنها على وشك أن تقذف بك في الفضاء لتلحق بصغيرك الذي رحل قبل الأوان، تتراجع مذعوراً إلى الوراء وقلبك بين أضلعك يخفق بشدة الرعب الذي امتطاه حتى يوشك أن يتوقف عن الحركة.
آه.. تخرج من أعماقك بحسرة وغيرة، أنه سامي أبن محمود مدير عام المؤسسة, يمتلك سيارة فارهة وهو لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، بينما أنت يتهدد صغارك المرض.
سرعان ما تنسى الذي رأيت وتعود إلى سحب ذكرياتك الداكنة وتغوص في أعماقها، تتذكر وحياتك كلها ذكريات عندما خرجت من المستشفى كالمجنون تهرول لا تدري إلى أين، تبحث عمن ينجدك فذهبت إلى كل من تعرف تستنجد بهم هلعاً يملؤك الرجاء بمديد العون إليك، كلهم قالوا "لا" باعتذارات باهته يتحججون، شرحت لهم بأن ابن الفرحة، فارس صحراء حياتك المجدبة وواحة روحك وسيد أحلامك على وشك أن يسقط وينهزم عن جواده، يكاد أن يقهره طفيلي حقير "ساعدوه في معركته هذه من أجل أن ينتصر ويعيش لي شمساً ومطراً وسنبلة".
لا فائدة كلهم اعتذروا كما هي عادتهم، ولأول مرة منذ بداية صداقتك لمحمود تفكر بأن تذهب إليه كي ينجدك, وذهبت وهناك استقبلك بشهامة ونبل و..حب، أطلقت كلماتك في وجهه كالرشاش دون ترتيب، تجهم وجهه الرزين أرتدى ثيابه وعلى عجل وانطلق معك صوب المستشفى على متن سيارته الفخمة, وأنت تدعو الله في سرك أن يقدم الخير أمامك.
ولكن مهلا..ألم تلحظ أنه من يلبي نداء ملهوف وينجد مضطراً ليس باللص أو الغشاش المنافق، بل إنسان كريم الأصل رهيف المشاعر وهذا محمود بجوارك والقلق مرتسماً على وجهه من أجل ابنك أنت لا أبنه هو.
هل نسيت بأنك اتهمته بينك وبين نفسك بأنه غير شريف, هل تعتقد بصدق أن مثل هذه الصفة تجدها عند إنسان غير شريف.. ستقول وبكل تأكيد لا، أنا هو العاجز الجامد مكاني كتمثال فرعوني قديم، أما هم فقد غامروا واجتهدوا ونبذوا الخوف والرهبة وراء ظهورهم, وهاهم ومحمود أحدهم يسوق سيارة لن تركب في حياتك القادمة مرة أخرى عليها ولو أدخرت مرتبك لمائة عام من الادخار المهلك.
وصلتما المستشفى لتجد زوجتك وأبناؤك الصغار ينتحبون, تجول بناظريك بينهم تبحث عن بسام الصغير لكنك لا تراه, تهتز الأرض تحت قدميك بعنف، خطر لك خاطر مروع رهيب فتصرخ بجنون.." بسام.. لا ؟؟", عرفت دون أن يخبرك أحد أن واحتك في الأرض المجدبة، وفرحتك التي كنت تدخرها لصعاب الحياة قد ذهب صوب السماء، أغمي عليك لهول الصدمة التي هوت على ذاتك المستباحة أمام كل الآلام، لم تدرك كم من الوقت مضى وأنت ملقى على الأرض, فقد استفقت مذهولاً وجسدك كله يرتجف, وكمن نسي شيئاًَ تذكرت أن بسام قد رحل إلى البعيد ولن يعود، صار أبعد مسافر في الوجود فأجهشت بالبكاء كالثكالى.
أخبرتك زوجتك وأنتم عائدون إلى البيت تحملون جثمان فقيدكم الصغير استعداداً لدفنه ومواراته التراب، من بين دموعها بأن صديقك محمود قبل أن يذهب وضع في يدها ألف ريال بينما أنت في غيبوبتك القهرية، آخ ما أقساها هذه الحياة قبل ساعات معدودة كنت تبحث عن خمسمائة ريال لا غير حتى لو بعت عمرك كله، ولم تجدها وفي يدك الآن ألف ريال كاملة لكنها أتت بعد فوات الأوان.
واليوم ها أنت قد استأذنت من مديرك في العمل نصف دوام لتذهب وتبحث عمن يزيد فوق راتبك, لتعالج بجزء منه أبنك الأكبر الذي ألم به مرض فجائي, وها هو ينهي شهراً كاملاً في البيت دون شفاء، ولسوء الحظ لم تجد العون إلا من قريبة منك أعطتك مائة ريال لا غير هي كل ما استطاعت إعطاءك أياه، لكن ماذا تعمل مائة ريال في هذا الزمن الوحش؟
"عليكم ألف ألف لع..تريد أن تطلق صوتك بكل قاموس اللغات التي تُنطق بعد لكنك تتراجع متمتماً باستغفار بارد ومتلعثم أستغفر الله العظيم، لكنهم هؤلاء الأقارب وحوش ليسوا من البشر" تتحجر الكلمات في حلقك وتموت.
تصل إلى بيتك فترى نسوة يدخلن ويخرجن وهن متشحات بالسواد تسبقهن دموع المجاملات، فتخاطب نفسك في دهشة ما الأمر، ماذا يجري هناك هل..؟؟؟
لا تستطيع إكمال جملتك المستفسرة، تهرول مسرعاً ترتقي السلالم كالمجنون صوب شقتك الصغيرة التي تشبه علبة الكبريت, وهناك تجد في انتظارك النحيب والعويل وبقايا من رائحة الموت الذي حل للحظات في دارك، وكأنما الألم والحزن هما طريقاك في دروب العمر المتشابكة حتى تموت أنت أيضاً.
تتيبس كعمود من خشب عند عتبة الباب وأنت ترى زوجتك وهي تبكي بحرارة ولوعة فقيدها الجديد يعتصرها الكمد دون شفقة..
"أوه ياولدي.. ذهبت أنت الآخر وتركتنا، لماذا.. آه"
تيقنت من أن أبنك البكر قد ترك الساحة، ساحة العراك والفقر وشظف العيش والتحق ببارئه, حينئذ ولأول مرة في تاريخك يسقط رغيف الخبز من بين يديك, ولكن هذه المرة كانت ستة أرغفة تدحرجت صوب القاع, بينما أنت كنت تهوي إلى قعر هاوية من الإحباط والرعب والفزع, "لِمَ ياقدري أنت قاسٍ عليّ هكذا.. لِمَ" بغضب هذه المرة..
بدأ السخط يجتاحك كشرارة من البرق..
" لِمَ " ونار غضبك يزيدها الحزن اشتعالاً وجنوناً، وهذا شيء جيد وكأن موت صغارك هو مَنْ سيحيي فيك إعتدادك بنفسك، وعدم الخوف من أي شيء حتى وأن كان القدر نفسه، بداية التحرر من عقدة الخوف والخواء. "يا قدري أنت جبان هكذا؟"
ودون أن تشعر به يتقدم أحد أطفالك, أوسطهم منك ليأخذ بخاطرك الممزق ألماً وحسرة والمضمخ بالدموع القانية, "لا تبكِ يا بابا.. قاسم وبسام سيأخذان بيديك يوم القيامة ويدخلانك كما أخبرتنا الجنة، لا تبكِ.. بابا", وبكى هو نيابة عنك.
تركته على الأرض يبكي هو والنسوة وعدت أدراجك إلى بئر السلم تبحث عن أرغفتك الستة التي تدحرجت  قبل قليل من بين أصابعك،والتي لم تنسها وأنت تبكي ابنك الفقيد بدمع مختلف هذه المرة وكأنه دمع الانفجار القادم الذي يغلي داخلك!!!.
صنعاء 1989..
هامش:
1- نقم: جبل يقع شرق مدينة صنعاء
2- عيبان: جبل يقع غرب مدينة صنعاء
 
 

خربشات.. على جدران متداعية
- 1 -
جُبَّن محيط من الإخضرار والحجارة, من الطين والبشر والبساطة ¬وقلبك الرعوي الشاب, مدى فسيح مثلما الرحب يتسع لكل الآماد والأبعاد الخرافية، تسبح في فضاءاته طيور الصيف المهاجرة، والطرقات والأزقة الضيقة المتربة, يجري في أعماقها نسغ الغموض القروي الذي له وقع القدم، وسيول من الأوراق وهشيم الوقت والحيوانات السائبة تجري إلى حيث لا يدري أحد.
وهي عصفورة ملونة الريش لصوتها لذة خرافية, لها عينين تتماوج فيهما بحار الحياة قاطبة, ومن أفق جبينها الوردي رحل "عامر" إلى عوالم الحرب، الانتصار، الخيبة، الهزيمة، وقد كانت هي لك كل ذلك؟
- 2 -
- ستكونين لي حرزاً يقيني غول النسيان عند الفراق وساعة الوداع.
- حذاري.. ربما تختطفك نساء تلك المدن البعيدة فهن كما يقولون ساحرات.
- وجهك القمحي الذي ترتسم على محياه البشاشة، سأخباه تحت رموش الفؤاد.
- ويقولون بأن النساء هناك لهن أريج الخديعة والمكر، فلتكن ابتسامتي تعويذة لك بينهن.
- من بريق عينيك اللوزيتين سأجدل أشرعتي ساعة إبحاري بإتجاه المرفأ البعيد وحبك بذرة عشق ملتهبة تسكن أعماقي.
- حبيبي
- حبيبتي
- لنا الغد
- بأحلامه
- وأمنياته
- وبرتقاله وقمحه
- سأنتظرك عند كل مغيب
- وعند أي غفوة سرمدية لدقائق الفراق ستكونين حلمي
- سأنتظرك
- ولن أتأخر
- 3 -
إلى بلاد كل شيء فيها غامض، الشمس، النجوم، الناس، رحل، ولم يجد هناك من صديق سوى البحر، عند ما رآه أول مرة وقف مبهوراً صامتاً كالقُرين مندهشاً أمامه..
- أنت هو البحر إذن؟
- وأنت مغترب أفناه في غربته العشق.
- ما أدراك؟؟
- لا يصادقني ولا يبثني همومه يا صديقي إلا المحبين فقلبي له عمق النسيان وعطف الرفيق.
- كن صديقي.
- قبلت صداقتك منذ زمن وأنت لا زلت معلقاً على بوابة الرحم.
- علمني.
- أنظر إلى داخلك وستتعلم.
- أحتاج مشورتك.. فأنت البحر.
- وأنت الرجولة والعزم وإلا لما كنت تناجيني الآن.
- أحبك لكن ليس أكثر من صديقي النورس.
- ما النورس.
- مخلوق له جناحين يصفق بهما في آفاق المستحيل وكل فضاءات الله له طريق، وإذا ما أضناه الشوق سرعان ما يعود عشه.
- أأعود أنا الآخر؟
- ليس قبل أن تقطف ثمرة عنائك وتشردك.
- سأفتقدك.
- أنا لا أنسى أحد.
- الوداع.
- لست أدري كيف صبرت على غربتك.. أنت فارس.
- كنت لي بلسم الجراح.
- ستعود أيها الفتى المحب.
- سوف أذكرك عند حبيبتي.
- تكفيني منك الذكرى، الوداع...لكن لا تنسى بأن الصبر وقت إشتداد الخيبة بكل كنوز الأرض.
- 4 -
فرح كانت العودة وطلاق خُلعيٌ لديار العذاب كانت كلمات الوداع، والوطن بروعته يقبع في نهاية الدرب مثلما مواسم مطر تنتظر العناق.
- 5 -
وصلت أخيراً منهياً رحلة المعاناة، عدت طفلاً جائعاً لثدي أمه رغم زوابع الأنباء التي استقبلتك بها وجوه معارفك الريفية العتيقة, في طريقك إلى مدينتك النائية رأيت حمامة صغيرة تتدلى مشنوقة على جذع شجرة متداعية وثمة أفعى قبيحة تستبيح جثتها المستسلمة, لست تدري لماذا توقعت شراً بل أنك أعتقدته فالقلب لا يكذب أحياناً، ثم أنك كنت قد استمعت إلى حكاية ما قتلتك حتى الأعماق، وكم تمنيت لو أنك مت قبل سماعها.
- 6 -
تذوب الكلمات على لسانه كالشمع الساخن فتدمي لحظته الزمنية وتجعلها أنشوطة من نار تضغط على رقبته, ظننت بأن زمن النخاسة وبيع الجواري قد مات، كنت أؤمن بخلود الحب كم كنت ساذجاً وغبياً عند ما لم أدرك بأن الغربة محض مومس تخدعنا ببهارجها، لم أدر بأن الثمن سيكون حبي.
في البدء لم أستطع تصديق ما استقبلت به من كلام في المطار، لكن عند عودتي إلى المدينة التي لم أحب مثلها مدينة أخرى, كنت أسمع "النقيل" ذلك الصديق القديم يبكي والسماء والأشجار والتراب الكل يبكي، يبكوني أنا، فلم أفقه سر هذا البكاء الجماعي حتى سمعت صوت صياد تصعقني نبراته..
- حبك ياولدي قد وئد لحظة ارتحالك إلى المنفى والتي كانت لك يوماً حبيبة سيقت لدار غير دارك، ليس لك سوى الوحشة تغتصبك.
- تكذبين أيتها المنفية على رؤوس الجبال.. قسماً تكذبين
الصدمة مسامير تمزق الجسد وتؤدي به إلى حافة انهيار مروع..
- حينما تصل مدينتك الخائنة ستبكي دماً أحلاماً وأمنيات أرضعتها في مهجرك نبض الحياة, أوه عليك يا "عوليس" فحبيبتك لم تنتظر لأنك أطلت في رحلة التيه، ضلّت بك السبل فأبك على نفسك فالدموع تغسل المواجع.
- لكنها وعدتني
- ما أكثر الوعود
- قالت ستنتظرني عند كل مغيب للشمس
- قد مر ألف مغيب ولم تنتظرك.. أخبرتها "أم اللُعطي7" رحل النهار وطال انتظارك.. سندبادك لن يعود"
- خانت العهد؟
- ليس هناك عهود صادقة على الدوام
- من لي بعدها؟!
- لك أرضك وشموخ ذكرياتك القديمة
- إنسان أنا يبغي الحب والأمان لا صخور جامدة
- منها ستأخذ سفر الصبر وما معنى أن تكون رجلاً
- هكذا قال لي البحر يوماً
- وهكذا أخبرتك الآن
- لم يعد لي ثمة شيء
- لك الأمل
- وهي؟
- لا نصيب لك فيها هذه مشيئة الأقدار، لا تنسى الأمل يعني المستقبل وأنت لن تموت
- الأمل يعني..!!
وأقبلت الدموع مجنونة لا تتوقف عن النزيف.
- 7 -
كل شيء صار له لون وطعم الحريق، المرارة، الشحوب، السواد، الغدر، الذبول، الحقد، الخيانة، الكذب، وأصبحت "جُبَن" مدينة الفلاحين والأطفال والشهداء والطيور والأشجار الباسقة، محيطاً عاصفاً لا قرار له من الرماد.. الأفاعي، من النار والدخان والسراب.
- 8 -
"العامرية" هيكل حجري أبيض اللون تنتصب في قلب السوق، عندما دخلت كنت وحيداً إلا من بقايا دموع متكسرة معلقة على حبال رموشك، لم تكن في حضرة البحر أنت الآن في حضرة الله في بيته، هناك في الزاوية اليسرى على وجهه ترتسم كذبة الإيمان، كان يصلي راض عن نفسه، وقلبك المطعون يحتضر، يتمنى السلوان، عودة الحب السليب، والغصات تكويك من الداخل، تقترب منه، تراه مغمض العينين يبسمل ويحوقل، لا يشعر بك، أيظنهُ يخادع خالقه؟؟
تتذكر تلك الحبيبة وقد صارت حليلة لغيرك بينما أنت في مدن الانتحار تصارع المحال, تمزقك أشواك الغربة وتلقي بك إلى جحيم الدونية والضعة، تحولت إلى دودة رخيصة، أبيحت كرامتك دون أن تجرؤ على التفوه بأدنى اعتراض لم تكن جباناً لتصمت ولكنه المهر وهي من كانا يكبلانك بسلاسل الاستسلام، وعدت منتفخ الجيوب لتجد من أحببت يوماً وقد سبيت، سباها من لم يذق طعم الهوان، من كان أقدر منك على دفع الثمن فوراً, باعها هذا الحقير الذي يظن أنه يضحك على ربه وعلى الآخرين دون خجل.
شيء في دواخل وسراديب أعماقك يود الخروج.. يصرخ من الغيظ، ثمة حريق هائل ينهش كبدك.. توشك على أن تتقيأ.. تكاد تبكي، بينما هو يواصل صلاته في وداعة مصطنعة، لم تعد تطيق الصبر فقد حدث الانفجار داخل قلبك المغدور فتصرخ في وجه الخائن بكل صوتك المذبوح..." كذااااااااااااااااب...!!"
وتهوي عليه بكلتا بيديك بكل حقد العالم !!! وحشة الاغتراب الذي أهدر إنسانيتك .

 
مطــــــــر

ش ش ش
صوت المطر له لون البرق وهو يكنس وجوه البيوت المبللة والطرقات والسيارات..
ش ش ش
" هه .. مطر؟"
كطفل يسخر من صورته في مرآة مشققة أخذ يناغي المهرول من السماء..." دهينوه ..دهينوه"
ش ش ش
" يامطر.. قه قه قه"
الجو كان ملفعاً بالبرد، وضحكته المبحوحة تصادم في طريقها القطرات الباردة القادمة من مكان ما يعلو رأسه المعجون بالماء والغبار.
" يا مطر..."
ش ش ش
" أحوووه.."
شعوره الحاد بكائن لامرئى يداعبه بقسوة جعله لا يدري إلى أين يتوجه, مُطلقاً وَحْوَحاته المرتجفة في وجوه الأشجار وكل ما أمامه بحزن الذي أدركه الغرق, "يا ....!!"
"زنّته" المتسخة ذات اللون الأبيض الباهت لم تكن لتحميه من الذي يناطحه في ضراوة, وجسده المتسخ تقبل معانقة الضيف اللذيذ بوحوحات متفرقة, "مطر ...!!"
ش ش ش
"سعيد"، أغلق كشكه الصغير وغادره هارباً إلى دفء شفوق يسكن بيته المجهول العنوان, مخلفا وراءه شخصاً هامشياً يقارع غضب الطبيعة وحده لا سلاح معه سوى حركته الدائبة إلى اللامكان "أحوووووه.."
كانت القطرات الهاربة من الأعالي تجتاح كيانه العاري بعنف وكأنها تداعبه بلزوجة البلل الغريبة الرائحة..
أقفرت الشوارع..
والليل كان هو كل الوقت..
من المارة إلا من أصوات الكلاب الضالة تصارع قذائف البرد ووحده أمام الصمت الذي له وقع الوشيش يسير حافي القدمين زائغ العينين مسحوق الهيئة تحاصره من كل الجهات مياه الليل المنسي المنتحرة... "أحوووووه.."
ش ش ش
تحت أحد الجدران إلى الغرب من صدر الميدان العاري قذف بنفسه ليفاجئ الدفء لعله يجده أمامه يمزقه الانتظار, "يا ....", وضاعت في أتون المعركة داخل حلقه الجاف، بينما الأعمدة الكهربائية تتمايل كضفادع مشوهة في مرآة الشارع الغارقة في السكون المطير "رب.." أكملها قسراً وأطرافه تراقص القشعريرة التي تسكنه، أستكان مرتجفا في مكمنه تجاوره تلة همجية اللون مبللة العفونة من القمامة وبقايا أطعمه قذف بها مطعم مجاور، المطر لا يزال يغني، بينما أخذ يقلب في كومة القمامة عله يجد ما يأكله, "دهينوه..دهينوه.." صوته الذي كان يتصاعد جنائزياً أثناء تناوله لبقايا "ملوجة" مبللة، كان يأتي خافتاً محزوناً وكأنه يبكي، عندما تذكر إمكانية الغناء التي يمتلكها..."وآآآمطر...!!".
زنّته توحدت مع الضيف الجديد، وجسده المقدد إزداد أبيضاضاً وكأنه يتعرض لعملية دباغة فغدت أكثر بياضاً، ولحيته الشعثاء ازدادت حزناً ليلياً مخضلة بالتوحد.
الشارع..
ش ش ش
.. استكان للنوم والكلاب الشريدة ودوريات العسس، الشرطة المخبرين، تتزحلق عليه أقدامهم وإطارات مركباتهم بدهاء ومكر وعجالة.... "وآمطر.." صرخ بها أثناء ما كان يغادر ساحة الميدان الخاوية إلى حيث تقوده قدماه..
صار الشارع خالياً تماماً من أية حياة إلا من صوت مرتعش تسلق عنوة وجه أحد المصابيح الباهتة الضوء.
المطر لم يتوقف غير مبالٍ بذلك الصوت الذي يهتف بأسمه في مودة وشجن, قادم من البعيد من حيث لا يدري أحد.

هامش:
- يقولها الصغارة عندما يفاجئهم المطر.
- زنّته : ثوبه بالعامية اليمنية.
- تقال عندما يشتد البرد.
- خبز شعبي.
 
 

الجدب
  

تك. تك. تك...
عقارب الساعة تدور ضجرة والعرق يركض إلى مستقر لا يعرفه, تك .. "لو أنها ترفع بصرها إليّ أو حتى تهذر بكلمة"
انتهت مراسم الزفة وانصرف الضيوف بعد أن اتخموا بالعشاء
وتركوه لمصيره وحيداً، ينهش شفته السفلى تتخبط عيناه في كل الزوايا بحثاً عن المجهول، يكاد يختنق في ملابس العرس الفضفاضة، يشتعل الزمن في دمه كما لو كان يود اغتياله.
تك. تك. تك....
كان العرق يلبس وجهه الحليق ودولاب ذاكرته المتقدة يدور, وكأن كل الذين يتذكرهم ويتذكر غمزاتهم قد اتفقوا عليه حتى نبضات قلبه التي زادت من هرولتها كأنها تود فضحه بوجيبها الصاخب.
تك..
ترن في أذنيه كالصاعقة والوقت قطار أعمى يركض نحو الصبح غير عابئ براكبيه الوحيدين هو وهي، وحدهما صامتين كما لو كانا في جنازة، جنازة التردد واللهفة والعجز, "كل ما عليك فعله عندما تدخل عليها إلا أن تنزل سروالها الحالي وبعدا ياحمر العين قدك عارف الباقي", وصلته هذه النصيحة القديمة لأحد أصدقائه كطلقة أصابته في مقتل، لها دوي كدوي الطبول وهو أمام عروسه يبكي الخوّر داخله.
كانا وحيدين إلا من جوع حارق يسكنهما، وثرثرة ساعة حائطية قميئة لا تكف عن النعيق، تك توك.. تك.. توك.. تك.. توك.. تك.. توك, إلى ما لانهاية, كاد على إثرها أن يجن لولا دعوات أمه المتمركزة كجندي نجدة وراء باب الحجرة مستعدة للتدخل في أي وقت لنجدته دون أن تدري كيف ستكون نجدتها هذه.
أثناء نحيبه الذي لا يُسمع أحتلت عروسه السرير الوحيد في غرفتهما المتوسطة المساحة، يعبق من ثناياها روح البخور وتحيط بها "طنافس" مزركشه رخيصة، فبدت كملكة للسخط بوجهها العابس في وجه خصمها الضعيف، بينما أقتعد هو بعيداً عنها خشية أن ..!! هو نفسه لا يدري لماذا, على أرض مغطاة بموكيت باهت اللون، لا تفارق عينيه القلقتين كوب الشاي المنتصب أمامه كإله عقيم من زجاج.
أحياناً كان يرفع عينه ويرسل بصره شواظ من نار إلى ملكته المزيفة، ويعاود مغلوب على أمره صلاته لكوب الشاي الفارغ حتى منتصفه لا يدري ما هي الخطوة الاولى التي يجب ان يتخذها لكسر عشرة ألف سنة ضوئية من الجليد بينهما.
عندما زُفت إلى بيته كن صديقاتها ينصحنها بالثُقل وتصنّع الحياء، وعدم بذل نفسها رخيصة، فالرجال لا تعجبهم المرأة السهلة, لذلك فقد أخذت بالنصيحة مرغمة لزوم ليلة كهذه ورسمت على وجهها البض أمارات الخجل والخفر، لتكبر في عيني – تمنت صادقة لو أنها لم تأخذ بتلك النصيحة الغالية- مَنْ كانت تعتقد فيه الجُرأة والرجولة الفياضة، في ليلة مثل كهذه تمنتها منذ بدأت تموت لذة عندما كان يلامسها طيف أحدهم في المنام, مَنْ اعتقدت بأنه لن يتوانى عن أكلها حتى العظم، وكيف أنه سيهزم كل العوائق والموانع ويضع اللجام في مكانه دون خوّر، لكن...!!
"شلوك ما أفسلك" صرخت بها عينيها والعالم يتداعى عليها من كل الجهات، بينما فارسها لا يعبرها في غرقه العظيم  التفاتا, فأوشكت على البكاء كبداية للانتحار في بركة اليأس فالليل قد ذهب أجداده الأوائل، وبوذا القديس لا يود النطق حتى ولو كان عواءً.
ساعة الحائط تسابق نفسها تلهبها سياط العجلة، تك توك..تك توك, فتنزل تكتكاتها على رأسه كالجمر، وفي داخله كان يتذكر عندما مد يده لكتابة العقد، فكره اللحظة التي فكر فيها بالزواج ولعن أباه وأمه وأقرباؤه الذين شجعوه على مثل هذه الخطوة, "أخ منكن يا نسوان هذا الزمان تحرقين الواحد وهو يتفرج على نفسه، كم قد حلمتي بهذه الليلة وذلحين* جيتي تدقي* لي مسكنه يا بنت الـ.., تكلمي..هه..أو قد نسيتي الهذره..". طوال الوقت لم ينقطع عن التحدث مع نفسه، يخنقه الخجل من وضعه العاجز يكاد ينفجر من شدة الغيظ والقهر, "يمكنك تشتيني* أقوم لك أنا يا ولد المكلف!!"
كانت ليلة من كتاب الجحيم الذي لم يكتب بعد، وكم تمنت لو أن الأرض تميد بها أو أنها لم تخلق.
كانوا ثلاثة, هو وهي وساعه عجوز لا تكف عن الثرثرة بصوتها المعدني القاتل, وكل ما يتذكره في ليلته المشؤمة هذه قبل إنبلاج فجرها المخصي، أنه كان قد ألقى عليها التحية عند دخوله المضطرب، ويذكر بأنها قد ردت عليه بصوت خافت قضت وقتاً طويلاً في التدرب عليه أمام المرآة حتى تزيد من إثارته بصمتها، فكلما كانت العروس صامته أزداد جنون عريسها بها فيبادر بدوره إلى عجنها بين ذراعيه دون تأخير، هكذا تطوعت إحدى العجائز بإهدائها هذه النصيحة المجربة التي نفذتها بحذافيرها، لكن فارسها البوذي الجلسة خيب ظنها فيه، فلم تثره تنهداتها ولا صوتها الخافت ولا يحزنون بل زادته بلادة فوق بلادته الموروثة كما يبدو.
دخلا بعدها دائرة الصمت المقفلة بالرهبة والانتظار لمَ قد لا يأتي.
تحول الوقت إلى حلزونا كريه يزحف فرق ظهره بثقل لا يصدق، فالتفت كعادته إلى الساعة, فوجدها قد جاوزت الثالثة والنصف بقليل, قضى ما سبق من الزمن في ابتلاع سجائره، يود لو أنه يتحول إلى دخان ويتلاشى في الفراغ فلا يراه جنس مخلوق, وخلال وقته الطويل القصير، حاول جاهداً وبكل ما أوتي من قوة أن يكلمها دون أن يحدد نوع الكلام الذي سيقوله لها، فقط يريد البداية وبعدها سُتفتح الأبواب المغلقة.
صمم على ذلك أستدار بوجهه عشرات المرات استدار بوجهه إليها, فرفعت رأسها مئات المرات رفعت رأسها لعله!! حدقت فيه مخاطبة إياه بعيونها أن تكلم، قل أي شيء, أوشك بدوره على فتح فمه متشجعاً بما قدمته له من عون، وعندما أوشك على النطق بأي حرف تاريخي يفر من لسانه, دهمه الخوف وأحس بالشلل يجتاحه وفي لحظة كارثية وبنت حرام مصفى أكتشف بأنه لا يمتلك لساناً، مات في تجويف فمه، بردت أطرافه وأمطرت عرقاً بارداً له لون ورائحة النار، فأطرق بوجهه من جديد, وعندما تخيل ما الذي سيتفوه به الناس عنه، كره نفسه وتمنى الموت صادقاً لأول مرة في حياته"ما قدرتشي عاجز، مخصي", كل ذئاب العالم وكلابه وحتى حميره كانوا يصرخون في صوته، ومات في ثيابه عندما رأي أصدقائه يتندرون عليه بعد بضع ساعات من الآن, "عفط أما العفط* لكن وقت الجد ولا ببقشة *"
- " حُمى* طولك وعرضك يا سمخ * الغفلة.."
- " والله لو كنت مكانك ما تميت الخمس الدقايق؟"
- " لو.................؟!"
- " بس " !!!!
انفجرت داخله كلغم موقوت, " أيش شاقلهم يا ربي، أني فسلت* من مرة وأن ريقي يبس، يا عاراه. يا عاراه".
أعقاب السجائر كانت تتوالى على فمه بآلية قلقة تدفع إلى جنون إبن ستين ألف قحبة، حاول خلالها عدة مرات, مجرد أن يستثير فيها همته بتخيل ما سيحدث له لو أنه سمع تأوهاتها أثناء لقائهما العاصف المرتقب، وكيف أنه سيلتهم شفتيها ويهصرها بين ذراعيه، وكيف سيسقيها من نبع ناره التي تضج داخله بالرغبة والظمأ و....و...و....!, لكن همته كانت مغلفة بالثلج فكلما صوب إليها نظرة مختلسة، رآها كما لو كانت أفعى تُبحلق فيه وليست إمرأة، فتصفر داخله عواصف من صقيع وكمد وقهر متكربن يكتم أنفاسه.
من جهتها فوق عرشها الوهمي أحست بمدى عجزه وجبنه، فبدأت –عادت- إلى تنهداتها لتطلقها في سماء الحجرة لاعنة نفسها في نفس الوقت لقيامها بتمثيل دور المغلوبة على أمرها, ومع ذلك لم يفقه قصدها وظل كما هو لوح بارد يسبح في لزوجة وسوساته التي تغلي في قعر جمجمته, " يمكنني مربوط* أو مخصي، لكن وحوحات الليالي الطويلة التي كنت أقضيها برفقة يدي وعلبة الكريم كذب, سراب!, ما أفظع أن يشعر الإنسان بعجزه دون أن يقدم لنفسه شيء".
فكر آلاف المرات في أن يكون رجلاً لمرة واحدة وأن يشحذ همته القعيدة ويفتح معها أي حوار, "فما هي إلاّ مرّة", لكن شجاعته كانت تخونه في آخر لحظة.
بدأت الديكة بمقارعة الفجر بأذانها القديم وهما لا يزالان في نفس وضعيتهما السابقة، كل منهما يلعن الآخر والعالم أجمع في نفسه..
"قولي حاجة يابقرة ".
"قل أي شيء حتى صيّح بالبكاء يابغل".
يتمنى لو أنه يقتلها ويشرب من دمها عقاباً لها على صمتها، الذي أحسه مقصوداً، بل وإن هناك من دفعها إلى ذلك.
تخيلت مستقبلها معه على هذا النمط، فتمنت لو أنها تنشب أظافرها في عينيه وعنقه.
تصبب –لايزال- عرقاً حتى غرق في بركة عجزه، وهمهم ببدء الكلام مئات المرات لكن الثلج سرعان ما كان يدهمه فيتوقف عما نوى، ونظراتها تتوسل إليه بضراعة وشفقة، وبرغبة عارمة في لمسة تمزقها, "قم أنا لك ملك يديك حلالك قُم.. قُم".
لم تبق إلا أن تصرخ بها في وجهه دون فائدة, بينما بدى هو وكأنه قد ربط إلى الأرض بوتد لا فكاك منه إلى يوم يبعثون، وذاكرته تدور مذكرة أياه بفيلق أصدقائه الساخر وهم يسلقونه بنصائحهم السخية, "قبل ما تدخل عليها إشرب لك قلص بلدي*، علاسب* تقوي قلبك، قه.. قه.. قه", دائماً ماكان محط سخرية رفاقه المجربون عندما كانوا يتذاكرون فيما بينهم غرامياتهم وعلاقاتهم الجنسية، فيحمر وجهه خجلاً وحنقاً من نفسه ومن جهله, "ليتني صدقتهم وشربت كل المقويات في هذا العالم حتى لا أقع في هذا الموقف".
حينما افتض بكارة الليل أول خيط من خيوط الفجر البنفسجية، بدأ يشعر بالهزيمة تدب في أطرافه كما الموت مستسلماً له بعجز الفارس الذي فقد زمام المبادرة في معركته المصيرية, "تقولوا أيش بتقول عليّ ذلحين؟", سأل نفسه عند لمح نظرة منها تمشطه بتحد وازدراء, "سوّد الله وجهك", نطقت بها في عينيه مباشرة, فزاده استفساره ونظرتها الماحقة، كرهاً لرجولته المزعومة واضطرمت داخله نيران الاحتقار.
أوشكت الشمس على معانقة أول النهار وهي صامتة لا تتكلم منذ أول الحريق، فتداعت في مخيلته كل الصور التي ستقابله في صباحه الكئيب هذا, غمزات الجيران، سخرية الأطفال، بكاء أمه على رجولته المفقودة, احتقار أبيه له, شماتة الخصوم و.. و.. فلم يتحمل السعير القادم إليه فصرخ في وجهها كما لو كانت خصم بليد رفض تسليم سلاحه أمامه
"تكلمي قولي لي حاجة يا بنت الكلب", صرخ بها بحقد كمن يجلدها وكأنها هي السبب في تخاذله.
أفزعها صوته المزمجر، فردت عليه متلعثمة يدهمها عرق بارد.." أيش أقول" أجابت عليه ورأسها منكسة في حسرة، تود البكاء.
" أي حاجة ياغبية أوقد نسيتي الكلام؟؟"
كان صوتاً عميق الكره لها ذاك الذي صفعها به.
"والله لولا كلام الناس، لكنت قتلتها وقتلت نفسي", شرق بجملته المبطنة والانهيار يداعبه مداعبة الخاتمة.
أحست بالإنهيار في كلامه الآمر يداري به عجزه, فردت عليه ساخرة وحسرة محرقة تسكنها، بصوت جامد لا حياة فيه ودون أن ترفع رأسها إليه..
- المفروض أنك أنت الذي يتكلم مش* أنا فأنت الرجّال*
 أصابته في مقتل جملتها التي لم يتوقعها، جعلت كل حافظة تذكره  تنسكب داخل كوب الشاي المنتصب أمامه بكبرياء فارغة..
- -أنت الرجال ومنك المبادرة
- ألطمها على وجهها وجر البضاعة*
- طفي السراج وشل حق ابن هادي* ولو بالصميل*
- أوبه* تسوّد وجوهنا قدام الخبرة*
- أوقع أحمر عين
إرشادات ونصائح أصدقائه المتهكمة، أنهمرت داخله كشظايا بركان ملعون وصلت حتى نخاعه، فهب واقفاً كالملسوع وهجم عليها كذئب جريح، ودوي جملتها الساخرة يكويه من رأسه وحتى أخمص قدميه، وقد عزم على التخلص من موقفه المتخاذل بأي طريقه ولو بالقتل
-كل شيء عليّ، وأنتي مايسووا بأبوش هانا*؟!
وأخذ يهوي بكلتا يديه على وجهها صفعاً ولكماً ولعابه يتناثر من فمه أبيض كرغوة جمل ذبيح, شلتها المفاجأة من جراء هجومه الصاعق فلم تتفاد صفعاته ولكماته, بل جمدت أمامه كتمثال يواجه ريح هوجاء تنتحب دون صوت.
كف عن ضربها وعاد يجرجر نفسه كسيراً وكلاب الأرض قاطبه تنبح داخله بشماته، فأجهش باكياً كطفل فقد دميته ومن بين كلماته ونحيبه سمعته يتمتم حاقدا على كل ما حوله بانكسار مروع..
- "ما ناش* رجّال، ما أنا إلاّ ربية مكلف، بعدها أغمي عليها والدموع تزحف على خطوط الخضاب في وجهها ببطء له طعم الاحتقار" .
هامش:
• ما أفسلك: ما أجبنك في العامية اليمنية.
• ذلحين :الآن في العامية اليمنية.
• أشارة إلى المكر.
• تريدني "تشتيني".
• العفط :الشاب الضخم الجثة.
• البقشة: عملة يمنية الغيت وهي من فئة الفلس.
• فسلت : جُبنت.
• مربوط: إشارة إلى السحر أو ما شابه ذلك
• البلدي : خمر يصنع محلياً
• علاسب: لكي
• مش: ليس.
• الرجّال: بتشديد الجيم تعني الرجل المفرد
• جر البضاعة : أي باشر زوجتك دون خجل وهي تقال للسخرية
• طفي: أطفئ
• حق ابن هادي: المعنى السابق والصميل يعني الهراوة
• أوبه: أنتبه, الخُبره: بضم الخاء تعني الأصدقاء
• أوقع : كن . هانا: هنا.
• ماناش: لست.
• المكلف: تعني المرأة.
 
 

12 قصة قصيرة

متسول
على الرصيف ذلك البعيد في قلب المدينة المحتضرة بذبابها الكثير، وأطفالها العراة الصدور والبغايا والعجائز والكلاب، والقطط المدهوسة في الطرقات العارية، أقعى متسول أعمى يحسب ربحه طوال اليوم إثر للبيع عرضه آدميته...!!
كلمة
نظراتهما زمن من الفوضى والفضول، وقلق من شجون.. فراشات من التمنع والرغبة والظن, قبل إلى حيث لا يدري يقتاده الجند همس بصوت لم يسمعه سواها.
أحبك..
وركضت به العربة مخفوراً بالإعتقال، وعينيه تشرقان ...!!
في مكانه المجهول لم يدر بماذا.
صبحة
بكفيها النديين صبحة الصغيرة كانت تغرس زعتراً ونرجساً على شاهدة قبر أبيها، الذي رصاصه اخترقت قلبه ولم يتوان قبل سقوطه إلى الأمام عن قذف صرخة كانت تصهل داخله.
خالد
أذكره قبساً من طفولة وشقاوة ويذكرني دمعة لا تنطفئ.. مسافر إلى عيون الريح وأزقة الحنين، فمتى يسقي بسوسنة الحلم أمانينا ومدن المستحيل.

أبو جهاد
مستسلمة تلك العشية كانت تونس لقبلة البحر ونبيذ المحار، لأعشاب الملح وغناء النوارس العائدة لأبراجها، وحده عانق طعم الرصاص والموت، بعدها أرسل بيانه الأخير.
ناجي العلي
وحدها بكت مكعبات الرصيف اللندني الباردة، عندما أيقظتها قطرات وحشية الفرح/الحزن/ السخونة..
من دماء حنظلة؟؟
دماء الأحد
عشرون واليوم كان الأحد، لمن تقرع الأجراس ومريم للمرة الألف تشهد الصلب, "لم يمسسني بشرٌ"(5)، وحجر يداعب كفها، والأحد كان اليوم/الأرض/الغضب.
"أنى لك هذا"(6)
عشرون والأجراس عن الطرقات والمآذن تمسح الأحزان، ذلك المساء سقطوا وبدمائهم تضرج وجهها مريم, "هو الحجر ينصر بناره من يشاء".
جان مولويز
للفجر..
طزاجة الدم عندما أقتيد مولويز الذي لم ينم ليلته الفائتة، بوجهه الأسود إلى حتفه.
قيل فيه ما قيل لكن الحقيقة أنه غمز جلاده بابتسامة تشبه البرتقال وقصيدة بالصبح تتوعده.


سهى بشارة
حلقت في سماء بغي ذات يوم فراشة وطارت.. طارت.. طارت، حتى اجتازت تخوم برزخنا الخصي..
وحين من نومنا على دوي رقصتها استفقنا، قيل..!!
فأجهشنا بالبكاء.
عمال
"جر منه ناوله والنبي ما فلته", كان هكذا يغني عمال تلك السقالة الصدأة التي لا تُرى أسفل عمارة باسقة آخر شارع مجدب، وهم مبتسموا الوجوه مشققوا الأكف والأقدام.
تساؤل
جو الضيق يبعث على استدرار البؤس ووجه الجامعة داكن, الصمت فارغ المحصلة و"الدائري" حتى حنجرته مذبوح الظهر، ينز سابلة وحافلات حدباء محشوة بالعرق وروائح الأفواه الجافة، وبقهقهات ذبيحة لا طعم لها.
وحده على رصيفه المترب يجلس تسيل من بين شفتيه ابتسامة باهتة, "أيش بهم" تسائل وابتسامته اليتيمة تحتضر تحت أسنانه الصفراء ذلك الطفل المعاق.
مانديلا
لم تمت في قلبه أشجار السرخس والأكاسيا والمانجو، بل أثمرت سبع وعشرين سنة وبضع شعيرات بيض وقبضة تتوعد الأرض بالمطر.
شتاء 88 - صنعاء
هامش:
1- خالد: شقيق القاص.
2- رسام الكاريكاتير الفلسطيني الذي اغتيل في لندن.
3- إشارة إلى المذبحة التي قام بها إرهابي إسرائيلي في إبريل (1990).
4- قرآن كريم.
5- قرآن كريم.
6- شاعر أفريقي أعدمته قوات الفصل العنصري في جنوب أفريقيا سنة 1985م.
7- الشابة اللبنانية التي حاولت اغتيال العميل أنطوان لحد.
8- المناضل الأفريقي المعروف.
 
 

اللعبة

كنت قد ربطته ذلك الحيوان من رقبته بعد مقاومة عنيفة منه, برباط لا يستطيع حتى الشيطان نفسه منه أن يفلت، ومع هذا يأبى مطاوعتي أو أن يستسلم لي على الرغم من طيبتي مع كل الحيوانات الضالة دون سواها، أما غيرها فاعتبرها حيوانات مدللة ولا تستحق الشفقة.
وكنت نائماً عندما خطر لي خاطر أفرحني، فقمت من فوري بتنفيذه خصوصاً وقد مرت فترة طويلة على اصطيادي لخاطر كهذا.
* "الحوية" كانت فارغة من رفاقي الصغار أو بالأحرى أعدائي الذين يتضاحكون ويتغامزون كلما رأوني, فأنا لا صديق لي ولا أحب الأصدقاء، مجرد طفل لا يتعدى الثالثة عشرة من عمره يكرهه كل الناس، والوقت كان في حدود الرابعة والنصف من بعد ظهر أحد الأيام وكنت وحدي إلا من نشوة تدغدغني وتجعل بدني يشعر بقشعريرة حلوة, أثناء ما كنت أوثق كلبي الصغير محاولاً جره إلى داخل "الحوي" ذات السور الطيني.
كان أمر استدراج الكلب في الواقع للدخول أمراً صعباً للغاية حيث وأنه لا يأنس لرفقتي إلا حينما أكون خارج البيت.
أخيراً وبعد جهد ما بين شد وجذب استطعت إغراؤه بالدخول معي بعد أن قمت بالتلويح أمامه بقطعة لحم كنت أحتفظ بها في جيبي لسبب لا أدريه, وبعد أن تأكدت بأن خطتي تسير وفق ما أردت لها, قمت بإغلاق باب الحوي الحديدي إضافة إلى باب البيت الداخلي, وأصبحت وغريمي وحيدين ينظر كل منا إلى الآخر متوجساً.
من جهتي لم يداهمني نفس الشعور الذي رأيته في عينيه الصفراوين فقد كنت أدري تمام الدراية ما يجب عليَّ القيام به، المشكلة كانت مشكلته هو الذي لا يدري فما كنت قد انتويته لن أتراجع عنه أبداً وكل قطط وكلاب الحارة العفنة التي أعيش فيها يعرفون عني شدة مراسي وعدم تراجعي مهما كان الأمر فالقضية قضية مبدأ أولاً وأخيراً !!
أنحنيت بظهري المحدودب بسكون كل أفاعي العالم بطريقة عملية جادة, دون أن تفارق عيني غريمي المقيد والتقطت أكبر كمية من الأحجار, التي كانت في متناول يدي وبدأت بمداعبة صديقي الأعجم بطريقة – وهذه عادتي – تجعلني أدمع فرحاً، وهي أن أقذف بالحجر الأول في اتجاه بعيد عن هدفي, وبما أن الكلاب من عادتها الحمقاء منها على وجه الخصوص ملاحقة ما يقذفه الإنسان في وجهها أو بعيداً عنها لتشبعه عضاً، فقد فعل كلبي الغبي الشيء ذاته محاكياً بفعلته تلك جده الأول.
هذه الطريقة في تشتيت أنظار الضحية تجعلني أستعد استعداداً جيداً وأهيء نفسي بما يؤهلني لبدء المباراة مع خصمي وأنا في مأمن منه، حيث وأن حدبتي وعرجة إحدى قدمي تعيقان حركتي، وبالطبع لست مستعداً لمواجهة من يقف أمامي بيدي العاريتين، فأنا لا أبغي العراك فقط قليلاً من التسلية التي لا تضر على الأقل من وجهة نظري.
الآن كان الكلب الذي طالما تطيّر من دخول الحوي في آخرها, وهي لا يتعدى طولها الخمسة أمتار، أي على مرمى من قذائفي التي تدخل السرور إلى نفسي أكثر من أي شيء آخر في هذه الدنيا التي أكن كرها لها ولساكنيها، ما عدا الحيوانات الضالة بالطبع، وكان مربوطاً إلى وتد قمت بزرعه في أرض الحوي لا يستطيع منه هرباً، وبدأت لعبتي الأثيرة بقذفه بأكبر حجر كنت أحملها, وبما أنني أجيد التصويب بشكل غريب يثير دهشتي أحياناً, فقد أصبته بين عينيه إصابة مباشرة جعلت الدم يفر راكضاً إلى السماء مخضباً إياها بالعواء, فالتهبت حينئذ مشاعري وواصلت الرجم وأنا أصرخ صراخاً يشبه عواء ضحيتي المكبلة، وهذا ما كنت أود رؤيته منذ البداية.. الدم.
كان الكلب أول الأمر وعند رجمتي الأولى مندهشاً لما أقوم به، لكنني وهذا طبعي لا أترك لخصومي ثانية واحدة للإندهاش, بل أواصل نشاطي غير عابئ بما قد يعتقده الذي أمامي، وضحكاتي تملأ الفضاء ولعابي يسيل لزجاً على صدري كأفعى من رماد, ومما زادني هيجاناً شعوري بالبلل يداعب صدري ويتجول بين فخذَّي المرتجفين.
في البدء حاول كلبي الفرار لكنني لم أعطه الفرصة بل واصلت قصفي عليه من جميع الجهات, مستغلاً وجود الحبل الذي يحد من حركته واندفاعه، ثم إنني من ناحية أخرى كنت قد جهزت مؤنة كافية من القذائف الحجرية، لكن ذلك لم يمنعه من الدفاع عن نفسه على الأقل بعوائه المفجع له والمفرح لي, والذي كان يجعل الدموع تفر من عيني لذة وغبطة هو صراخه المتواصل الذي لم ينقطع حتى واجه حتفه.
هاجمته من فوقه ومن يساره ومن يمينه ولم أترك مكاناً في جسده ذي الوبر الخشن إلا وقد نهشته بأحجاري، وكلما سددت ضرباتي أحسست بأن حدبتي تفارقني وبأنني أطأ بعرجتي وجه السماء البغيض, حتى أنسلخت عني ولم أعد أعرفني، هل كنت أنا من يقوم بذلك أو شخص آخر غيري؟
واصلت مطري الصخري ندي العينين، وعواء الكلب صديقي يمزق كل ما حولي ويثلج صدري, ومن عادتي حينما أستقدم أضحية جديدة إلى حويتنا أقوم بتسديد ضرباتي في البدء إلى ما بين العينين حتى أفقد الضحية وعيها ولو جزئيا, وبعدها أركز على قوائمها حتى تخر أرضاً, بعد ذلك أتفنن في عملية الرجم، وحتى الآن وهذا عائد بالدرجة الأولى إلى دعائي لم تستطع ضحية واحدة أن تفر مني.
أصبح كلبي مغشياً عليه الآن تقريباً بعد عشر دقائق من الهجوم المتواصل والقهقهات المجلجلة التي تصم الآذان، وبعد أن تأكد لي استسلامه الواضح, تقدمت منه ببطء تسبقني عرجتي والتقطت أكبر حجر كنت أخصصها للضربة القاضية, ورفعتها إلى ما فوق رأسي وقذفت بها بكل ما استطعت من قوة على رأسه الملقي على الأرض يلعق دمه، ولم تفلح نظرته الصفراء المستسلمة التي رمقني بها لآخر مرة في حياته أن تثنيني عما أنتويته، فوصلني الصوت الذي طالما أطربني في السابق.. خشخشة مثيرة تفرح القلب للجمجمة المهشمة لتوها.
أخذت أضحك بعدها بجنون وحشي أفزعني وسالت دموعي غزيرة لا طعم لها، كذلك أزداد سيلان لعابي وصار لونه أكثر أبيضاضاً، له رائحة تشبه رائحة الشعر عندما تمسه النار, واختلطت علي الأمور فلم أعد أدري هل كنت أضحك أم أبكي ؟!
في الصيف – صنعاء 90.‍‍

 

 


 
احتراق

" يوووه ما أكبر هذا المدفع", قالتها وكأنها تراه للمرة الأولى عند ما رأته يفض الضجيج بقامته الفولاذية لا يأبه لأحد.
الشارع يعج بضوضاء المساء القادم من جهة الغرب متحملاً سواده على كتفيه اللاهثين، والناس كالنمل الضال يزحفون إلى حيث لا يدرون يلوكون الضجر والأرصفة بأقدامهم، كانت وحدها شعلة من نار مجوسية تنقر برشاقتها وكعبي حذائها وجه أفعى الأسفلت تحت قدميها كمن يود القتل, مقلبة بصرها المتكهرب في كل الاتجاهات وكل الوجوه، تفوح منها رائحة انثوية متوحشة معطرة بأول الحريق.
سيل كل شيء أمامها مستمرٌ في زحفه الصموت، وجسدها المحشو بالجمر والعطش لم تبرده نتف المطر الذليلة ونظرات الإعجاب، وعينيها وراء خندقهما الأسود تصلبان المارة بطعنات عشوائية نافذة, دون أن تكلف نفسها أو جسدها الغدق عناء الوقوف والتفرج على واجهات المحلات والدكاكين المتخمة بالألوان الفاقعة والغلاء.
كانت قد لمحته من بعيد وهالها حجمه الساحق الصلد، فحثت السير نحوه لتراه عن قرب، كان قد أصبح قبلتها لا تعير التفاتاً لفحيح البعض، بعد أن أيقظ فيها رغبة اللمس والالتصاق
- نوصلكم يا قمر
- شوفوا على عيون معها بنت الـ...
كلما تقدمت باتجاه هدفها العابس أزدادت الوحدة داخلها اتساعاً وتفجراً, وأزداد عطشها أنيناً, فلم تعد ترى أمامها سواه بلونه الأخضر يتمطى فوق عجلتيه الخشبيتين مبتسماً لها بجسارة.
أخذت تقترب منه مذهولة ممتلئة بالوجل والنار كما لو كان هناك من يدفعها إلى ذلك دفعاً.
صارت قريبة منه بضع خطوات فقط, كل ما حولها أختفى وذاب في سعير الفراغ والرغبة، منظره المعدني الذكورة طعنها في القلب فزاد تعرقها، ودغدغ بوخزاته المعطرة راحتيها وأماكن أخرى من جسدها.
بينما ظل هو شامخ الرأس يحدق في البعيد قرب حدود اللامكان، جامد القسمات وحشي الملمس.
أقتربت منه حتى صارت أمامه مباشرة وجهاً لوجه، تسبقها يدها المرتعشة وأنفاسها الحارقة، ولمسته مستسقية إياه بكل العطش الذي يصرخ داخلها، مطلقة أنة صغيرة تشبه منتصف الجحيم, فأصابتها برودته المعدنية في الأعماق, أغمضت بعدها عينها بهدوء وطمأنينة الذي أصابه الإرتواء، ومن حولها كان الوقت قد بدأ في الاشتعال.


فاتحة إبريل 1991م .ذات مساء. صنعاء.
 
 

جـــوع

فتح عيناه..
الشارع يصافح بلسانه الأسود أحداق الأوراق والقراطيس المتطايرة، الفراغ، فحيح المباني التركية، وضحكات النساء المتفرطات في بطون الحواري الخلفية الموبؤة بالسأم واجترار القات والنميمة.
..بملل وفمه الأدرد يلتهم ميدان التحرير بتثاؤبه الآلي الذي يشبه العواء
- يأالله..
شمس حمراء تجر وراءها جثة الغروب المشوهة أقبلت تُيمّم نجس النوم المفرغ شهوته تحت جفنيه المترهلين بموات، يفزعها المدفع ذي الخضرة الغامقة فوق دكة حجريه سمراء، وهو يواجهها بعين سوداء تمطر النار والموت في ما مضى، التوالي أشعتها هاربة موغلة في قامات الأشجار وعذقانها الجافة، ومؤخرات المارة المكدودين وقهقهات بعض العاطلين أثناء ارتشافهم لقهوة مرة على مقهى يسكن أحد الأطراف الغربية للميدان، عند سماعهم لقصة رجل مات ولم يستطع ذووه دفنه لغلاء القبور وندرتها.
- .. مر الوقت سريعاً أثناء نومي ترى..!
وراء شاحنة كبيرة تنام على الرصيف الذي يليه، أقتعد شخص حافي القدمين الأرض وراءها وكشف عن عورته وأخذ بجدية الموقف ولفافة تبغ تطعن فمه.. يسلح!!
بينما يديه تعدلان من هيئته الشعثاء ليظهر تشوهه المبالغ فيه إلى حد الفزع للعيان والوجوه المذعورة أثناء هروبها إلى حيث لا تدري.
- ..هل سأجد ليلتي هذه بعض اللقيمات؟!
لسان الشارع المشقق لا تزال تركض بين شقوقه السيارات، النمل، البصقات الملونة، ورنين أحذية النساء والفتيات الممشوقات، والمترهلات، والقبيحات، القوادات، يقودهن التسكع إلى المضاجع المواربة خلف جدران البغاء، الدكاكين ومزاح البائعين، أصباغ سان لوران وطنافسه، وإلى حيث لا ينتهي اليوم وقطار الهاربين المنهك يمر أمامه بطيئا، لاهثاً كطائر أعرج يسابق نفسه في سماء جدباء، تصل إلى أنفه المفلطح ذي البثور الخضراء، روائح أقدامهم وأمانيهم ذات الرائحة المحنطة.
- ..لله..
قبالته، أمام بوبؤ عينه الوحيدة جاورت سيارة داكنة الزجاج...؟
لطمه تجاهل راكبي قطار الهروب برائحة أحذيتهم وعرقهم المترسب في مسامات جلودهم المدبوغة، حتى أيقظ وحش جوعه الساكن مغارة بطنه الضامرة.
ظل إمرأة طاغية الأنوثة تحارب قدميها الطريق بعنادٍ له شياط الرغبة، وفُتح أحد الأبواب بجوع لا حد له.
المتفرطات لازلن في حواريهن القديمة البيوتات، يلكن فتات الغروب وأعراض جاراتهن، ويتهيأن للفراش بتأوهات لها طعم القات، وجوع حارق أخذ الوحش المتمترس قعر بطنه الفارغة، ينهشه بضراوة، فأخذ يلملم جسده المبعثر استعداداً لمغادرة الرصيف المترب، والمدفع الواقف على مرمى بصره المشطور يسخر منه بشماتة.
سالت ابتسامة باب السيارة الداكنة الزجاج على التراب بشبق بهيمي، وأصابه شبع التهيؤ حينما لامسته أصابع الأنثى.
دكانه الضيق فارقه الهواء الطازج وسكنه أرق المنفى والتوحد, عندما عانقت رأسه المصدوع، وسادة قذرة بأرهاقٍ مستديم، تسيده لفوره توجع يومه الطويل، بنوم قتيل له صوت يشبه صوت الخوار الذي لا يسمعه سواه.
أضاءت المصابيح سماء الميدان وذات الزجاج القرمزي تتصيد أنثى جديدة، وفي أحشاء الأزقة البعيدة كانت أقدام المتفرطات تناطح أسقف حجرات النوم في صهيل مدوي له طعم الإرتواء.
شتاء صنعاء- 89
 
 

من مذكرات شخص هـامشي

فجر الجمعة .. 1- يناير
كعادتي القديمة منذ أن بدأ مرض غامض يداهمني بين فترة وأخرى لم أنم حتى الآن, الثلث الأخير من ليلتي الدهرية هذه ولم يقارب حتى النعاس جفني ولله الحمد، أقول لله الحمد بغض النظر عن صدقي من عدمه، لأن عدم النوم لفترة طويلة متعاقبة من الزمن مع حمى قلقة تعبث بجسدي، ما هو في حد ذاته إلا بلاء وخيم قد يؤدي أحياناً إلى الجنون كما يقول أطباء الأعصاب، وهم جديرون بالتصديق أو ليسوا أصحاب شهادات كبيرة، وصلعات صحراوية لا أمل مطلقاً في تشجيرها، وأنا كشخص مدون في جواز سفره الديانة مسلم، مع أنني لا أمتلك جوازاً للسفر ولم أسافر قط إلا عند قدومي إلى صنعاء للدراسة, فأعجبتني واتخذتها لي خليلة وموطن، لا يسعني إلا التحلي بصفات المؤمنين الزهاد في تقبل ما يواجهني من صعاب، بدلاً من التذمر الغير مجد ما دام النوم لن يوافيني إلا حين تناغي الطيور صبحها الجديد.
تباً ها قد عدت للهذر مجدداً دون فائدة، لا أدري ماذا أقول أو ماذا أكتب، فلقد مزقني صفير الصمت الكئيب داخل أذنيّ المتوثبتين كأذني كفيف عتيق لإلتقاط أي همسة شاردة مهما تناهى خفوتها، حتى وأن كان صوت المصباح الذي يضيء لي ظلام حجرتي, لكن هل للمصابيح أصوات؟ حقيقة لا علم ولا معرفة لي بعلم الصوتيات، فقط أردت كتابة مثل هذه الجُمل في مذكراتي لكي يقال عني بأنني أديب, ولو أتينا إلى الحقيقة والأمانة كما يتشدق بها البعض، فلست أديباً ولا الأدب مني في شيء لكنه حب التباهي لعنه الله.
صحيح أنني في أحد الأيام الفائتة الشديد التوحد فيها بذاتي وبأفكاري المجنونة، أعتقدت, وجزى الله عني الاعتقاد بألف لعنة بأنني مشروع قاص خارق الموهبة دفنه الفقر بالحياة, ولسوء حظي صدقت ذلك الاعتقاد وآمنت به، فشرعت في كتابة رواية تهز القلاع الأدبية بمن فيها، تناقش الإنسان وما يكتنفه من هموم وخوف وقهر وبطالة وضياع إلى آخر مثل هذه المسميات المكررة، مع علمي الأكيد بأن هناك مئات من الأدباء والمفكرين قد ناقشوا تلك القضايا وغيرها ولم يفلحوا في تغيير الواقع الجامد بعشرات المؤلفات، وكان جزاء بعضهم الصادقين منهم القتل والنفي عالة على عباد الله في أرضه الواسعة، ومن نجي منهم أصبح بقدرة قادر ولعل القادر هنا هو الخوف بوق صاخب يعزف على أبواب الحكام وفوق موائدهم العامرة بأقوات شعوبهم المضطهدة.
لتلك الأسباب السابقة قررت الكتابة والعنفوان الساذج يجتاحني كشرارة البرق، فلا ولد أخاف ضياع مستقبله أو إمرأة أخشى انحرافها بعد موتي, ما عدى والدتي التي تجاوزت الستين بقليل والتي لا أرضى لها أو لزوجها الشيخ الكبير والذي هو لمن لا يعرف أبي, الموت قهراً في أحد المعتقلات بتهمة عدم تربيتي مبادئ الخضوع والاستكانة، إلا إذا كانت أقدارهما قد رضيت لهما تلك النهاية فلهما الله والدموع.
وفعلاً باشرت بكتابة روايتي التاريخية التي كما قدرت لها ستهز عروش الطغاة في عالمنا الموبوء بالسفالة والرق و...و... إلخ هذه الكلمات التي لم يعد لها سوق في هذه الأيام.
لأكتشف بعد أن كتبت خمسين صفحة حجم كبير بأن ما كتبته ما هو في حقيقته إلا سخفاً وجنوناً أقرب إلى الهذر منه إلى الرواية, ولأنني منصف وصادق مع نفسي فقد عدلت عن رأيي في تتمة مشروعي الفاشل والأسي يحز أوردتي، ومزقت ماكتبته خلال أسبوع من المعاناة الفكرية الضحلة ربما بسبب لحُمى تكويني، خوفاً وهذه حقيقة مؤلمة من وقوع روايتي المبتورة في يد أحد الرقباء، وهم عليهم الله وجنوده كُثر, فيقذف بي دون وازع من ضمير وراء قضبان فولاذية مكهربة حرم على ماورائها رؤية وجه الشمس إلى أبد الآبدين, الآن فقط عذرت الأدباء والكتّاب الجبناء لهم جبنهم فالكتابة شيء والواقع شيء آخر ويبدو بأنهم قد عرفوا هذه الجدلية قبلي.
وحتى أكون صادقاً أمام الورقة التي أكتب عليها، أعترف بأنني لم أصل في كتابتي رغم صدقها إلى فرع من فروع الأدب المتشعبة، ولم تكن ما أسميتها رواية سوى منبراً للصراخ دون قواعد أو أسس أدبية معروفة، فلا هي بالرواية أو القصة أو الأقصوصة، بل أن الحكايات التي كانت جدتي رحمها رب السماء ترويها لي أروع مما كتبته فساءني ذلك، فقررت بعدها عدة قرارات هامة كبعض قراراتنا المضحكة:
لا لكتابة القصة سواء كانت قصيرة أو طويلة أو عريضة أو رواية، لا للاحتجاج على الأخطاء الكثيرة فلن يحرك احتجاجي شعر الجامدين ذوي النفوس المستسلمة، لا.. لكلمة "لا" فقد تؤدي بي إلى أعماق الجحيم، وما أكثر وجودها في أقبية السجون التي يفوق عددها عدد الجامعات داخل هذا الوطن الموبوء بالفاقة والقراصنة والحروب التي تبدأ فجأة وتنتهي فجأة لا تدري لماذا، نعم للسكوت الجبان ما دمت لن أكون أخر الجبناء.
هكذا بهدوء غريب طلقت الفكر وسنينه، لأكتشف بعد طلاقي الخلعي المتعسف لكلمة فكر، أن في أعماقي تسكن موهبة أخرى أصدق من..، من ..هآ وووووم.. ها، يبدو أن النوم قد أقبل أخيراً ومؤكد بأنني سأستجيب له بكل وداعة، فإلى النوم ولتصبح على خير يا ...وطن.

الثلاثاء 5 - يناير:
اليوم أستيقظت مبكراً على غير عادتي نشيطاً يمتطيني الحبور، وما كدت أفتح عيني حتى رأيت حجرتي الحقيرة التي أسكنها، المتداعية الأركان والتي طالما ترقبت سجودها علي أثناء نومي لكثرة ما تبعثه من أصوات تفجع القلب، قذرة الأرضية عطنة الرائحة.
أنا لا أقول بأنني لم أكتشف هذه الحقيقة إلا يومي هذا، فلو قلت ذلك فأنا أكبر كاذب تعرفت عليه في حياتي، فقبوي أعني حجرتي الصغيرة، هذا طبعها منذ سكنتها قبل خمسة أشهر مضت, قذرة بمعنى الكلمة ومهما حاولت تنظيفها عادت القذارة أشد من السابق وكأنما هناك أرواح شريرة تسكن معي وتلقي بمخلفاتها على أرضية الحجرة، مثلما نلقي بأعذارنا الواهية على الآخرين مشرقاً ومغرباً دون رادع من ذوق أو جيرة، فإذا بي في أحد الأيام وقد فاض بي الكيل، أنادي تلك الأرواح اللعينة المفترض وجودها معي بأن تتقيد بالنظام والنظافة أو لترحل عن مسكني فأنا إنسان يكره الفوضى وقد تحملتهم بما فيه الكفاية.
من رآني على تلك الحالة من الجنون لولى هارباً يركبه الفزع, فقد كنت أكلم نفسي وكأنني أكلم أشخاصاً يفترض وجودهم أمامي, وعندما أقتنعت على مضض بعدم وجود جيران مشاركين لي ضيق غرفتي ليقوموا بمعاونتي في عملية التنظيف طبعاً غير الجرذان المزعجة كما تحتم الأخلاق، سلمت أمري لله وقمت بيوم النظافة بنفسي لاعناً في سري العزوبية والنخاسين الذين لا يقنعون بالقليل، والآن وقد رأيت القذارة تعم مختلف مناطق الجحر الذي أسكنه، فقد أنطفأ بريق الحبور داخلي وعدت إلى النوم كرة ثانية عندما تذكرت أيضاً بأنني لا أمتلك ملابس نظيفة للخروج، فأغمضت عيني، قاذفاً حظي وفقري ومن يتكلم عن المساواة في ما يكريفون من ذهب، بأقذع الشتائم التي لم تدون في أي سجل لغوي بعد.

الخميس 19- فبراير
أنقطعت عن الكتابة كل هذه الفترة الطويلة نسبياً من الزمن لأنني خلال إحدى لحظات وحدتي, أصبت بفكرة عارضة مفادها جعل شخص ما يشاركني حياتي ومللها علني أرتاح قليلاً من الشعور الدائم بالوحدة، فالأصدقاء لا أمل يرجى منهم، فهم ولسوء حظي السيء دائماً يموتون نبالة وزهواً في مناكدتي وجري إلى حافة الانتحار، ويعلم الله بأنني لست بحاجة للنكد ففي جرابي الكثير من الهموم.
إذن الأصدقاء وهم أثنان فقط أحدهما مولد من أم كينية والآخر متخلف ضل طريقه إلى الجامعة كغيره من الأميين الكثر لا يفيان بالغرض، فأخذت أفكر وأفكر حتى أهتديت إلى حل، فبما أن حدتي في المقام الأول والأخير هي وحدة عاطفية عليَّ إذن أن أبحث عن الحب، أي أبحث عن فتاة تكون مقبولة وأجعلها تحبني وتنسيني أيام الشقاء, كيف؟ لست أدري. هكذا كان الحل ومن طبعي عدم مناقشة الحلول التي يتفتق عنها ذهني, أدري بأن فكرتي منطقياً تعتبر فكرة مجنونة لا يصدقها عاقل ولأنني لست كذلك, فقد صدقتها وبادرت فوراً إلى تنفيذها، فكان أول شيء قمت به لتنفيذ مخططي الجهنمي القيام بتناول بقايا مرآة كانت ملقاة على منضدة خشبية بجوار سريري القديم وأخذت أحدق فيها ببله، فرأيت وجهاً أفزعتني لحيته الشعثاء، وعينيه الجامدتين كعيني أفعى عجوز، ولم استرد ثباتي إلا عندما تنبهت إلى أن الوجه للأسف كان وجهي بشحمه ولحمه، فقمت لفوري وأخذت آلة حلاقة صدأة وشرعت في حلاقة لحيتي المجنونة والتي تذكرني بلحي قراصنة الأزمنة الغابرة، وخرجت من معركتي مع اللحية اللعينة بعدة جروح مزقت بعض مناطق وجهي الشديد الشحوب, مما زاد الطين بلة فأنا محتاج لكل ذرة وسامة وليس لأخاديد وجداول عرجاء، ومع ذلك كنت مصصماً على مواصلة التقدم لما خططت له في أن تبقى لي حبيبة، وفعلاً أرتديت ثيابي وهي للأسف قديمة وعادية وانطلقت من كهفي أعني حجرتي, مُسائلاً نفسي أين يمكنني أن أجد فريستي معذرة أقصد غنيمتي، أوه.. تباً لهذه الغلطات الجائعة, عنيت التي يمكن أن تصبح حبيبتي، فهداني تفكيري الألمعي إلى حديقة الثورة بالحصبة، وبما أن حجرتي تقع – وليتها وقعت واراحتني من حياتي بجوار الجامعة القديمة, وحالتي المادية لا تسمح لي بركوب سيارة أو حتى دراجة هوائية، فقد استسلمت لحكم المقادير وقطعت المسافة رغم طولها سيراً على الأقدام كعسكري يمني غابر، مردداً في سري مثلاً يقول.....!! ياربي ماذا..! يبدو بأنني قد نسيته، المهم يعني ان في الصبر الفائدة أو ما شابه ذلك، ويعلم جبار السموات أنني كنت خير مثال للصبر خلال سفري هذا.
وأخيراً وبعد جهد ومشقة وأنهارٍ من العرق وصلت الحديقة ذات الوجه المبقع بالتراب والتي يبدو بأنها في المرحلة الأخيرة من المفاوضات بينها وبين سيدنا العزيز الذكر ملك الأشجار والحشائش, لما يبدو من أثر الاحتضار على قسماتها الخضراء، لأجدها لنذالة حظي الوغد كعادته خالية من الرواد، فاليوم كان السبت وبعادتي المشهورة عني وهي عادة حمقاء لم أيأس وأخذت أتمشى في أرجاء الخراب الأخضر، وحينما رأيت الفريسة التي لأجلها أتيت، ها أنني عدت للتلفظ بالألفاظ الهمجية، أقصد الحبيبة المنتظرة, استجمعت كل فلول شجاعتي المبعثرة في أعماق أعماقي وسحبت نفساً عميقاً كمن سيقدم على مواجهة الموت, وتوجهت ناحيتها بعد أن عرفت بخبرتي المكتسبة حالاً بأنها وحيدة.
"مساء الخير"..ألقيت بتحيتي في وجهها ببرائة طفل فقد أمه في زحام عاصف لا يخلو من بلادة، وكما توقعت لم يصعقها جمالي الخارق أو تسحرها أناقة هندامي لتجيب على تحيتي المرتجفة بجنون ولهفة، لكنها رمقتني بنظرة ماحقة من الاستغراب مليئة بعدم الاكتراث لهذا المخلوق الوضيع كما يبدو الذي تجرأ على محادثتها, وواصلت سيرها دون أن ترد عليَّ بحرف أحمر كما يقول والدي حماه مولى النعم، وكأنني غير موجود أمامها البتة.
آلمتني نظراتها المتعالية لكنني لم استسلم لصدودها فأنا مؤمن بحكمة قديمة أشهد لله بأنه لم يضيعني سوى إيماني الأعمى بحكم وأمثال جدتي عليها الرحمة تقول آ..هه.. يبدو أنني قد ضيعت معنى الحكمة ما علينا، المهم أعدت عليها تحيتي العقيمة مرة أخرى فكان جوابها صمتاً مدوياً كصمت القبور, إضافة إلى صمتها اللعين مَنّتْ علي بنظرة احتقار قاسية قسوة أيامي مشطتني بها من اسفلي حتى قمتي، شعرت بعدها باليأس يدب في أوصالي مع شعوري بمرارة الهزيمة.
لكن.. رباه لقد كانت تبدو شديدة الجمال كما يبدو لي من شكلها وهكذا ظللت أطاردها من مكان لآخر مردداً كببغاء ثرثار لأول مرة في حياتي, كلمات أخجل من كتابتها لسطحيتها الشديدة, ورغم كل ما قلته كانت صلبة كتمثال سبأي يعود إلى الماضي مليون عام. حاولت أن أشرح لها بأنني وحيد أبحث عن أنيس لا يهمني شكله ولا أصله بقدر ما يهمني فهمه إياي ومشاركتي بصدق آلامي العظيمة، وبأن غرضي شريف! حتى تلك اللحظة لم أكن أدري ما الذي أبغيه من الفتاة ومع ذلك واصلت تمثيلي الفاشل لا أقصد منكراً حاشا لله من ورائه، لكنها قبحها الله ظلت صامتة طوال الوقت كصمت أضرحة الأولياء الصالحين والغير صالحين, الذين لا زالت والدتي تعتقد ببركاتهم وقدراتهم الخارقة التي حتى الآن لم أرى بركة واحدة, والدليل صمت تلك الغبية المتكبرة وفي احدى المرات بعد أن كاد الغيظ أن يرديني, تجرأت وأمسكت بيدها معتقداً عليَّ اللعنة كل ساعة يأخذني فيها الاعتقاد بأنها قد ترضخ للأمر الواقع، وكم كانت خيبتي شديدة وأليمة عندما هوت بنت الأوغاد بيدها على وجهي بصفعة قوية اقتلعت بها من الجذور ثباتي وجراءتي، أحسست حينها أن كل من في الحديقة قد سمعها وليتها أكتفت بذلك، بل أنها أتبعت صفعتها الخبيثة بسيل عارم من الألفاظ المبهمة التي لم أفهمها، فقد كنت في دوامة هوجاء من الخجل والحقد والعمى ولم أعد أدري ماذا أفعل، فأطلقت ساقي للريح قاطعاً المسافة من الحديقة وحتى حجرتي المسكونة بهموم العالم واحباطاته وجرذانه، ركضاً دون أن أشعر بفقداني لحذائي الواسع أو لطول الطريق، وعلى فراشي البارد قذفت بجسدي المحموم وأجهشت بالبكاء المر، ليس لأن الفتاة صفعتني فلطالما تلقيت الصفعات من الحياة والناس، ولكن الذي أبكاني وحز في نفسي بتلك الحرقة أحساسي بأنني وحيد ومكروه, ولا أحد أياً كان يرغب في التعرف بي، فصعبت علي روحي وأخذت أبكي بكل الدموع التي كانت قد تحجرت في عينيَّ منذ زمن طويل.


الاثنين 8 - إبريل
مضت فترة من الزمن حاولت خلالها تناسي ما جرى في الحديقة، لذلك امتنعت عن مواصلة الكتابة وأخذت أخرج كل صباح كما في السابق للبحث عن وظيفة أعول بها نفسي، فوالدي القروي المسكين لن يظل الدهر كله يصرف ماله القليل على واحد مثلي مشبع بالإحباط، فقضيت الأيام الماضية بطولها وعرضها وارتفاعها ومساحتها وحجمها أبحث في المؤسسات والشركات والدوائر الحكومية عن عمل فلم أوفق، حتى أخذ الإرهاق من جسدي ما يقعدني كسيحاً ألف عام، فقد كنت أباشر رحلاتي المكوكية بين المصالح العامة مشياً وأحياناً كثيرة دون فطور مما زادني وهناً على وهن، وحتى ساعتي هذه صار لي تسعة  عشر أو عشرين يوماً كاملة طريح الفراش تفتك بي الحمى، ولولا أن لي جارة عجوز طيبة القلب وهي في نفس الوقت صاحبة مأواي الحقير هذا, تعودني في مرضي بما يقيم أودي لكنت لقيت حتفي وفاحت رائحتي دون أن يشعر بي أحد، وهذا ليس غريباً في زمن صار الناس فيه شعوباً متنافرة كل بمفرده لا يسأل أحد عن أحد، وصار الموت فيه أيضاً وهذه ميزة مفجعة منتشراً وبالمجان.
يا الله ما أصعب أن يعيش المرء وحيداً مع وجود آلاف البشر حوله لا يشعرون به أو بما يعانيه، كل شيء تغير في هذا العصر الملعون, الأخلاق، الروابط الاجتماعية، المبادئ، الضمائر ها قد عُدت ثانية للردم بمثل هذه الكلمات التي لم يعد بها كائن إنسان, ورغم ذلك لازالت هناك نفوس خيرة تلمع في وجه ظلام وقتنا العصيب، كجارتي رعاها الله.
آه.. كم أتمنى لو أنني الآن في حضن أمي في قريتنا البعيدة، لكن أين أنا منها تلك الحبيبة بعيدٌ بعد الشمس, أنها بالتأكيد لا تدري بحقيقة وضعي وبما أعانيه من غربة وألم في صنعاء هذه المدينة الكبيرة القاسية القلب، وإلا لكانت صنعت المستحيل لكي تأتي وتنتشلني من الغربة داخل هذا الوطن الذي لا يعلم مقدار عذاب أبنائه وعنائهم فيه ومن أجله، ووضعت رأسي الملغم بضجيج الفوضى التي تعم كوننا الأجدب، على حجرها الدفيئ الحنون.
مجنونة ها قد بدأت الهذيان ولم أعد أتحكم في قلمي ولن أكبح جماحه هي الحياة والبشر، مجنون مغفل أنا حينما حشوت جمجمتي بكلام الكتب، ما كان أغناني عن ذلك كله، ليتني ظللت فلاحاً خالي البال أحرث حقلي دون معرفة ما معنى الوجود وفلسفة الألم التي ينتهجها......؟
ماذا أقول عجزت عن التفكير وشُلَّ عقلي عن الفهم، مات لساني في تجويف فمي, قتله المرض والإحساس المريع بالحزن والغبن والخوف، تحول وقتنا إلى وحش من الذل والسحق والضياع, ولأننا في حقيقتنا ضعاف النفوس فقد بطش بنا وأمتهننا دونما شفقة وبحقد رهيب.
أوه يا ربي كم هو فظيع العجز وساعات المنفى المتوحشة, ما أرعب أن يموت الإنسان وحيداً منبوذاً دون أن يشعر به أو يشفق عليه حتى كلب مشرد.
لعينة الحياة، ولعينة هي الأقدار ولعين هو الإنسان إذا كانت حياته مجرد فصل من التوجع والفزع والعدم.

مساء الثلاثاء 9 - إبريل
أعود لمذكراتي الحبيبة بعد انقطاعي المفاجئ أمس لشدة توجعي، وإصابتي بنوبة إغماء مفاجأة رغم مرضي الشديد الذي أعانيه, لأكتب هذه الكلمات ذات الخط المترجرج المبهمة المعاني والمفككة الجمل، لا أدري ما الذي دفعني إلى تجشم هذه المعانة، ربما هو التمسك بالحياة رغم قبحها، أو محاولة فاشلة مني لنسيان المرض المعربد في دمي، ربما فكل شيء جائز في زمننا الحاضر، ولكن مهما كتبت فلن أستطيع تناسي مرضي فهو يحصدني بقسوة.
أكتب الآن بينما أكاد لا أقوى على فتح عيني المتعبتين فالانهاك قد تسيدني تماماً، لكنني لازلت أواصل الكتابة في هذه الساعة المتأخرة من الليل, لأنني أعتقد وأدرك بأن الحروف التي أخطها بيد مرتعشة هي آخر ما أكتبه، لا أدري ما الذي حملني على تصديق مثل هذا الاعتقاد البغيض، لكنها الحقيقة رغم مرارتها تلح عليَّ بضرورة تصديق حدسي المتشائم.
أوه.. دوار شديد يعصف بي، يا ألله كن معي أتراها النهاية قد أقبلت؟!
لا استبعد ذلك فأنا أدرك أن ما يمزقني من الداخل وأشعر بدبيبه الهادر في كياني ليس بالشيء الهين ولا هو بالحمى المجردة، انه أكبر مما أتصوره، انه الموت بذاته يغني بأغنية الفناء في روحي وأنا لست خائفاً منه ففيه راحتي، لكن ما يؤلمني هو كيف ستستقبل أمي المسكنية التي تنتظر أن ترى أولادي قبل موتها، نبأ وفاتي إن علمت وربما لن تعلم حتى يوم الدين, آه.. كم يمزقني الشوق إليك يا أمي.
رباه كم هي صعبة ومرة دقائق الإنسان الأخيرة، إنها بكل عذابات الوجود أجمع, آخ.. أشعر بالجدران تهوي على جسدي العاجز وتسحقه, أكاد لا أري أمامي، خدر عارم يجتاح أطرافي، أكاد لا أستطيع تحريك شفتي وذراعي.
يا ألله .. ما هذا الضوء الذي يغشي بصري وما هذه المخلوقات التي تحوم في سماء رأسي المنهار!، أتراها الأشباح التي أعتقدت ذات مرة بأنها تعيش معي تحت سقف واحد..؟, لا أظن .. فهذه المخلوقات يشع منها النور، أنها .. أنها ملائكة، نعم ملائكة أتت لترافقني في رحلتي الأبدية نحو.. الموت.
يكاد القلم أن يسقط من يدي.. آه.. ألم سحيق يسوطني، أشعر بشيء ما يُسل من بين جوانحي، رحماك أيتها الملائكة فما أنا إلا إنسان ضعيف آآه.
تنويه:
وجدت جثة في إحدى الحجرات الضيقة في حارة الجامعة القديمة لشاب في حدود الخامسة والعشرين من العمر، وبعد أن تم تفتيش الحجرة تفتيشاً دقيقاً وجدت معه داخل درج منضدة خشبية، أوراق وشهادات دراسية مختلفة، وبعد معرفة عنوان ذوي المرحوم مدوناً في أحد دفاتره الشخصية، أمرت النيابة بدفن الجثة بعد أن أفاد تقرير الطبيب الشرعي بأن سبب الوفاة يعود لتمكن سرطان الدم من جسد المتوفي.
هامش:
الحصبة : حي يقع شمال العاصمة صنعاء. 
 
 

ذات مساء .. ذات راقصة.

توطئة
كان المرقص مزدحماً برواد الليل والخمرة والملابس المبهرجة وبنات الهوى وثمة راقصة بيضاء البشرة إلى حد البرص تراقص دخان السجائر والتأوهات وسخام البصاق الملون وعلى شفتيها ترتسم بإتقان محترف ابتسامة معدنية باردة.
كانت ترقص كأفعوان فقد أسنانه من جهة اليمين إلى جهة اليسار والمتواجدين السكارى يستفزون أنوثتها المباحة بدنانيرهم الرطبة وجوعهم الجنسي الذي أخذ يسيل من أشداقهم كالرغوة، كانت عينيها قلقتين يسكنهما القرف والازدراء من كل ما حولها وكأنها تود أن تجهش بالبكاء، لكن ليس من بين الحضور من صدره أهل لدموعها.
عندما أنهت نمرتها أنفجر الجمهور بنواح يشبه الضحك والتهليل.
ملحوظة
وراء الكواليس أو في بيتها ليس مهما أين تكون، أخذت الراقصة تتخلص من ملابس الرقص بألية صامتة ثم أندست في فراشها فقط أندست كقطة يتيمة تخشى على نفسها المطر ببرودة لها صفير حاد لا يسمع وأغمضت عينيها تجاورها وسادة منداة بدموع متخثرة.
تنويه
ربما تكون الدموع دموع الفرح والظفر بالوعود إن كانت وعدت بشيء لا أحد يدري؟!!


معلومة
من الصعب الحكم على شعور الراقصة ساعة النوم فوجهها المدبوغ بالأصباغ كان صعب الفهم إلى درجة مروعة.
(....)
لا زلت أتساءل بيني وبين نفسي عن الذي قذف بي إلى قعر ذلك المرقص ذي الوجوه والأجساد المحنطة في لحظة ضعف مني، من يعرفه منكم؟!
عودة على ذي بدء
بعد أن أنهت الراقصة رقصها أُطفأت الأنوار وخرج أكثر الزبائن سكارى يعانقهم فجر المدينة بضوع البحر وسكون النشوة وكم كان مضحاً  ذياك الأعراج العجوز وهو..!
هل تريدونني أن أروي لكم ما حدث له..
إذن استعموا........
..........
................؟!
عدن. ذات ليلة. 89
 
 

الثقب

كل صباح بقدميه اللتين تجرانه إلى الطرف الآخر من الأرض كان يأتي ممتطياً إياهما حافيتين تنزف منهما الدماء, ويتموضع كمقاتل مجهول وراء البوابة الضخمة ذات اللون الرصاصي التي اكتشفها مؤخراً, تعوي داخله أمنية ملعونة في تحطيمها بقبضتيه الصغيرتين ليسبح في غموض العالم النظيف وراءهما ويغمض إحدى عينيه ويبدأ يومه بالتمني وحك مؤخرته الضامرة.
ما كان يراه أمامه من خلال ثقبه الصغير يجعله يفتح فمه ذي اللعاب المتحجر كفوهة مدخنة صغيرة, لكوخ حجري في واد منسي يسافر منها خيط بخار شاحب نحو قمة البوابة ذات الأسلاك الشائكة وتعجباً ودهشة, فما يشاهده ما هو إلا محض خرافة لم ير مثله حتى في حكايا جدته الدرداء، عالم غريب له لون الخضرة ورائحة الدهشة والفرح, ألعاب تتحرك كما لو كانت شياطين من حديد, مساحات يفوح من خضرتها ضوع الندى والإرتواء, مخلوقات صغيرة تشبه أطفال حارته...
لكنهم موردي الوجوه والشفاة لهم عيون ملونة ويرتدون ثياباً لم يشاهد مثلها إلا على شاشة تلفزيون الجيران الملون, وأحذية تشبه قوالب الشيكولاته..
كان يظل في مكمنه أمام البوابة الثقب حتى ينسى نفسه، يتمنى لو أنه كان بينهم وعندما تنهش الديدان مؤخرته تتبخر أمنيته فهم,"ما بيحكوش( ) أجحارهم مثلي!!".
أصبح الثقب نافذته على جنة الله التي سمع بها كثيراً ولم يدخلها بعد, "ولو كان شعري ما بش فيه قمل كنت عاد أدخل وألعب معاهم؟!" (2)
كان بمجرد أن يستيقظ من نومه يهرع إلى هناك بوجهه المغبر وبقذى عينيه المتجمد يسبقه شوقه الجائع وفمه الجاف, وعندما يستقبله أقرانه في الجهة الأخرى من الباب بلهوهم وعدم الاكتراث به, تتسع حدقتاه كما لو كان يواجه الموت لا الحياة ويلصق عينه بفتحة الثقب الضيقة, حتى تحمر وجنته الممصوصة لشدة ضغطه على الحديد, "تقولوا أيش بيأكلوا(3)؟!"
عندما يصل بنفسه إلى مثل هذا التساؤل الجائع, كان يعلم أن ديدانه ساعتها تستيقظ من نومها أسفله وتبدأ في النهش, فيجأر منادياً ومنفساً عن ضيقه وعن الجحيم الذي يطحنه من الداخل ويوشك على إفنائه بأعلى صوته, "ييه يا جاهال، يا مدري مسمكم(4) ؟".
ويظل ينادي عدة مرات لكنهم لا يسمعونه لبعدهم عنه في آخر شارعهم النظيف ذي الأرصفة الملونة بالأبيض والأسود, وعندما يدركه اليأس يدخل دائرة الصمت والتأمل الشره بعد أن أعياه وقوفه الصارخ وطوفان الحكيك, ومع ذلك لم يتخلف يوماً واحداً عن مكانه الأثير أمام الثقب حيث يظل هناك حتى يهجم أذان الظهر، وأحياناً العصر والمغرب فيعود من حيث أتى، وثمة دمعة تتغرغر في قلبه تشبه وجه رغيف خارج لتوه من سعير فرن هائج فحمته الحرارة.
أيام طويلة قضاها في مراقبة أولئك الذين لم يستطع تحديد هويتهم أو جنسيتهم دون ملل أو شعور بالضجر ترافقه تساؤلات عدة استعصت على عقله ولم يجد لها جواباً, "ليش ما هم حافيين مثلي وللمه(5) ما بليبسوش فوط(6)" أو "تقولوا هم بيحسوا بالبرد أوشي في أرجيلهم ضريب(7) " , "منين جَوْ ؟!".
كانت تلك التساؤلات تلاحقه حتى في نومه ولعل الخاطر الذي أقض مضجعه هو كيف سيتعامل معهم أو ماذا سيخبرهم لو أنه ألتقاهم, "مدري هم عيخلوني ألمسهم أو مَعْ(8) "
وكيف سوف يسبهم لو أ نهم سبوه أو ضربوه,"أهرب لا بعيد وأقولهم ياللي وجوهكم حمراء مثل أجحار الرباح(9) ".
في إحدى المرات وبينما هو منغمس في عالمه الآخر يعتلي حجراً ضخماً ويده اليسرى, تسافر ما بين شعر رأسه ومؤخرته وإحدى قدميه تحك ظهر الأخرى برؤوس أصابعها, وبينما أقرانه الشقر يتقاذفون كرة بينهم بدا وأن السماء قد استجابت لأمنيته في النظر إلى وجه أحدا الحمر عن قرب, حيث تدحرجت الكرة صدفة بعد قذفة خاطئة من أحدهم باتجاه البوابة التي يقف وراءها باتجاهه هو, ليلحق بها أحد الصبية لإعادتها وعندما أصبح قرب البوابة لفت الثقب الصغير نظره فدفعه فضوله الطفلي للنظر فيه, بينما كف الآخر عن الهرش وأخذ يراقب جاحظ العينين الذي يتحرك أمامه غير مصدق ما يراه, "هوذا آدمي مثلنا ؟!"
بينما المخلوق الأحمر يتقدم من الثقب بحذر
- أيوه أقرب .. خلنيأبسرك(10).
أنتبه الغريب للصوت القادم من العالم الآخر وأخذ يتلفت حواليه
- من هانا لالا.. من الخزق.. من الخزق بين أكلمك مش من السماء يادوع..(11).
ثبت صاحب الكرة عينيه في فتحة الثقب ليرى من أين يأتيه الصوت وكم كانت دهشته عظيمة عندما رأي أمامه وجهاً مدوراً جاف الملامح يشبه وجه قط شريد والذي بادره بلغة لم يفهمها..
- صديق فيه شكولاته؟!
لم يفهم كلامه إلا عندما أشار إلى فمه..
-من ذي في لقفك، أيش ماهو.. زغيرة بس.. قوى!! (12)
كان يبتسم في ضراعة لعله يعطيه مما يأكل لكنه عوضاً من أن يستجيب له أخذ يتراجع إلى الوراء تحثه أصوات أصحابه على العودة بالكرة, بعد أن طال وقوفه وقبل أن يعود أدراجه لمواصلة اللعب بصق باللبانة باتجاه الثقب وركن إلى الفرار.
كانت اللبانة قد سقطت أسفل البوابة واختلطت بالتراب ورغم ذلك حاول الذي يكمن وراء البوابة منذ أمد طويل, الإمساك بها بعد أن أدخل يده النحيلة من تحت ألواح الحديد الرصاصية اللون وقد لمع في عينيه بريق يشبه الجوع عندما يتخذ شكل الضوء في بدء تكوينه, لم يفلح لعدم وجود فراغ مناسب يستطيع من خلاله إدخال يده, وبعد محاولات مضنية عدة أشبع فيها لسانه وشفتيه عضاً عاد أدراجه من حيث أتى والأرض تستقبل الغروب, تتلوى داخل حلقه غصة محرقة ويسوطه تساؤل جائع,"تقولوا يا ربي كيف طعمها ؟!!"
صنعاء- 90
 

 

ثمان قصص قصيرة جداً
- 1 -
أخبرني طائر قزحي اللون.. أخضر العينين حط على كتفي سهوا:
"رغم الجنون والعبقرية وعواصف الأنانية والعواطف التي تنهشك أيها الإنسان.. ورغم القوة التي تناطح بها جدران المستحيل.. إلا أنك ضعيف في أعماقك لأنك في قرارة نفسك المتغطرسة المتعالية عن كل ما حولك تتمنى كطفل صغير ساذج لو تصير في زمن خرافي ما لن يأتي.. طائراً صغيراً مثلي يجوب عوالم بعيدة بعد النجوم وآفاقاً سحرية ينبض فيها الفرح والدهشة.!!".
- 2 -
في المرآة رأي وجها كالحا كالقطران مخيفاً مثل الموت قذراً كالحسد.. مشوهاً دونما جروح كقطعة ثلج تحت وهج شمس لا ترحم
لم يكن الوجه وجهه بل كان وجه العصر الذي تقمصته شروره.
- 3 -
كان السخط يضيق عليه الخناق والواقع المخزي الذي يحياه رغم أنفه يزيد في إذلاله وتعاسته فكتب في إحدى مذكراته الحارة كواقعه العفن بكل ذرات الصدق التي تعتلج في ثنايا أعماقه, "في زمن اللعنة والجبن هذا غدت الحجر أفصح من ألف لسان وأقوى حضوراً من بريق كل المدافع اللماعة التي تعرض في الأعياد الموسمية الباذخة, كتب ذلك وخرج إلى حديقته ليروي شجرته الصغيرة بكل أمال المستقبل التي قد تأتي.

- 4 -
بفضول طفولي سمج أخذت أشد قطة صغيرة من ذيلها دون وجه حق بقسوة لا مبرر لها وبغباء كبير أبله.
وبعد أن أشبعت نفسي المريضة من نبيذ صرخات الألم التي كانت تطلقها المسكينة, تركت ذيلها وبدلاً من أن تهرب من أمامي نظرت إلي بجرأة صارخة وكم فزعت حين رأيت إنسانيتي المعدنية الضمير ممزقة في بحر عينيها تتقاذفها أمواج عنيفة قاصفة من السخط والاحتقار.
- 5 -
عيناه اللوزيتان الصغيرتان الشديدتا النقاء العميقتا البراءة كانتا تعجان بكل أنواع الحياة, الصدق.. الحب.. الحلم.. الرغبة المجنونة في اقتحام المجهول.. الشفافية المطلقة اللامتناهية في أفقهما البني.. يحمل كل ذلك المزيج الشديد الروعة والصفاء جسد صغير لدن له رقة أوراق التوت حين أزهارها..
بينما أبوه تصطرع في دهاليز وممرات نفسه كل رموز ومعالم الخيبة، الضياع، الخوف من اللاشيء والشعور المريع بالعدم, بكت روحه لهذه الحقيقة المفزعة وسحقتها الحسرة على أيام الطهر التي ولت أدراج الرياح, وقبل أن يذهب إلى حيث لا يدري تمنى في قرارته بكل أمانيه وأحلامه ان وجدت لو أنه يعود طفلاً صغيراً كإبنه الذي يلهو أمامه ولم يكبر بعد.
- 6 -
أخبرني ذو اليد المبتورة والوجه المشوه والأسى ينز كالدم من بين كلماته المتهدجة، بأنه ورفاقه كانوا يقاتلون بشجاعة الأسود الأصيلة وأنهم لم ينسحبوا أو يتركوا مواقعهم لأحد, لكن رغم ذلك كان رفاقه يتساقطون واحداً تلو الآخر كأوراق الشجر الصفراء عند هبوب رياح الخريف الجافة, وعندما أصابته شظية قذيفة غادرة وبترت ذراعه اليمنى وقبل أن يفقد وعيه اكتشف,وليته لم يكتشف هكذا قال بصوت حزين, بأن القصف عليهم كان من الخلف ولم يكن أبداً من الأمام!!
- 7 -
وجدوه ملقى على قارعة طريق قفر مهشم الوجه ممزق الجسد تبدو آثار التعذيب الوحشي على خارطة جسده الممزق, ولكي يتعرفوا على شخصيته المجهولة نبشوا جيوبه فوجدوا ورقة مطوية بإهمال مخضلة بالدموع, عرفوا ذلك لأن طعم البلل كان شديد الملوحة ففضوا الورقة ووجدوا بقلبها بعض النصال ذات الحبر الأسود كشعره الأكرد الكثيف "نعم بعد الظلام نور ومن دماء الشهداء تفوح روائح الأرض والحرية".
- 8 -
يا ولدي شاءت أقدارك أن تُخلَق في الزمن الصعب حيث يتندر كل معادلاته المستحيلة الشديدة التعقيد الواسعة الخيال, لم تعد بقايا الأحلام الساذجة هي السلاح كما في سالف أيامنا. فثرى الأرض صار صخراً من الصوان شديد القوة والقسوة.
يا ولدي قدرك أن تلقي ببذورك فيه وقدرك أن تنتظر موعد الحصاد وأن تروي بذورك بأنفاسك وعرقك وأن لم تفعل ذلك تفترسك وحوش الوقت الصعب, فلا تتخاذل ما دام العزم معولك والمستقبل طريقك..
أوصاه بذلك ومات

شتاء صنعاء- 89
 
 

تداعيات الشخص المحزون
(نَصْ مقسوم على اثنين :عبد الناصر مجلي+الشاعر احمد شاجع)

دُم .. دُم .. دُم.
ثلاثة يحملهم على صهوة ذاته المتلجلجة بالإنهيار..
هو.. ونفسه.. وطبلة الصارخ الصراخ الثخين.
كان الوقت صنعاء/ مساءً / حبوراً / مسعوراً، والساعة شرود وحزن
وكان هو كشجرة تيتمت حديثاً، تشكلت أول الطوفان المستديم
والقمر / الشحوب، يحاصر مواء الليل بسلاسله الباهتة.
كان الوقت كل المتوجعين وسمسرة تعج بالكادحين مدمني "اليورت"(1)
"والبسباس"(2)، بالغربة/ النفي، والبرد/ الشجن، وخمسة ريالات
مفقودة هي كل أجرة النوم في محيط كنبل(3) يتلاطم موجه بالسخام،
والقمل، والروائح التي أثناء الموت لقصير تخرج من "شواقيص"(4)
"العمال" السفلية منتصف الغطيط.
أسمه المنحور داخل البلاد سلطان، رفيقه طبل جلده مدبوغ بالتسول، وأشلاء حزن كسيح.

- 2 -
واحد مثله الحزن يولد
الكتابة مائه
وصفاته قلب السماء
له هدايته الوحيدة
وللنساء ما تبقى من صداه
الناشد المحزون في عرق المساء
ضلت يداه عن الدوي وتفرقت
أعصاب حيرته البعيدة في فضاه
الحزن ما ملكت يداه
دُم .. دُم .. دُم
- 3 -
-أيوه قدنامتزوج(5)..
أحرف تتشكل كلمات من صقيع تعرية بنوافذ الطعنات.
والكلاب/ البشر وبراميل "القاز"الفارغة/ الممتلئة تحاصره بمداءات تشعل فيه مزامير الأنين(6).
-ومعي "تلفزيون" "ومرة" حالية(7) ؟؟
وأحمد وبقاياي نبكيه كنا,..
نبكي أنفسنا.. إلتفاتاتنا المسبحة لأرباب السيف/ العهر/ والدبابير، التي لا تشبع.
كان الطبل وقتاً محزوناً بالصمت/ البكاء.
ونحن هو..
وهو كل المغلولين بالرماد والشظايا..
- اسمي سلطان.. ولدت يوم مات الإمام.
سكت عن نغمة البوح/ الوجع، لم يتماد بنعشه على مواصلة سحقه واحتراقه.
مهاجراً في دموع نجم مسافر وعكارة الترقب الغادرة، والنعاس يزني في مخدع جفنيه مفرغاً لذة نوم قعيد..
- ولو ما كبرت.. أبسرتألف أمام(8).
كنا/ كان/ كانوا .. ثلاثة ،
مداح ونحن
وكراسي مقهى غادره بعوضهُ
وجثة طبل مبللة بالإفلاس والعاصفة

- 4 -
ترمي الصحوبة بيننا أهوالها
وأقف سوياً بين ظلك والزمان
توحدت فينا الشهية..
"يا عبد الناصر".. أقفل بهواك البحر
تتسع الريح على كفيك
وأعط الشارع أقداماً أخرى
سيولي "المداح" لظهر الطبل
وسنولي أشرعة الحزن .. على الأقدام
يا مداح أضرب بيديك الليل
وأخرج سرر الغرباء.

- 5 -
- قد تقهويت..
بغتة كالمطر حينما لا تأتي به هوادج السماء على صديقي أجاب، تضاريسه وحشية السُمرة/ القهر، لها من غلالة القلق ساقية لا تتقطع عن التوالي/ النحيب.
عيناه جمر المواقد المطفئة منذ مخاض الشرارة الأم وحتى القذيفة الأولى للأئمة الجد..
- شاسمعكم تيه الأغنية..
- هاتها
صرخ الجياع فينا لحظة أجابه "أحمد" جذر "مناخه" المتطاول بأرق الصدفة حتى قمة الطبل المشروخ(9)
- يامطر وامطر..
عزيناه بدموع صمتنا الجنائزي فسكت عندما خنقته يد "الضبح"
عيون أربع كأول الطرقات المهجورة كانت تتراقص في بعضها، أمامها من "مسريب" اللحظة المحنطة، كان يتسرب جسده المراق تجرفه دموعه المخفورة بالحياء(10).
يبكي آدميته.. أشكالنا الرخيصة الملوثة بالتبغ ومديحه الباكي
يبكي كذب الوطن بأناشيده الفارغة
وقسوته
وكدمه العجاف(11)
دُم .. دُم .. دُم

- 6 -
دُم ..
دُم .. دُم ..
دُم .. دُم .. دُم


- 7 -
أصابع كفه النحيلة تعتصر رحم السكون الكسول وتنقر وجه الزقاق، ولسانه يكيل بمكيال لا ينفذ الآهات..
- "ياراعيات الغنم، فوق الجبال"(12)
ثم يلجمه الإنطفاء الصوتي فيعود راكضاً بأصابعه ليواصل وصلته كرة ثانية/ ألفاً وفي موضوع آخر..
- مارضيتش تخليني تيه الليلة أرقد عندها في حقها السمسرة(13)..
يعوه ماعد بش رحمة في قلوبهم هذولا البشر(14).
- منهيه(15)
- الحجة – جدتي قالها ساخراً – محصنة..
له لحية شعثا مخضلة بالتراب..
- شلي لمحبوب قلب ذكريات(16)
وقدميه المحاصرتين بأخاديد "الضريب" ينتعلهما حذاء ضخماً،
يغطس بعيداً داخل مآقي الأرصفة الحجرية الصلدة.
- مشَّي هكذا الأغنية(17)
- قصدك كلام ساعما "فلفسة" الخبرة أصحاب الزحن(18)
كوب الشاهي يفتض بكارة يدي .. يده, يد رفيقي، أيدي الشقاة(19)
الملتحفين بإزار الشرف والجوع.. آيادي هذا العالم المغلول بالقهر.
"وطني لو نازعتني في الخلد نفسي...
كاذب ذلك الشاعر المدعي، وصادقة هي الكلمات المليئة بفراغ الدف وسعال النميمة، صادق لحظة يمتدح برعي العشاء(20).
وجرعة الماء الرخيصة.
أشهد بأن لا صادق إلا /هم وأنه/ الوطن أول
الضحايا/ المنكسرين ومنتصف الخديعة.
- 8 -
المحصنات يجئن عفواً واقتداراً
ويد الريح تطوله..
كأن غصناً في هواه يميل صفواً  أو كدر
مساء القمر يا صاحبي
"يا ناصري" .. أو قد جناحك في العشاء
وبلل ريقي من تطامن رحمتك.

- 9 -
ضجيج..
صراخ حزن مشوي يسكن فوهة جراحه، ويزهر فيها بتلات الجنون الفارع كالماء ..
على وجهة المنحوت/ المجبول بالصخر..
دُم .. دُم .. دُم.

- 10 -
وطني الموبوء
يامسك الوحشة وختام الأنس
أسألك التوبة ما وسعت عينيك الذنب
وأسألك الرحمة ما نبت البطش على كفيك
وطني .. ذاكرة العمر الوهمي
خشخشة الضوء على ورق الليل
ونبؤة عراف أعمى
ذاكرت فواصل عينيك البيض
فانسدت عني الأضداد
وطني المفعول على أمره
وطني المغلوب على تعبي
يا وطن الحكمة
هل تقتنص الشهوة
أقواس الحب/ الطبل؟!

- 11 -
- منين قلت إنك ؟!(21)
لم يجبني بل بنظراته النارية طهرني مني
-لا تقلقش.. محناش "نمس" إحنا خبرة لك(22)
سكت حينما أمرني السكوت بلغو السكوت أن أسكت وأكملت عني نظراتي.
حمل نفسه، دهشتنا، مساءه الذي له شكل الطبل، وأجتره بروازه الآدمي وغطس في ظلام الأبتعاد..
ومن البعيد، من وراء جدائل المنارات الياجورية القداسة كانت تأتينا نقرات أصابعه على طبله المرقع "بلصقة" مستعملة، وكأنها دموعه/دموعنا، يودعنا منا .. بها.
غاب سلطان  ولم نعد نراه
لكننا كلما مررنا بذلك الزقاق الذي ألتقيناه فيه كنا نسمع همساته الصاخبة تدغدغ ظمأنا، ودموع طبله تهرول إلينا بصوتها الشجي والمدمر فنلتحف الصمت ونواصل طريقنا وصورته الخشنة تطل علينا من خلف البيوت القديمة كلما أطل القمر محاصرة أيانا بسكر الذكرى وعلقم بسمته الحزينة.
هامش:
1- أكله شعبية رخيصة تمزج مع عصير الطماطم
2- الفلفل
3- بطانية
4- جمع شاقوس. وهي النوافذ الضيقة
5- أنا
6- سائل الكيروسين
7- إمرأة
8- شاهدت
9- منطقة جبلية تقع غرب مدينة صنعاء
10- ميزاب
11- جمع كدمة – خبز شعبي في اليمن
12- أغنية شعبية
13- فندق شعبي
14- هؤلاء
15- من هي. من تكون
16- أغنية شعبية
17- ليست
18- مثل، وفلفسة للتهكم، والزحن جمع زحنه وتعني الكرش المنتفخة
19- جمع شاقي. عمال
20- بازلا سوداء، وتعني المخبأ وتقال للتهكم
21- من أين أنت
22- إشارة إلى الياجور، وهي أحجار من الطين المشوي
 
 

ثلاثية الفجيعة

ظهيرة
الطيور الكالحة الوجوه تسبح كانت متماوتة في لجة أشعة الشمس وكأنها تسير في جنازة، وعلى الطرقات المستباحة تحتضر بقايا جثة عارية لرغيف تنخرها الدود، مضاجعة الرطوبة ووجه الوقت، بينما أنا مشنوق بإحاسيسي القتيلة أتدلى على شفى هاوية لرصيف قذر، أرقب المارة ,السيارات ، العفن.
أحذية كل البشر أحسها تسير فوق نتوءات جبهتي فلا أستطيع لعجزي ولشعوري المريع بالتقيؤ منعها لشدة الضيق العاري بصفاقة أمامي، يكشف لي عورته المثيرة للجنون والبكاء وللبنايات المتداعية، الناس المحنطون السائرون إلى اللامكان، الكلاب الشريدة، البصاق المتجمد على وجه الأسفلت القبيح، والظهيرة بغي لا عنوان لها تراقب بسأم التسكع والبطالة رجلاً حافي القدمين مطعون الأمل يقارع كل ما أمامه وحيداً دون سلاح ودونما .. جدوى.
" آه " أطلقتها عينيّ الظهيرة الدبقتين بنشوة البعيد عن حلبة الوجع,"ها هو قد أنكسر"
الفجيعة
كان دائماً يحلم باللبن والخبز والتمر باستمرار متواتر يشبه ارتعاشات القلب، كان في أحلامه يرى وجه القمر وهو يبتسم له في وداعة، ويوشوش في أذنيه بحميمة صادقة.. أصبر.. لك فجر الغد.
فتظل تصرخ الجملة داخل تجاويف جمجمته كالصدى المموسق تمزقه اللهفة لتحقيقها، وحين لا تأتيه الفرصة تئن الرتابة من شدة الصمت حواليه، فيدرك حينها بأن أحلام وإدمان الجهر بها عادة سيئة قد تؤدي به للجنون و..‍‍
"القناعة كنز..لا" كان في أعماقه يمتلك قناعة الجائع، وساعة حاول الاستيقاظ والنهوض من سريره لم يقدر على ذلك, ثمة حاجز ترابي داكن له رائحة نفاذة يمنعه، أكتشف بأنه موثق اليدين والقدمين وبأن وجهه الضامر قد غسل بالتراب، شعر بالذعر يكتسحه فصرخ بكل الرعب الذي يتشكل داخله.
أعاد المحاولة من جديد فلم يستطع حتى أن يتزحزح عن مكانه الضيق فأحجار ضخمة تسد طريقة وتمنعه من الحركة
عوى..
ناح..
بكى بغير دموع ومع ذلك لم يقدر على الإفلات مما هو فيه, ولول بجنون مفزع عندما تأكد بأنه في قبر وأن الفجر قد تأخر مجيئه.
إبداع
كانت المدينة شديدة الإتساع مترامية الآفاق، تسافر في سماها نحو المجهول رائحة شرسة تدفع بالمرء إلى الانتحار، قادمة من جثث مخلوقات كئيبة تتوسد المدى وتفترش الأرض في بشاعة، مبقورة البطون مبتورة الحواس، ملقية بعبث يبعث على التبلد والنواح، وعلى تل مجاور للمدينة المنكوبة بالنتانة أنتصب رسام جميل الهيئة وحشي الوجه بيده فرشاة وعلبة ألوان يرسم المشهد الذي أمامه بجمود و.. دهاء ملعون.
كانت الحياة تضج في لوحته السوداء، فراشات، عصافير، أنهار
رسمها بموهبة فريدة وهو مغتر الثغر، حدثته كتلة لحمية لها تقاسيم وتضاريس الكائن الحي
- رسمك مغاير لواقع الدمار الذي أمامك؟
ابتسم الرسام دون أن يلتفت ابتسامة مفجعة يسيل منها دم متخثر
- أرسم النقيض، من قال هذا أنا أستشرف المستقبل.
- وهؤلاء المتعفنة أجسادهم.. المتحجرة عقولهم من .. !!
- لهم الفناء كي أواصل الرسم دون ضجيج.
 
 

عيشة

حكاية أولى
يحكى في الأمسيات الدفيئة أنه منذ زمن ليس ببعيد ولا قريب، حدث أن تعثر أحد الناس الطيبين عند باب جامع القرية المتناثرة البيوتات وقت صلاة الفجر بلفافة بالية يسمع منها بكاء مكتوم لشيء حي..
-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن هباته
وأخذ اللفافة المنداة بدموع البكور، ذات الخرق المهترأة بين يديه المرتعشتين من أثر برد الفجر القارس وأدخل يده اليمنى إلى عمق القماط لتصطدم بكتلة رخوة لها طقس الدفء تهمي بقطرات ساخنة، وحين نبش الخرقة المحتلة مساحتي يديه الباردتين صعق عند رؤيته لطفلة صغيرة حديثة الولادة يدل على ذلك نزيف سرتها المذبوحة، عذبة العينين لا يدري من قذف بساعتها، عمرها، جسدها وخطيئته عند قارعة الصباح الجامع، قضت ثواني وقتها القصير في ممارسة الصراخ وكأنها تلعن بدموعها اليتيمة حظها.
حاضر (1)
تندحر مهزومة يتلوى الفزع في صوتها المشروخ أمام طعنات التوجع التي هاجمتها بغتة، والمسمار يصليها بالحريق فتنهمر دموعها ساخنة مزبدة لها ملوحة أمواج البحر، لكن المسمار رفض الخروج وهي تحاول استخراجه من جحره الذي حفره في باطن قدمها اليسرى واستوطن هناك.
* الابتسامة الأولى
غزت الابتسامة شفتيها الضامرتين كماء المطر حينما قال لها:
- أحبك.. رغم ما فيك، فأنت قبل كل شيء وبعد كل شيء إنسانة لها قلب.
وظلت تلك الابتسامة عالقة بشقوق شفتيها حتى الآن، فلا عينيها أورقتا الشجن لشدة بأس الانتظار الخاسر، ولا الحبيب أعتقته أقراش المحيط الذي لا تضيئه شمس.
أنشودة الدرب
-آه
ماض (1)
استقبلت عيشة صباحها الجديد بعد ليل طويل مزقته أنيناً وصلاة، بوجه يرتسم الإيمان الفطري على بشرته المحروقة مثلما حبة بن يافعية، وقذفت في وجهه مشروع ضحكة مقتضبة سالت عنوة، دفعها إلى الشروق طهر قلبها..
-أصبحنا وأصبح الملك لله
إيمان مروع يجعل الجسد يقشعر دهشة، وابتدأت السعي بانكسار المغترب داخل حدود وطنه، تطأ بقدميها الحافيتين وجه الطرقات المتربة، طرقات قريتها الداكنة البيوت والسماء لنقل الماء على رأسها المشدود "بعكاوة" سوداء، للسكان الذين يمنون عليها ببقايا زادهم وأسمالهم البالية.
مستقبل (3)
قضت عيشة أيامها الوحشية مبتورة القدم عند الركبة أثر تسمم رجلها، ولتوغل صدأ المسمار في ثنايا العروق والأوردة، وحيدة منزوية لا يسأل عنها أحد حتى أحست بالموت يطرق بابها في حزن، فلم تدر بما تجيبه غير أنها لجأت إلى البكاء وقسراً ضاجعته عارية الروح.
الموت الأول
واقع كئيب شديد التوحش والسعار، وطفلة لقيطة بين براثنه تلهو بها ثواني الهوية المجهولة، تبحث عن حنان مفقود لا يمطر أبداً على صحراء قلبها الذي يحصده الجفاف.
هواجس الطريق
قبيحة الوجه قصيرة ممتلئة الجسد بإثارة، حولاء العينين بدرجة كانتا هما نقطة الجمال الوحيدة التي تمتلكها رغم خرائب قبحها اللعين.
"لمَ لا ينظرون داخل قلبي هناك الحب يزهر فيه كما الخرافة، أيتناسون قبحي ويهيمون في أحلامهم وواقعهم بحصاد جسدي، لم لا تحاول الكلاب البهيمية الغوص في دواخلي المتشبعة بحبي الكبير لكل البشر، حتى لهم، لكنني لن أكون رغم حاجتي لرجل عاهرة ولو كويت شهوتي بالنار".
حلم
مرت السنوات وشاخ العمر والحبيب المهاجر لم ترده عاديات الزمن، عبده علي ذياك الفلاح الشفوق، عندما نطق واعترف بحبه تاه لا تعرف له طريق.., هل كان حبك له لعنة وحبه لك معصية تخالف نواميس الواقع القذر لمجرد أنك قبيحة الوجه مجهولة الأصل؟!
الحكاية الثانية
شبت الطفلة التي وجدت ملقية عند قدمي الجامع بسرعة عجيبة، كما الشجرة التي تتجذر في كبد الأرض وتنمو بعنفوان هائل وأطلق عليها متبنيها أسم عيشة وكان يعاملها وكأنها أبنته وحين مات وجدت نفسها وجها لوجه أمام الصعاب.
كانت تشعر بالسحق يكويها عندما تجد نفسها مخلوقاً هامشياً وهي ترى قريناتها يتسابق الخطاب لطلب ودهن بينما تواجه التعنت من زوجة الذي تبناها رغم اجتهادها في العمل الذي تقوم به ، وكان الأطفال هم حبها الوحيد الذي تحيا لأجلهم, كذلك كان الأطفال يبادلونها لغتها الوجدانية بطفولة صادقة.
- أنت تفزعين أطفالي بوجهك الكئيب هذا، لا تلمسيهم مرة أخرى.
جمل بلهاء تخنقها حروفها حتى أعماقها، لكنها واصلت لسوء حظها الحياة وحيدة داخل غرفة منفية أطراف القرية.
ماض (2)
كان الصباح عذباً وكانت الطيور تؤدي طقوس الغناء الأبدي، حتى تناهت إلى الأسماع صرخة مبتورة شاحبة تدل على شدة الفجيعة..
-ألم تجد سواي أيها المسمار التعس، لم تعجبك رجل غير رجلي الحافية لتهاجمها!!
وواصلت النشيج الدموي بينما الطيور الغبراء الوجوه، السوداء الزغب والريش لم تنقطع عن غنائها الجنائزي.
ديمومة
الأمل يحتل أغشية الفؤاد، يحرق سويداء أمانيها، يستبيح إنسانيتها بتجاهله المقيت إياها, كل كلمة تنطقها موت، تأتي كلمته صاعقة كما الصفعة، فأخذت تقتصد من مصروفها الحقير واستبقت عجلة الأحداث واشترت كفنا!!
حاضر (2)
-أنجدوني، أغيثوني، أنا أمكم عيشة، من سقتكم عذب الماء وتجرعت عنكم مُر وصبار السنين..أ..!!
لم يرجع إليها غير وجع التشكي وبكاء الشجر العجماء، وبجانبها تبعثرت كل سنة قاحلة بعبث على قارعة الطريق، وصفيحة الماء الفارغة التي لم تملأها بعد.

مستقبل (1 - 2)
كان غامضاً غموض الليالي التي يغيب عنها وجه القمر يكثفه الشعور المفزع بالضياع والعدم، التُعس وحده ينتظر في نهاية الرحلة كالسراب شفافية والنار حرقة..
- ياإلهي أحبك رغم ما قدرته لي من تعاسة، لأنك حبي القديم والجديد الذي عشت حياتي كلها اقتات منه وانتظر عبده الذي لم يعد،
أحبك لآن..؟
حاضر (3)
قررت الخروج إلى الناس، كانت فكرة الموت وحيدة مثلما الجرذان بين جدران حجرتها المتداعية الشديدة العتمة تفجعها، فخرجت بمساعدة عكازين خشبيين، وفي وسط ساحة القرية التي وصلت إليها بجهد خارق، صفعت يد الفناء جسدها المريض بأحكام، فوقعت على الأرض تعانقها وهي تبتسم ببله.
ماض – حاضر - مستقبل
خيبة..
صبر..
عزلة..
قبح..؟؟

الابتسامة الأخيرة
حينما دهمتها يد المنون بأصابعها الغليظة، ورأت وجهها الصارم يلمع كالشرر في كبد السماء فوقها بالعناق المفقود والخلاص، تفجرت ابتسامة غجرية من بين شفتيها المزمومتين، وعينيها تغمضان بسكون الوداع، بعد أن أنطفأ بريق الحياة والشقاء فيهما.
الحكاية الأخيرة
كما يحكى أيضاً بأنها رحلت مثلما أتت وحيدة لا يبكيها أحد سوى الأفق البعيد الملتهب الذي كان يأتي منه مسرعاً وجه الفجر، وقد قيل بأن قلبها تناثر شظايا في كل اتجاه وأزهرت كل شظية سنبلة مبللة بالدموع
- وماذا بعد يا جدتي؟
- لا شيء يا صغيرتي، أنتهت الحكاية.. هيا إلى النوم.
- كما تشائين يا أمي.. أعني يا جدتي!
مزقت تلك الكلمة المتلجلجة البريئة
قلب الجدة حين آوت إلى سريرها عندما سألت نفسها:
- ترى أي مستقبل ينتظر هذه الطفلة..اللقيطة؟
 صنعاء – صيف - 1989
هامش:
العكاوة: ما يوضع فوق الرأس لتخفيف الضغط عليه.

 

 

  
 
رحلة إلى كوكب سافوراس

-أيها الأرضي!!
نفس النغمة التي لا صوت لها تخاطبني دون أن أسمع لها صدى وكأنني في حلم، كل ما حولي أملس بارد يميل إلى اللون الرصاصي، حيث أجدني وسط صالة هائلة مثلثة الأبعاد أقف فاغر الفم كالأبله، يجتاحني خدر عارم لا طعم له ولا نكهة وكأنني معلق في الفراغ،"ما الذي حدث ومن أتى بي إلى هذا المكان الغريب!", كنت أتلفت حولي كالمهزوم في حلبة المصارعة وهو يبحث عمن يواسيه في هزيمته.
- لا تخف
ها هو الصوت ذي اللكنة المعدنية ينبعث من جديد، من مكان لا أدريه في هذه الجدران الرصاصية اللون الباردة الملمس، أيقظ فيَّ تساؤل لو قلته لأحد أبناء القرية لمات ضحكاً عليّ، فجملة "أيها الأرضي" أسمعها للمرة الثالثة تقريباً كأن من يحدثني ليس بأرضي..
- نعم لست أرضياً
لم أستطع التفوه بأي كلمة لحظة صعقني رده المباغت، فكيف عرف ما أفكر به، ثم..ثم ما معنى قوله بأنه ليس بأرضي فمن يكون أذن..أم الصبيان؟!
- لا تخف سنخبرك كيف نفهم ما يدور بخلدك بل وما يتوارد فيه الآن.
- كيف!!!
حاولت أن أسأله ولست أدري كيف واتتني الشجاعة على مجرد محاولة سؤاله هذا المتكلم المجهول، لكنها شجاعتي على كل حال الحمقاء, فقاطعني بصوته العذب المعدني النغمة كما لو كان رجع ناي بعيد
- نحن نقرأ أفكارك أولاً بأول وقبل أن تتفوه بها، وهذه ميزة خاصة بنا دون غيرنا من بقية المخلوقات..كما أخبرتك سابقاً.. نحن لسنا من الأرض.
أردت أن أضحك دون سبب أدريه، ربما لمداراة الخوف الذي بدأ يتشكل داخلي كالجنين فقد كان جسدي ينتفض رغم أنفي كما لو أن، عاصفة تعبث به فبادرني قبل أن يسمع ضحكتي التي عزمت على صفعه بها.
- لا تضحك ولا تنزعج، فهذه هي الحقيقة، ولكي تتأكد سأخبرك كيف اتينا بك إلى مركبتنا و..!
قبل أن يتم كلامه الذي لا أسمع نبراته رنانة كبقية الأصوات، قاطعته متسائلاً
- مركبتكم..ياالله كم أنا مصر على مساءلته بفضول كما هي عادتي، لكن.. لكن في وضع كهذا يصبح السكوت عدواً لدوداً.. أليس كذلك!!
وأنثالت في ذاكرتي عشرات القصص عن الأطباق الطائرة وغيرها من الحكايات الغريبة التي طالما سمعت وقرأت عنها..
- بالضبط وصوته لم يتغير هو ما قلت.. أعني كما خطر لك.
- لكنك كيف ..كيف!!
- أتينا بك إلى هنا!
- نعم.
كنا نتخاطب كصديقين لدودين، مع أنني لم أتوقف للحظة واحدة عن التلفت في جميع الاتجاهات، في محاولة مني لمعرفة من أين يأتيني صوته، لكنني لم أفلح في ذلك فصوته كان يأتيني من كل اتجاه ومن لا أتجاه.
- إنك لن تتذكر ما حدث لك وهذا ما عمدنا إليه، وحينما تحين عودتك إلى الأرض لن تستطيع إخبارهم بشيء مما جرى لك إلا بما شاهدته في مركبتنا فقط وما عدى ذلك فلن تتذكره إلا إذا كانت ذاكرتك أقوى مما تصورناه؟.
- لماذا؟
- لسنا مخولين بالإجابة على سؤالك ولكننا سنخبرك لاحقاً.
- حسناً.. كيف أتيتم بي إلى هنا؟!
حاولت أن أبدوا طبيعياً معه فحتى الآن لا أدري من هو، أو ماذا يضمر لي فالمهادنة لمثل من هو في وضعي أسلم كما يبدو لي ، حتى أقرر ما يجب علي فعله.
- الأمر في غاية البساطة كنا عائدين إلى كوكب "ساﭭوراس".. كوكبنا، عندما طرأ عطل بسيط في أحد محركات المركبة، وعندما حسبنا بُعد مكان أقرب نقطة إلينا تصلح للهبوط الاضطراري، وجدنا أن الأرض هي أنسب مكان للتوقف فيه ومباشرة تصليح العطل، وقد كانت المسافة لحسن الحظ قريبة نسبياً في حدود الخمسين الألف سنة ضوئية و..!
- غير معقول ما تتفوه به يا هذا.
خرجت الجملة مني عفواً، فالرقم الذي ذكره الغريب كان أكبر من أن يصدق
- أسمي فسكاسوڤ.
أسمه الغريب كأسم كوكبه جعلني أشعر وكأنني أعاني كابوساً يكاد أن يكتم أنفاسي، فأخذت أدعك عيني علني أستيقظ من نومي المزعوم لكن...!
- لا فائدة أنت في كامل صحوك وقواك العقلية ولست تحلم.
إن كان واقعاً هذا الذي أحياه الآن فهو شيء يدعو للحيرة والدهشة والرعب أيضاً، أما وإن كان حلماً فلا ضير على من مواصلته فلن يكون بحال من الأحوال أفظع من الواقع الذي أحياه.
- بالضبط.. عليك أن تتجاهل وساوسك ولو مؤقتاً حتى نستطيع أن نتفاهم.
قرأ أفكاري كعادته قبل أن أنطق بها، وفي الحقيقة أنني منذ وجدت نفسي في هذا المكان العجيب لم أنطق بحرف واحد، فقد كانت طريقة محادثتي مع خاطفي أو مضيفي – سيان – تتم بواسطة توارد الخواطر، ولست أدري كيف يتم ذلك ، لكنني كنت أسمعه يتكلم كما لو كان من داخل رأسي.
- حسناً إسأل ما بدى لك.
- عرف بأنني سأنهال عليه أسئلة، وقبل أن أبدأ سألت نفسي سؤالاً سبقني في الإجابة عليه
- عندك حق فكيف تأمن لشخص لم يظهر لك أو تراه حتى الآن، ولا تدري عنه أو عن هيئته وشكله شيء . هكذا كان جوابه يرن في رأسي بطريقة لا تصدق , وكل ما عليك أن تفعله هو أن تغمض عينيك. أستجبت لطلبه بالفعل فالفضول لرؤيته ينهشني ، وأغمضتهما متلهفاً لا أخلو من رهبة
- أفتحهما لو سمحت
صار صوته أقرب إليَّ من ذي قبل، ففتحت عيني وكم كانت دهشتي مروعة عندما رأيته, لحظتها أسترجعت كل حكايات جدتي، وكل ما جمعته من معلومات خلال قراءاتي، لكن رغم كل ذلك لم أستطع ولو لثانية واحدة أن أصدق ما يحدث لي, أو أنه قد خطر لي من قبل، فما شاهدته كان محض مستحيل عجزت عن تحليله أو حتى فهمه الفهم البسيط.
مَدّ يداً تميل إلى اللون الأخضر بشرتها الرقيقة كمن يود أن يصافحني
- فعلاًُ .. أنا أود مصافحتك.
مددت يدي بدوري لمصافحته ذلك الكائن الرقيق القسمات والذي لا يتعدى طوله المتر، وكأنني سأصافح صديقاً أعرفه منذ وقت طويل، التقت يدانا في ود كانت يده باردة ودون أظافر
- كما أخبرتك فأسمي هو "فسكاسوڤ" ويعني بلغتنا الوفي، والمسؤول الأول في هذه المركبة
- وأنا ....؟
حاولت إخباره بأسمي لكنه سبقني:
- أسمك صالح أليس كذلك؟؟
لم تكن دهشتي كبيرة لمعرفتي المسبقة بقواه الخارقة لكن..
- هذا شيء سهل..
وهو يبتسم بوداعة هذا الذي يشبه الإنسان بشكل قريب جداً في شكله وهيكله ما عدا لونه المائل للإخضرار ودقه يديه، وقدميه المدورتين من أسفلها، علاوة على ذلك  فرأسه الصغيرة لا يغطيها شعر، كما أن عينيه كبيرتين بشكل واضح لكنهما غير قبيحتين، يرى فيهما ذكاء غير عادي وليس لهما رموش أو حاجبين.
- لقد قرأته مدوناً على بطاقتك كما يدل أسمها عليها، والآن مرحباً بك في مركبتنا "ثيوداﭭيسك" المتجهة بسرعة خمسة آلاف سنة ضوئية في الساعة الأرضية، وفي الدقيقة بحسابنا نحن إلى كوكبنا الأخضر "ساﭭوراس" الذي يقع خارج إطار المجموعة الشمسية بمليار سنة ضوئية، وتسمى مجموعته التي هو محورها ومركزها الرئيسي بمجموعة "ﭭاس" أي السكون بلغتكم.
- ماذا ..؟
صرخت بها عنوة هذه "اللماذا" فالذي قاله هو إلى الأساطير أقرب منه إلى الواقع، وهو يشد على يدي بحرارة وقوة هائلة آلمتني وأذهلتني معاً نظراً للمقارنة بين حجمه وقوته البدنية, وأصابني رعب فاحش إضافة إلى ألم أصابعي المحشورة في يده عندما سمعته يحدد وجهة انطلاقنا الخارق.
- لا تقلق.
بكل بساطة الأكوان قاطبة قالها، فصدقته وأنا لا أدري لماذا أشعر حينما أنصت إليه وهو يتحدث – معذرة – قصدت وأنا أسمع توارد خواطره، فربما كان لأثير توارد الأفكار بيننا، تأثير على دماغي يجعلني آنس له بمجرد أن نتحدث بخواطرنا وإلا فما معنى إطمئناني إليه؟!
- فسوف نعيدك إلى الأرض متى ما شئت العودة، لكن ليس الآن.
أشياء كثيرة كانت تعتمل داخلي.. هل كنت أحلم، كيف أتوا بي إلى هنا.. أين يقع كوكبهم، لماذا أختاروني أنا بالذات دون سواي, كيف نتفاهم هكذا ببساطة متناهية.. ماذا يريدون مني, هذه المسافة الجغرافية الهائلة كيف سنقطعها؟!
عشرات الأسئلة كانت تضج بها مخيلتي ولم أستطع تفسيرها، وكأني بي قد شللت عن التفكير، بالرغم من أنني منزو بطبعي، وتفسير الأشياء هوايتي المفضلة بعد قرة عيني .. القات.
- لا عليك يا صالح ستجد أجوبة على كل أسئلتك, أما الآن فسأتركك لتستريح بعد أن تتناول هذه الحبة المنومة, كانت في حجم حبة الفاصوليا، بنفسجية اللون، أخذتها منه وما كدت أضعها في فمي حتى ذابت سريعاً وكأنها لم تكن, فأنت في حالة غير مستقرة فعندك بوادر هبوط خفيف، وبرودة في الأطراف وخفقان بسيط، وهذا راجع لتناولك لنبات أخضر كما أخبرتنا به أجهزتنا في غيبوبتك لكنها الأجهزة لم تعرف كنهه هذا الذي تناولته.
 وددت أن أتكلم فألجمني الحياء، لكن "فسكاسوڤ" فهم قصدي..
- أي شيء تريده ما عليك إلا أن تفكر به وستجده أمامك، والآن إلى اللقاء، أختفى فجأة وكأنه قد تبخر وقبل اختفائه سألته بصوتي المجرد أن لماذا لا نتخاطب بالأصوات، فلم يرد, فعرفت بأنه لا يجيد التخاطب الصوتي، لكن صوته الأثيري أتاني من البعيد .
- نحن لا نستطيع التخاطب معك بلغتك الصوتية، لعدم تعودنا على طريقتكم البدائية فنحن نتخاطب بالحس مباشرة وهذه هي طريقتنا في التخاطب.
طوقني بعدها الصمت، فعدت إلى تلفتاتي محاولاً أكتشاف مكاني الجديد.
كنت في حجرة كبيرة مثلثة الأبعاد، لا يُسمع فيها أي صوت، لا هي بالباردة ولا بالحارة، لا يوجد فيها إلا الصمت المدوي الذي له رائحة الرصاص الجامد، كما لا توجد فيها أية نافذة أو باب.
أحسست بغتة بألم يعتصر أسفل بطني، وقبل أن أسأل أين بإمكاني تفريغ بولي، فتح آخر الحجرة الصامتة باباً له صوت موسيقي جميل لم أسمع مثله من قبل، وعندما أوشكت على الدخول عرفت بأنه حمام ، هكذا أخبرني "فسكاسوف" بتوارد الخاطر، عاد الباب إلى وضعه المغلق السابق، لأجد نفسي عارياً كما ولدتني أمي داخل حجرة صغيرة مضاءة بضوء أخضر شفاف لا يوجد فيها فتحة للدش كما خمنت إلا فتحة صغيرة بمحاذاة جدار الباب من الجهة اليمنى تستخدم حسب ظني لتصريف الماء والفضلات, شعرت بالخجل لحظة شعوري بأن "فسكاسوف" يراقبني، لكنني حينما حاولت مخاطبته لم أسمع جوابه فعرفت بأنني قد أصبحت وحيداً للمرة الأولى منذ مجيئي إلى هنا.
دهمتني من كل جانب فجأة شلالات مائية لزجة ودافئة أحسست للوهلة الأولى بأنني أغتسل بدمي، بعد ذلك شممت رائحة نتنة تنبعث مني، فأكتشفت بأنني كنت أتبرز على نفسي رغماً عني، كذلك خروج عرق ذي رائحة كريهة من أنحاء جسدي، وكأنني كنت أتعرض لغسيل داخلي وخارجي، وهذا ما حصل بالفعل، فقد شعرت بوزني يخفف وبأنني أصبحت في المطلق وممتلئ بالسرور، لا أدري من أين أتاني ذلك الشعور اللذيذ لكنني سعيد به، فلطالما شعرت بدبيب الموت يدب في أوصالي، أما الآن وتحت هذه المياه اللزجة التي تطهرني حتى أعماق روحي، فإن بي جوع عاصف للحياة أريد أن أعيش كما يحلو لي لا كما يريد الناس لي العيش، والذي أكد صدق حدسي بخصوص الطهور الداخلي صوت "فسكاسوف" الذي أتاني وقد بدأ النوم يداعب عيوني.
- نحن نطهرك بسوائلنا لنعيدك إلى طهرك الأول.
- بعدها غرقت في النوم واقفاً تحت وابل من سائل لم أفقه سره أو ماهيته داخل حمام غريب ومركبة أغرب, وأثناء نومي حلمت وأنا أعتقد بأنه لم يكن حلماً بقدر ما هي مساعدة من كائنات المركبة محاولة منهم لتذكيري بما جرى لي حتى الآن كي لا أجن، بأنني كنت مقيلاً في بيت أحد الأصدقاء، وبعد أن أنتهيت من القات شربت شاياً بالحليب، وقررت التنزه على قدمي خصوصاً وأن الطقس كان معتدلاً والليلة قمراء، فقررت أن أذهب إلى جهة بعيدة قليلاً عن ضوضاء مدينتي الصغيرة. وفعلاً توجهت إلى مكان أعرفه، وحينما وصلت إلى هناك، جلست على صخرة مرتفعة قليلاً عن سطح الأرض وأخذت أدندن بأغنية مفضلة لدي، وعيناي تجوسان في خبايا السماء، وبينما أنا في دندنتي، رأيت وكأن نجماً يهوي من حالق ويستقر على مسافة قريبة مني لا تتعدى الثلاثين متراً، في البداية لم أكترث للأمر معتقداً بأن هذا شيء طبيعي فكم من نجوم تخترق الغلاف الجوي وتحترق في الأعالي قبل أن تصل إلى الأرض، لكن لدهشتي الشديدة سمعت صوتاً يشبه رنين الجرس، إضافة إلى عدة ألوان ضوئية تتراقص في وجه الليل تنبعث من ذلك الشيء الذي أعتقدته شهاباً رغم أن شكله البيضوي لا يوحي بما خمنت, فأجتاحتني رعدة صاعقة وأخذت دون شعور مني أتمتم بالبسلمة والمعوذتين، وعندما تأكد لي بأن الشكل البيضوي هو فعلاً طبق طائر توقف أمامي صدفة، خصوصاً وقد بدأت أشاهد مخلوقات تنزل منه لم أرها من قبل، توقفت التمتمة في حلقي، وأنا أكاد لا أستطيع أن أتنفس وحينما حاولت الفرار أحسست بي وكأنني قد شللت، وقبل أن أسقط مغشياً رأيت الكائنات الغريبة تتحلق حولي، ولم أدر بنفسي بعد ذلك إلا داخل هذه المركبة العجيبة.
      × × × ×  × × × × × ×
- صالح أستيقظ أوشكنا على الوصول.
صوته العذب الذي يداعب غشاء مخي مباشرة، كان يجعلني أشعر بالحب له صديقي الجديد، دون معرفة سر حبي المفاجئ، فكلما تأملت عيناه الكبيرتان والبراقتان أزداد حباً وعرفاناً بالجميل، ودون أن أدري ما هو الجميل الذي كان قد أسداه لي.
- شكراً
لم يفته أن ينطق بها قبل أن أفتح عيني، لأجده واقفاً عند رأسي مبتسماً.
ياألله كم كانت ابتسامته مطمئنة، لكن ما لفت انتباهي في فمه أنه لا شفتين له، مجرد فتحة دائرية صغيرة تتوسط الوجه، كذلك لا يوجد أنف، كما أن أسنانه صغيرة وكأنها أسنان طفل لم يبلغ الثالثة من عمره, يا إلهي.. ثم ما هذا الشيء المتناهي في الصخر الذي أراه عند مقدمة رأسه الخضراء ، يهتز بسرعة مذهلة كما لو كان قرن استشعار يستقبل به خواطري، ويرسل من خلاله جملة وكلماته الهادئة ذات الثقة العميقة.
كان ينظر إلي في وداعة ولم يعلق على اكتشافي لأسنانه وقرنه الصغير، لكنه بادرني ونفس الابتسامة ترتسم على محياه الأخضر الجميل
- هل نمت بما في الكفاية؟
- نعم .
أجبته متثائباً بينما لا أزال مستلقياً فوق سرير يعلم الله وحده وفسكاسوف من أين جيئ به أو كيف وجدت نفسي عليه مع أنني كنت في الحمام أغتسل لحظة أخلدت للنوم.
- أتدري كم من الوقت قضيته نائماً!
- كم ؟!
أجبته دون مبالاة وأنا أتمطئ وأتثائب فوق السرير الذي كان يهتز ببطئ جاعلاً من الآم المفاصل، كما عرفت لاحقاً مجرد آلام سابقة لا تذكر.
- ثلاث دورات كونية!!
- لم أفهم ! أجبته
وأشهد لله أنه لم يكن يضايقني أكثر من لغته العلمية البحتة, فما الذي يعينه مثلاً بجملته الأخيرة.
أجابني مبتسماً كما هي عادته عندما عرف ما كنت أفكر به..
- يعني لقد نمت 275سنة أرضية بالتمام والكمال!
- ماذا تقول!!
قافزاً من على سريري المريح والقريب من سطح الحجرة مذعوراً وكأن أفعى نزقة لسعتني.
- ما سمعته، لكن لا تقلق فنحن في طيراننا نمشي عكس عقارب الساعة الزمنية ولا ضير في هذا، أو على وجه الخصوص نحن نستبق الزمن نفسه.
في الحقيقة أن الرقم الذي ذكره فسكاسوڤ جعلني أصاب بالهلع على عمري، فمعنى ذلك أنني قد مت منذ فترة طويلة، وربما أنني الآن في العالم الآخر، وقد أدخلت الجنة جزاء لصبري فقد كنت معذباً في حياتي الأرضية السابقة, لكن وهذا للأمانة شعوري الشديد بالجوع جعلني أتغاضى عن ذلك التفكير الغير منطقي، كما أنه في نفس الوقت، أعني شعوري بالجوع جعلني أطمأن على نفسي، وأني لا زلت حياً أرزق، كيف..!! لم يعد يهمني الأمر فلو بحثت عن إجابة لكل سؤال ينتابني لوصل بي الأمر إلى الجنون أو إلى الانتحار, وقبل أن أتم تفكيري بمعدتي رأيت أمامي مائدة عامرة بطعام لم أر مثله سابقاً، فوقفت أمامه تأكلني الدهشة
- ما هذا ومن أي أتيت به؟!
- طعام .. وقد أتيت به بطريقتي الخاصة، فكل مطالبنا ننسجها في عالم الخيال حتى تأخذ الشكل الذي تطلبه، ثم بعد ذلك يتجسد على أرض الواقع في لمح البصر، وهذه الطريقة تعتبر من أسرارنا التي لا يجب أن يعرفها أحد أياً كان جنسه أو فصيلته، كما توجد لدينا مقدرات أخرى ستعرفها في حينها.
- ومن أي نوع هو، بقري، غنمي، .. عصيد.. كدم، خاطبته ساخراً فلم ينتبه لسخريتي، أو أنه رأي عدم جدوى المناقشة في معاني كلماتي التي بالطبع لا يدري عماذا تعبر, وواصل تعريفه والابتسامة لا تزال معلقة على مساحة وجهه الأخضر.
- لن تفهم إذا ما أخبرتك، لكن كُل دون قلق فطعامنا يناسبكم معشر الأرضيين، كما أنه خال من الأحماض والأملاح والدهون المكثفة، لذلك ستجده دون رائحة كما أنه ليس بالنباتي ولا بالحيواني فهو خليط من الشيئين.
- أيضاً لم أفهم !!
قبل أن أستمر في مجادلته العقيمة أكتشفت بأنني أرتدي حلة مزركشة فاقعة الألوان، وناعمة جداً أكاد لا أحسها على جسدي، ولا أستطيع تحديد نوعها بدقة، فهي خليط من عدة ألوان وخيوط تدهش كل من رآها.
- ولن تفهم ....!!
هكذا أجابني وكأنه قد ضاق من كثرة استفساراتي لكن بلطف.
- فهذا شيء معقد بالنسبة إليك.. هيا جرب طعامنا.
مددت يدي متردداً وكأنني سأقبض على جمرة، وتناولت لقمة صغيرة مما هو أمامي وقذفت بها إلى فمي، أخذت ألوكها بحذر كما لو كنت ألوك عقرباً ، لكن طعمها اللذيذ جعلني أسابق نفسي في الأكل، فما كنت أطعمه هو في أحسن الأحوال ما لم أطعمه أو حلمت بتذوقه سابقاً، وأقسم بأنني لم أطعم ألذ منه في ماض حياتي البائسة أبداً.
أستمريت في تناول طعامي وفسكاسوف يراقبني بصمت وابتسامته لا تفارقه، حين تكلم بغتة أعني خاطبني بلغته الخاصة وكأنه يود إخباري بشيء مهم
- إننا على وشك الوصول إلى كوكبنا..
قاطعته مسرعاً وثمة سؤال تذكرته يراودني منذ وجدت نفسي على متن المركبة
- حتى في خيالي وهو واسع بما فيه الكفاية لم أعتقد للحظة واحدة بأن هناك مخلوقات غيرنا تعيش في كواكب أخرى غير الأرض، لكنك يا صديقي نسفت بوجودك هذا الاعتقاد فهل وأنا أتهيأ لبلع لقمة ضخمة بإمكانك أيها المخلوق الطيب أن تترفق بي وتوضح لي ما خفي عني بل وعن البشرية جمعاء.
- يا صديقي ..
أجابني بهدوء وثقة العالم ببواطن الأمور..
- هل تعتقد أن عظمة الله سبحانه وتعالى تتوقف عند خلق الأرض بمن فيها مع مجموعتها الشمسية فقط.
- كلا .. وإلا كما أعتقد لما كان خلق هذا الكون المترامي الأطراف والمزدحم بالمجرات ما دام سيظل فارغاً ، ولكان سبحانه أكتفى بالأرض ومجموعتها، أولأكتفى بخلق مجرة المجموعة الشمسية وحسب.
- إذن لن نختلف
- ماذا تعني
- أعني بأن حكمة الله جل وعلا رأت وجود مخلوقات أخرى غيركم في كواكب أخرى لتعبده وتقدسه وتسبح بحمده، فعظمته
- والدليل أنني أخاطبك الآن أكبر من أن يخلق الكواكب ويتركها خاوية لا حياة فيها, والذي نعرفه عن الله أنه لا يخلق أي شيء عبثاً بل لحكمة قد لا نفهمها أحياناً ولا نستطيع لها تفسيراً
- أتؤمنون بالله كإله واحد أحد خالق كل شيء؟!
- يا رجل..
أجابني والإيمان ينطق من خواطره الهوائية كالمطر
- بفضله استطعنا أن نصل إليكم رغم بعد المسافة الزمانية بيننا بما وهبه إيانا من علم لم تصلوا ولن تصلوا إليه إلا بعد عشرات الأجيال، وتقول أتؤمن بالله.. نعم نحن نؤمن به ونصدق بوجوده، وهذا ما يعلمنا إياه رسل الله عليهم السلام
- أمعكم أنبياء، أعني هل يوجد بينكم أنبياء مرسلون
- نعم وهم كثر لكنهم قد توفوا جميعاً منذ فترات طويلة ولم يبق لنا بعدهم إلا نصائحهم وإرشاداتهم الداعية إلىعبادة الخالق وحده لأنه ليس هناك إله غيره, وإلى الحق والخير والعدل والمساواة، وكذلك بعض من كتبهم السماوية، فنحن لازلنا نحتفظ بها جميعاً ولا نفرط فيها مطلقاً
- وما هي أسمائهم عليهم السلام
- لم يكونوا واحداً ولا أثنين بل أكثر من ذلك بكثير، ولا أرى ضرورة لذكر أسمائهم الآن
- أكاد لا أصدق
- ولن تصدق إذا ما أخبرتك
- ماذا أيضاً
- تقول كتبنا القديمة بأننا في حقيقة الأمر من الأرض، أو بالأصح خلقنا فيها
- هاه..
فتحت شدقي على آخره مشدوهاً لما أسمعه
- صدقني .. هذه هي الحقيقة.
لم استطع أن أرد عليه إلا بعيني وهما تمشطانه ببله غير مصدقٍ ما قاله وحينما رأى الدهشة تتلبسني أستطرد شفقه بي..
- سأخبرك كيف.. في البدء خلق الله تبارك وتعالى الجن لعبادته، لكنهم فسقوا في الأرض وسفكوا فيها الدماء، فقرر سبحانه إنزال العقاب بهم مستثنياً منهم عباده الصالحين، وهم أجدادنا الذين أمرهم جلت قدرته على لسان أحد رسله ببناء سفن للرحيل عليها متى ما نزل عذابه فقد كانوا متقدمين جداً في علوم الفضاء والصناعة الفضائية وفعلاً أنجزت السفن في فترة وجيزة وحملت أجدادنا الأوائل الذين غادروا الأرض وقلوبهم تتمزق ألماً، لكنها حكمة الله، وبعد تيه دام عشرات السنين في الفضاء..!!
كنت أستمع إليه في ذهول ناسياً الطعام فما كان يتفوه به أشبه بالخرافة، لكنني رغم دهشتي لم أنس أن أسأله
 - وكيف تسنى لهم العيش كل تلك المدة داخل سفنهم المغلقة ؟!
- الأمر بكل بساطة فقد كانت تلك السفن ضخمة جداً، ومعدة للعيش فيها لأجيال متعاقبة، لتوفر كل ما يحتاجه المسافر من مطعم وملبس ومشرب لسنين طوال دعني أواصل كلامي قالها برقة ورجاء
- تفضل
- كما أخبرتك بعد بحث طويل عن كوكب يصلح للعيش، أهتدوا إلى كوكبنا الآن فوجدوه صالحاً للاستيطان ، فاستوطنوه وعاشوا فيه ما شاء الله لهم ذلك حتى أتينا نحن وقد أطلقوا عليه تسمية "ساﭭوراس" ويعني الهبة في لغتكم، لكنهم لم ينسوا الأرض في يوم من الأيام بل كان يأخذهم الحنين إليها، وقد كانوا يقومون بزيارات خاطفة إلى كوكبكم لدقائق معينة رغم بعد المسافة، ومن ثم العودة إلى كوكبنا وقد دهشوا أول الأمر للكائن الذي وجدوه فيه وهو الإنسان، فعند رحيلهم لم يكن موجوداً، وقد أصابه الذعر هو أيضاً –الإنسان- عند رؤيته لأجدادنا كما ذعرت أنت بالضبط، لكنهم سرعان ما ألفوه كما ألفهم الإنسان وخلدهم في رسوماته التي أكتشفها علماؤكم مؤخراً على جدران الكهوف والمغاور، بل ولقد وصل الأمر بالإنسان إلى عبادة أولئك القادمين من الفضاء بأشكالهم الغريبة وقد شاهد أجدادنا ومن بعدهم أبنائهم وأحفادهم مآسي الأرض وقد آلمهم ذلك كثيراً وأحزنهم مدى تخلفكم العلمي والمعيشي والحياتي وتناحركم فيما بينكم, فحاولوا مد يـد المساعدة إليكم خلال رحلاتهم المتكررة عبر العصور، لكنكم ظللتم تنظرون إلى الأمر بخوف وريبة، وطبيعي جداً أن لا يغامر أجدادنا ونحن من بعدهم على الاقتراب منكم ونحن نراكم على هذه الدرجة من الريبة والشك وأحياناً من الخوف والقسوة، وهذه ما جعلنا ننتهز الفرصة لنأخذك معنا بعد أن قذفت بنا الأقدار بعيداً عن مخطط رحلتنا إليك فحملناك، عندما رأيناك وحيداً وطيباً لا تبغي الضر لأحد كما أخبرتنا أجهزتنا التي تستقرئ أعماق الكائنات الحية أياً كان جنسها، وأتينا بك إلى كوكبنا الذي لن تطأه بقدميك لأن ذلك محرم على بني البشر..
كنت فقط استمع كصبي صغير إلى والده، وقد نسيت فضولي قليلاً فكل ما قاله فسكاسوف كان يشبع فضولي بشكل أو بأخر وهذا مما أتاح له فرصة الاسترسال دون خشية مقاطعتي إياه باستفساراتي الساذجة.
- بعمل تجارب حميدة على طباعك وعاداتك، وهل أنت مؤذ أم عكس ذلك وحينما تأكد لنا بأنك مخلوق وديع ظهرت لك كما ترى الآن، وكل ذلك حدث أثناء غيبوبتك التي استغرقت سنة ونصف بحسابكم الأرضي.
حديثه الشيق ألجمني وخصوصاً الأخير منه، فلم أعد أدري ماذا أقول وحينما هممت بالتحدث فهم ما أود قوله فاستبقني بالكلام.
- تتساءل لماذا أتينا بك إلى هنا ولماذا جعلناك عرضة لتجاربنا!!
- هززت رأسي بالإيجاب وقد أنتابني ضيق بسيط وأنا أتخيل نفسي فأر تجارب دون علم مني.
- الأمر بكل بساطة أجاب فقد خلص علماؤنا إلى نتائج مفادها أن أرضكم مهددة بالزوال مادمتم على طباعكم هذه، وتسابقكم في مضمار تصنيع الأسلحة الفتاكة، بحكم تفاوت وتباعد مجتمعاتكم عن بعضها في كل شيء، لذلك أخبرنا آخر أنبيائنا عليه السلام قبل وفاته بضرورة المجيء بأحد سكان الأرض إياً كان بشرط حسن طباعه لنرسل معه رسالة سلام وبعض الأدلة على وجودنا، وأيضاً بعض العلوم التي قد ترتقي بكم قليلاً وترفع من شأنكم وتبعدكم عن واقعكم المتخلف، ولأنك أنت من كان في طريقنا فمن الضروري طبعاً معرفة طباعك قبل التواصل معك وهذا علمياً ليس عيباً ففيه مصلحتك ومصلحتنا، ونرجوا المعذرة، لكن كما سبق وأخبرتك  نحن لا نعرفكم إلا شكلاً فقط ولم نعاشركم وذلك ما دفعنا لفعل التجارب عليك منفذين بذلك وصية نبينا عليه السلام.
- همم .. هكذا اذن هي القصة يا صاحبي
تساءلت بكبر أجوف وكأنني كنت أدري أو أعي كل ما قاله
- دون زيادة أو نقصان.
- وما الذي علي فعله الآن.
- لا شيء، فقط سنقوم بتلقينك ما يجب أن تقوله لبني جنسك من خلال دورة تدريبية شاملة، كما سنقوم بإرسال بعض الرسائل المصورة معك تصور كيفية الحياة على كوكبنا وكيف نعيش ومن نحن كعربون صداقة بين جنسينا تدشيناً لبدء علاقة متفاهمه ومتبادلة بين سكان كوكب "ساﭭوراس" العريق، وسكان كوكب الأرض المتخلفين.
أستفزتني جملته الأخيرة وحاولت أن أحتج على مقولته لكنه..
- لا تغضب أيها الأرضي فنحن جنس من العار عليه الكذب، ولا نتعاطاه أبداً لأنه في ديانتنا كفر مبين، وقد تفوهت بما هو واقع دون تعسف مني أو مزايدة.
أغمضت عيني في حزن على سوء حالنا، لكن وللأمانة أقول بأنني أثناء نقاشي مع "ديسكاسوف" لم أتوقف عن تناول الطعام إلا نادراً حتى أتيت على كل ما في الأواني
- ما قولك في كأس من مشروبنا القومي
قال ذلك ليقطع بيننا حدة الحوار الذي بدأ يتفاقم بيني وبينه عندما رآني وقد تضايقت من صراحته الصادقة
- لا مانع لدي
لم أخيب ظنه فقد جعلني حديثه أشعر فعلاً بالعطش, قام بعدها بعدة حركات كمن يصفق أتي على أثرها شخص لا أعرف من أية كوة خرج، يشبهه في الشكل والتضاريس لكنه كان أقصر منه قليلاً، يحمل بين يديه علبة مستطيلة تشبه صندوقاً زجاجياً، تحتوي على عدة أغلفة كما لوكانت كتالوجات مليئة بالصور الملونة، وعندما سألته أين العصير، أجابني بأنه في الصور، وبأنه سيخرجه بمجرد الإشارة إلى القوارير المصورة وأن هذه الطريقة تسمى "بالجاذبية السحرية" وهي مقدرة خارقة يمتاز بها سكان كوكب "ساﭭوراس" دون سواهم، لم ألتفت إلى شرح فسكاسوف رغم غرابته، فالذي لفت انتباهي أكثر هو الشخص الذي أتانا بالصندوق الزجاجي، فلم يكن يمشي على قدميه بل كان يتنقل من مكان إلى آخر بسرعة لا تصدق، كما أنها المرة الأولى التي أرى فيها شخصاً آخر غير "فسكاسوڤ" فأجابني عندما قرأ ما يدور بذهني..
- هذه "ديسكالوا" الخادمة وهي من ضمن أعضاء طاقم الرحلة، وطريقة مشيها ليست غريبة فهذه هي طريقتنا في المشي, الانتقال من بعد إلى آخر, كذلك تجد مركباتنا، ولذلك تجدنا سريعوا الحركة سرعة خارقة
- لماذا يا صديقي لا تقدمني لبقية أفراد الطاقم
حاولت جره إلى البوح ببعض أسراره دون أن أفكر مسبقاً حتى لا يقرأ أفكاري، ولأنني فعلاً أردت معرفة رفاقه لكي أصدق بأنني مستيقظ ولست أحلم.
- أرجو المعذرة يا صالح فهذا لا يسرهم، وأرجو أن لا أكون قد جرحت شعورك لكنها الحقيقة
- لماذا
نطقت بها ومذاق مشروبهم له وقع السحر على لساني، كما أنتابني شعور ممتلئ بالسخط، لاعناً في سري المصادفة التي أوقعتني بين أيدي هذه المخلوقات الملونة التي تزدري بشرياً كونه لا يشبههم.
ياللعنة هكذا ثرت بغتة كحيوان أخرق دونما سبب وجيه وكأنني فقط أردت استعراض نفسي في لحظة الغضب فلم أفطن لتهوري المتسارع من أن فسكاسوف يقرأ أفكاري.
- شكراً
صفعني بها والابتسامة في فمه تذوي كالزهور اليانعة، قالها ببرود كمن كان يتوقع ما حدث.
حاولت أن أتدارك الأمر وأن أشرح له ما كنت أقصد وبأنني قد تسرعت، ولم يكن قصدي الإساءة إليهم، تلعثمت وأنا أبرر له غلطتي الغبية ولم أعد أدري بماذا أفسر له فعلتي السوداء، فهو يقرأ أفكاري أولاً بأول ويعرف مدى كذبي.
- انتهى الأمر أيها الأرضي، ستعود حالاً إلى الأرض، فهذا ما كان متفقاً عليه عند أول بادرة تبدر منك للغضب أو الحنق أو السخرية سنعيدك إلى كوكبك بواسطة القذيفة النجمية العابرة للمجرات فلسنا نسمح أن يتطاول علينا كائناً من كان خصوصاً إذا كان بشرياً متخلفاً مثلك.
-  أرجوك فسكاسوف أسمعني!
قلتها صادقاً عساه يسامحني على زلتي الغير مقصودة..
- أسف.. نحن لا نساوم في قراراتنا أبداً، وما قرر يجب تنفيذه فوراً أختفى بعدها مباشرة من أمامي وكأن صاعقة أبتلعته
- لهذا كان رفاقي لا يودون الالتقاء بك لأنكم معشر البشر سريعوا الغضب لا تراعوا مشاعر الآخرين، ولهذا كان محرماً عليكم دخول كوكبنا، هكذا كانت وصية الأجداد.
كانت خواطره تأتيني من البعيد هذه المرة ولم يستمع أبداً إلى توسلاتي بعدم إرسالي مرة ثانية إلى عالم البؤس والحرمان والضياع، فقد استطبت صحبتهم وأود لو أن العمر ينقضي بي بينهم.
- أرجو المعذرة هذه هي الأوامر ولن أستطيع مخالفتها، كنا قد أعددنا لك برنامجاً حافلاً يستفيد منه بني جنسك عندما تعود إليهم لكنكم كما يبدو لا تستحقون الخير...الوداع أيها الارضي!!
أستسلمت لقدري وقبل أن أغيب عن الوعي استعداداً لتسفيري على متن عابرة المجرات سمعته يخاطبني قائلاً:
- من حسن حظك أنك ستعيش ألف سنة لأنك أكلت من طعامنا فهو شبيه بإكسير الحياة الذي تحلمون به في تركيبه الجزئي، ولا يجعل الخلايا تموت مطلقاً، من يدري فقد نلتقي مرة أخرى خلال عمرك الطويل ، والآن الوداع.
آخر شيء سمعته هو دوي النجمة الكونية العابرة للمجرات وهي تقلع بي إضافة إلى جملة فسكاسوف الأخيرة الذي يشبهني كما لو كان نسخة طبق الأصل مني مع اختلاف بعض التفاصيل.
- الوداع يا قريني الجاحد.
أفقت بعدها على واقع مزري، لأجدني عرضة لمطاردة الصغار وقهقهات الكبار كلما رويت لهم قصة رحلتي إلى كوكب "ساﭭوراس الأخضر", حتى جعلوني أشك في نفسي وأتساءل، هل سافرت فعلاً أم أنني كنت أهذي بما لا يصدق؟!
حتى الآن لم أجد من يجيبني على سؤالي، لكنني كثيراً ما ذهبت إلى نفس المكان الأول الذي أُخذت منه إلى المركبة الغريبة وأقضي ليال بطولها منادياً صديقي فسكاسوڤ عله يصفح عني ويأتي لينقذني من نفسي ومن قومي، فلا أسمع إلا نواحي يهاجم ظلام البراري الموحشة، وعواء الذئاب يدهمني من البعيد.
صنعاء – شتاء 90
 
 

أميـرة

أميرة..
وسنابل رياح الخريف تهرول فوق وجه مساء المدينة النائمة يسمع لها هسيس الجوع والفاقة..
نادتني منتشلة إياي من همومي، ومن ضجيج زبائن المقهى وعالمهم الخانق المتشبع بالدخان والضحاك الذي يشبه البكاء، واشعلت ذبالة العين الذكرى، بالطفولة ولهاث "حبس أمان"(1) داخل أزقتنا الفقيرة وكركرة الأطفال القديمة..
- يا رجّال أمي مريضة أدلي ريال.. الله يخليك!
قدميها الحافيتين الرقيقتين تنغرزان كانتا في وجه الرصيف ينوشهما البرد، وعيناها البنيتان تبتهلان لي بمودة واستجداء
- قديه مرقدة في المستشفى(2).
- وأبوش ماله ما يصرف عليها(3)
وجمت ولم ترد علي ربما أفزعها سؤالي المبحوح بالمفاجأة لكنها كمن تود أن تخيب ظني فيما خمنته، تمتمت هامسة كأنما تحدث نفسها بحزن شفيف
- أبي سار البحر!
اسمها كان أميرة، أخبرتني وصوتها يرتعش عندما سألتها بشرود فأضاءت كلمات شفتيها اليتيمتين ذات الثقة المشحونة بشجن لم أفقهه شارعنا المظلم وأوقدت فيّ نار السنين..
- أمي مريضة..!
أسمها عذب وجسدها النحيل تنهشه صنعاء بكلابها الضالة ونومها الكسيح
- وما قد رجعش من البحر؟!!
- منهوه!!
كنت ألقي عليها أسئلتي بآلية جامدة وكانت تجيبني بنفس طريقتي لكن بصدق.
- أبوش!!
- ماعاد عيرجعش....(4)!!
أجابتني محنية الرأس تراقب قدمها اليسرى وهي تمسح وجه الرصيف بحيرة
- قالت أمي أنه يمكن قد ضاع أو فحسته سيارة(5).
أبكتني من الداخل هذه المخلوقة الهشة بينما عيوننا تبحث في بعضها عن ذواتنا وهمومنا الكسيرة، فنهرتني بصوتها الرقيق عندما طال صمتي..
- يله(6) أدلي الريال.. قوى!! (7)
أضاءت قناديل القلب المطفأة هفهفة خصلات شعرها المتناثرة على صفحة وجهها القمحي، كشلال منسي عند نهر مقدس بعيد، وأذابت بدفء يديها الحنونتين غابات صدري الثلجية وهي تشدني من يدي بدلال ورجاء.
أبتسمت لها من خلال دخان سجارتي المتطاير وصمتي يجترح الدمع داخلي وضجر ما بعد القات والحزن الليلي المعتاد، وهززت رأسي بالموافقة, حينما ذهبت ممتلئة باليأس والتعب يسكن كفها ريالي الوحيد، متوارية وراء عقارب التاسعة وأضواء المقهى الكابية واختفت حزينة، أظلم الشارع الضيق بالتراب وفضلات المارة الجافة وعطن البول الحاد وصار للشاي في لساني طعم السراب.
كان اسمها أميرة.. وجهها حبيب وأمها مريضة..
ذهبت تلاحق وعود الجرائد "وكدمة" العشاء(8)
رحلت أميرة الحافية إلى حيث لا أدري
وفي السماء البعيدة
أختفت نجمة صغيرة
وانتشر الظلام.
صنعاء- خريف 90
هامش:
1- لعبة شعبية يقوم بها الصغار.
2- هي. في العامية اليمنية.
3- والدك. في العامية اليمنية.
4- ألن يعود. في العامية اليمنية.
5- سحقته. في العامية اليمنية.
6- هيا. في العامية اليمنية.
7- لو سمعت. في العامية اليمنية.
8- خبز شعبي يمني.
 

 

تصاوير اليبوسة والملح والأسمنت

 


 
صمتاً العم حميد سيخبرنا بما حدث..

عندما وصل العم حميد كان وجهه مبيضاً من الغضب والحزن، كان قد تأخر نصف ساعة كاملة عن العمل، أستقبلناه متسائلين نحن زملائه وعشاق قهوته، "والله يمكنهم عرب....!" وسكت، أنتظرنا أن يكمل، بلع ريقه وأضاف "والملعون إبن الملعون أخذ مني عشرين دولار حق توصيله ما تساوي خمسة دولارات" ، كانت هذه هي طبيعته يدخل ويشتبك في خمسين ألف حكاية وقصة عندما يتحدث، "خلك من المعلون إبن الملعون، وأخبرنا من هم العرب وأيش حدث لهم!" ، خلع نظارته وأخذ يمسحها بتؤدة حارقة ومراراتنا توشك إن تنفقع ننتظر الأجابة، لكنه كان يبدو في كوكب آخر، وأخيراً فتح فمه, "وصلنّي ....!", وأكملنا ورائه مسرعين "الملعون إبن ستين كلب"، سكت حتى يعيد النظارة إلى مكانها فوق أنفه الصغير "وطلب مني...!" ،هذا الرجل لا فائدة منه في نقل الأخبار، لكننا وبمجرد أن نراه نمطره باستفساراتنا، عمّا سمع وشاهد في يومه، "هه وبعدين.." يا قيامة الله قومي كنا نظن أحياناً أنه يقصد ذلك، "شفت ...!", يا رب محمد عاد للصمت، هل يود قتلنا  هذا الآدمي "تشتوا قهوة!". كان شديد النقاء بعمره الستيني، ولولا حبنا له لأكلناه بأسناننا غيظاً منه، "يا أخي ذبحتنا بقهوتك، أيش حصل بالعرب.. ماتو؟", كنا نستفسر عن حادثة مروعة حدثت أمام إحدى المدارس الثانوية، وقد سمعنا من بعض رفاقنا أن العم حميد كان هناك ساعة الحادثة، وها نحن نوشك أن نبكي فضولاً حتى يخبرنا بالتفاصيل, "قصدي صحيح.. معي قهوة باهرة من حق البلاد!..". أسُقط في أيدينا وحزنّا السكون المقهور، لم نقل شيئاً، أمطرناه بنظراتنا حانقين، حدقنا فيه عن قصد لعله..!!، تفرقنا عنه، وذهب كل واحد منا إلى عمله، وكأن الأمر لا يعنيه،"أمانه أنها قهوة...!!".
صيف 2000 - ديترويت
 
ـ  غُربــــــة -

أخذ يراقب الطريق بحذر مشوب بخوف، كان الصمت يلف المكان، في ذلك الصباح الباكر إلا من زقزقة عصافير رمادية، كانت تتقافز على الأغصان الجرداء, لتلك الأشجار الواقفة في وجه الشتاء، والثلج ببياضه الحليبي المحبب يغطي الأماد، عيناه الصغيرتان كانتا تتساءلان عن هذا الشيء الأبيض الذي يُدعى بالثلج، هو يتذكر جيداً أنه لم يشاهد مثله في بلاده البعيدة وبهذه الكمية الهائلة وكان قد صم على أكتشافه.
لذلك أستيقظ باكراً بينما كل من في البيت كانوا لا يزالون في نومهم الهنيء, فتح الباب وتقدم بحذر خطوة إلى الأمام، الريح الخفيفة التي كانت تصفعه برفق على أرنبة أنفه الصغيرة لم تجعله يتراجع، تلفت يمنه ويسره وحينما لم يرى أحداً، أنطلق فجأة مسرعاً مثل فأر هارب بأتجاه الشارع الخالي، وقبل أن يصل إلى عرض الطريق تعثرت قدمه وسقط على الثلج الذي غطى وجهه وبلل يديه، فانتفض من شدة البرودة التي واجهته فعاد أدراجه راكضاً صوب الباب الموارب، "أسووه.. ،... بارد" قالها لنفسه من بين لهاثه محدقاً في غريمه الأبيض النائم على الأرض، وشبح ابتسامة تلوح في وجهه وهو يحدق في ما أمامه بإنبهار وفرح لا يدريه.
شتاء 92- ديربورن
 
- صـــورة -

  ساعة الجدار كانت تشير إلى تمام الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، والبطل الوسيم الحليق الذقن وسيجار ضخم بين أسنانه البيضاء، على جواده الممشوق في الصندوق السحري الذي يُدار بالكهرباء، يجندل "الأوغاد" الذين نسوا أن يحلقوا ذقونهم أو يهندموا ملابسهم، هكذا كانت تعاليم المخرج، وعلى الجدار القذر أخذت صورة باهته لزعماء راحلين وبعضهم ينتظر، تأخذ مكانها في مساحات الجدران الملطخة بالسخام والبصاق، صورة للوطن البعيد وسهوله ومدرجاته الخضراء، وأيضاً أحاديث تتحدث عن عقوبة تارك الصلاة، وصورٌ ملونة لنساء شُقر وسمر يبتسمن في دلال وإثارة مثيرة، وهن يستعرضن أجسادهن النارية في الهواء الطلق أو بين الأشجار.
"هند..!!"(1) أحد الرواد، لعلع بها عالياً في وجوه زملاءه الذين يلاعبهم، وأمارات الظفر بادية على وجهه، وثمة  على الجدار إعلان يتحدث عن شقة للإيجار،  "يرجى الإتصال على هذا الرقم، (..........)، البطل الوسيم لا يزال يلقن "الكومبارس" تعاليم المخرج المختفي جيداً، ولاعبي "البوكر" في معاركهم الخاسرة، ووعيدهم تلوح به القبضات الغاضبة، "إذا أنت خايف على فلوسك تروّح أرقد ناهي؟!!" كان يقولها متوعداً، "تمام ألعب ذلحين وبَّطل كثرة الكلام حقك هذه"، التلفون يرن فيأخذ السماعة أحدهم، يرطن قليلاًَ ثم يرفع صوته عالياً "سام موجود يا جماعه"، "منْ" يرد أحدهم مستفسراً، "حقه القحبة"، "لا قلها مش موجود" ثم يكمل كلامه وهو يغمز بعينه "قلّها فيه واحد غيره".
نساء ورجال وقوارير براقة ومترعة في حانة أنيقة من طراز "الكابوي"، والبطل بينهم يراقص حسناء أُم شعر أشقر أعدها المخرج كمكافأة له على أداءه المبهر، ولتخفف عنه قليلاً من حرارة ورطوبة الاستديو المزدحم، بينما ومن آخر المقهى يأتي صوت جماعي، يشبه الغناء "..ويا طول النواح من حُب.!!", ثم يسكت الصوت فجأة، "أطرح الفلوس وإلا قسماً بالله أنزع كبدك"، أحد اللاعبين كان يخاطب زميلاً له متوعداً، "يا وليد بطّل عنترة والعب بلا كثرة صياح وإلا روح أرقد عند أمك" ، شرارة العراك كانت قد أوشكت على الاشتعال، البطل أيضاً كان في معركة ضروس مع أوغاده بين كرٍ وفر، "قد قلت لك وأنت أخبر بنفسك"، رده كان حازماً قبل أن يطوّح بقبضته في الهواء"، "سامعين" ، "يا رجّال أعقل شوية وخّلنا نلعب" بقية الزملاء نهروه فعزّت عليه نفسه، فما كان منه إلاّ أن هوى بكفه على وجه خصمه، الصفعة كانت من القوة بحيث جعلت المصفوع يبدو وكأنه قد شُل للحظات قبل أن ينشب أسنانه في عنق الآخر, "ياجماعة عيب عليكم قدكم كبار".
لم يكن هناك متسع من الوقت لسماع النصائح، فالمعركة قد حميت، تدخل بعض الزملاء والأصحاب والحاضرين لفض النزاع، وما هي إلاّ دقائق إلاّ وقد عادا للعب ثانية كل يلعق جراحه، "إذا ما رَّويتك" قال أحدهما ولم يجب الآخر. الساعة كانت تواصل رحلتها في الليل الطويل، وفي فلان وقناني البيرة مرصوصة أمامه مثل نياشين النصر في معارك الوهم، والدخان يزحف في الوجوه والأعناق، والرجل في صورة على الجدار له عينين مغرورقتين بالدمع، لا يدري  له الدمع أحد سبباً، وصوت " لندن" يتحدث عن مجزرة المسجد لا تدري أين "أنزل بالجوكر"، قال أحد المتعاركين، " أنزل بجدتك" رد الآخر" أشهدوا عليه يا ناس" ، قالها وهو يشير متوعداً إلى خصمه" جنّي يا خي خلنا نلعب بقلب سالي" أحد اللاعبين تمتم بضجر، كان ينظر أحدهما إلى الآخر بكره, ومن زاوية أخرى من زوايا المقهى تتناوب الأصوات "جفمى فايف"، "فايف وات"، "فايف بتشز" فيقهقهون بصخب والبطل الوسيم يظهر هذه المرة وهو يفك الأصفاد عن معصمي حبيبته الحسناء، لا تدري من صفدها وحده المخرج يعلم ذلك ثم يأخذها بين ذراعيه، بنبالة الفارس ويلتهم شفتيها الشهيتين لتظهر الـ"THEEND", بعد ذلك وهو لا يزال ينهش تلك المرأة الشهية.
الليل لم ينته بعد والمقهى لم يغلق أبوابه، والجميع في لعبهم ومشاجراتهم الحامية، وقليلاً قليلاً أخذ الزبائن ينسحبون إلى بيوتهم مثخنين بضجر لا يطاق.
شتاء 92- ديربورن

 

هامش:
- هند: المقصود: هاند: وهي أشارة الفوز في لعبة البوكر.
- ناهي: تمام
- وليد: وصغير لولد، وتقال للاستخفاف
- يا رجال: بتشديد الجيم: يا رجل
- قد كم : أنتم
- إذا ما رويتك: سوف أريك وتقال للتهديد
- جفمي فايف: أعطني خمسة، وتقال للمداعبة أو الاستحسان.

- بتشز: جمع مومس
 
 

ثلاث فتيات مكسيكيات في مدينة بارةد


  ثلاث فتيات مكسيكيات جميلات تنتظرهن سيارة قديمة عند باب المصرف، كن فاتنات كما لو أنهن ذاهبات إلى حفلة، واحدة رشقت زهرة صفراء في شعرها الأسود، أخرى عقصت شعرها البّني على شكل كرة صغيرة إلى الخلف، وأظهرت عنقاً شاهقاً يستحق العض، أما الثالثة فقد عطرت المكان بابتسامة سحرية كاملة الأسنان. من أين أتت تلك المخلوقات المعطرات بأنوثة عُتقت زمناً طويلاً في غابة منسية في كوكب الطيور الملونة والفراشات الناطقة، عند ما دخلن كنا نقف في طابور طويل أمام نافذة الصرافة يعصف بنا برد لعين، جافي الوجوه مشققي الشفاة، مثل رجال من خشب تركوا هناك ملايين السنين حتى تهرأت مفاصلنا، لم يكلم أحدنا الآخر، صمُوتاً والهواء بيننا ميت، حتى أهلّت ثلاث شموس تفوح منهن رائحة أمريكاء اللاتينية، بجبالها وسهولها وأنهارها وأسرارها التي لم تعلن بعد. عادت الحياة إلى أرواحنا، أزهرت شفاهنا بإبتسامات يانعة، أفسحنا لهن الطريق جذلين ليتقدمن الصف، وعندما شرعن في الحديث فيما بينهن وعلت ضحكاتهن، أبهجت أفئدتنا لثغتهن التي تشبه لثغة عصافير لم تخلق حتى الان، قضين ما أردن وخرجن، لم يلتفتن إلى أي واحد منا، كن قاسيات الإرادة والدلال، صعدن سيارة قديمة كانت تنتظرهن وأنطلقن مرتويات الأجساد، تطوح بهن موسيقى راقصة أنبعثت صدّاحة من مسجل السيارة، فنتابعهن بعيون مليئة بالحسرة. فجأة لم نشعر إلاّ وقد اجتاح الربيع مدينتنا المغطاة بالثلج، محولاً إيانا إلى طيور سكرانة، تطارد سيارة قديمة في داخلها ثلاث أغنيات قصيرة لحقول تنهض من نومها الآن.          ديترويت أواخر شتاء 98
 

 


أقاصيص أمريكية
 
 سقــــــوط

عندما شرع في أداء العمل الذي أوُكل إليه، كان قد أحس أنه لن يقدر على أدائه بالشكل المطلوب منه، فكر في الاعتذار ومعنى ذلك أن الباب سيفتح في وجهه إلى عرض الطريق، كان في ليلته الفائتة قد رأى في منامه أن كلاباً كثيراً تلاحقه تود الفتك به، فقضى ليلته في المطاردة، قواه لم تكن لتساعده في سُخرته تلك، ومع ذلك ليس أمامه إلا الطاعة، عندما نفذ صبره، أخذ يُطلق لعناته عالياً في وجوههم أولئك الذين يتضاحكون عليه، لا يدري في إنفعاله ذاك، للحظة هل شعر أنه يوشك على السقوط، عندما تأكد من ذلك كان قد أحس فعلاً برطوبه البلاط تدغدغ جبهته ببرودتها الجامدة، وقبل أن يغيب إلى الأبد رأى بعينيه المظلمتين إلا من بصيص من نور أن الجميع كانوا يتقدمون باتجاهه شاهرين سكاكينهم.
 
 جَينـْــــــا

لسانها كان أحمر نقياً عندما مدته لي في دلال..،
أسمها "جَينْا"، تلبس جاكت ذي لون أسود وقبعة سوداء فتبدو مثل أميرة قديمة، وتملك سيارة "نص" عمر، ولأنها تكره الزحمة والأوامر فقد فضلت العيش وحيدة.
تعمل في ورشة رقيقة مثلها، وهي الفتاة ذات التاسعة عشرة وردة من العمر، تحمل ألواح الخشب الثقيلة والصناديق الفارغة والممتلئة بأشياء لا تدري بها متصنعةً الجلّد بذكاء، وعند آخر كل ليلة عمل مضنية هي لا تخبر أحداً بذلك تذهب برفقة أحد زملائها في العمل إلى مكان ما حيث يمارس فيه الناس أشيائهم الخاصة جداً، نسيت أن أخبركم أيضاً، لقد كان طعمها لذيذاً حينما كانت عندما يأتي دوري تمنحني مكاناً قصياً من سريرها الوثير.
 
  تقليد

رنين الملاعق الرتيب كان يسيل برتابة على وجوه بعض زبائن المطعم العتيق، الكبار في السن الشديدي النظافة والحريصين بما أوتوا من حرص متوارث على آداب المائدة، وجوههم عاجية وأصابعهم طويلة تكاد تتمزق رقة متكلفة، يتحدثون بهمس جنائزي، فيما الآخرين لا يشعر بهم أحد، عند ما يفرغون من أطباقهم يتحولون بكل لياقة المائدة إلى ذئاب تندي عيونهم العجوزة ويبدأون في نهش الآخرين وهم يبتسمون.
 
 علـــــــي

سنتان يا علي وأنت تغسل الصحون وتمسح الآرض وأوساخها، آلاف الساعات وأنت تركض في نفس الطريق، و"تعال يا على، أذهب يا على" أغسل هنا، أنتبه بالوعة الحمام طفحت أدخل يدك وأخرج الذي يسدها..، ولا تنسى القمامة يا علي يأمرونك بلغتهم المعجونة "بالسقاطة"، وهذا المساء، هذ الآن، ها أنت بذلٍ تكرهه تتناول عشائك البسيط وحدك بين مجموعة من العمال لا يعيرونك التفاتاً كما لو كنت لست موجوداً بينهم، لا تدري لماذا تود البكاء والركض بعيداً تحت مطر من ثلج مثل مجنون يهرب من نفسه، مع أنك كنت تتصنع مثلهم عدم المبالاة، في آنك ذاك أقبل عليك رئيسك في العمل وأخذ يصرخ في وجهك بلغته التي بالكاد تحفظ بعض كلماتها، كان صراخه عظيماً ذلك الكلب، جعلك تشعر بنظرات زملائك تسلقك بتشف لا تدريه، كما لو أنك قد أرتكبت ذنباً لا يغتفر، علقت اللقمة بحلقك وتجمدت مكانك لا تدري ماذا تفعل، كنت حدثت نفسك بالوثوب في وجهه ذلك الضخم ونهشه بأسنانك، لكنك تراجعت بانكسار، فمن أين لك بالمال بعد أن يلقى بك في الشارع، من أين ستأكل، كيف .. كيف!!، دوائر الأسئلة خنقتك، فذبت في مكانك مثل قطعة ثلج آسنة، وعندما أمسك بكتفيك هازاً أياك بقوة لم تتحرك، بل تساقطت دموعك، وحينما حاولت كبح جماحها أزدادت هطولاً، وغدى منظرك يثير الشفقة، فرفعت صوتك عالياً وأجهشت بالبكاء، فلماذا بكيت يا علي.. لماذا..؟!
 
 لحظـــــــــــــة

كانت ساعة الحائط قد شارفت على الثانية والعشر دقائق من بعد منتصف الليل، وحدي أهيئ نفسي لمغادرة المحل الذي أعمل به أجيراً بالساعة، عندما لا أدري من أين ظهر لي ذلك الوجه، أنقبض قلبي لرؤيته خصوصاً وأنه بدا كما لو كان ينتظر خروجي منذ فترة طويلة، حاولت التراجع بأتجاه المحل، وحينما أستدرت، لم يتفوه بأي كلمة، لكنه كان قد سحب شيئاً من وسطه، ساعتها أدركت لآخر مرة بأن كل ما كان يعتمل في رأسي وأُمني به نفسي لن يتحقق أبداً.
 
 كابـــــــــــوس

فتح عينيه خائفاً ودقات قلبه تركض متسارعة وكأن هناك من نبشه من فراشه، تتصاعد من فمه رائحة نومٍ حامضة، وحده ممدد على فراش حجري يلفه الصمت، نهض من رقدته عاريا متجمد العينين تتساقط رموشهما مثل أوراق يابسة، وفي حجرات البيت الخاوية أخذ يبحث عن شيء لا يدريه، جامد القسمات فلم يجد أحداً، فتح الباب وخرج لا يزال عارياً إلى الشارع الذي كان مكسواً بطبقة كثيفة من الرماد، يتبعه سكون رصاصي، الشارع له نفس المعالم المألوفة، والسماء فوقه شديدة الزرقة تشبه صفيحة زرقاء من فولاذ ميت لا طيور فيها. سار إلى نهاية الشارع بخطوات آلية، تلفت يمنةً ويسرة فلم يرى أو يسمع شيئاً " أين ذهب الناس" كل ما حوله هباء زفت وقطران ناعم تذروه ريح ميتة. كل الشوارع التي سار فيها أخبرته بنفس النتيجة السابقة "لا أحد" ليس أمامه إلا الصمت وظمأ شرس يفتك به، توارت عين الشمس باحمرارها الواهن وتركته وحده في ظلمة حالكة، وعندما أعياه البحث توقف مكانه خائفاً يحدق في كل الإتجاهات علّه يرى أحداً، وثمة شعور قاتل لا يدريه يدهمه عاصفاً "أين أنتم", صرخ بكل صوته صرخة جوفاء لا يخرج صداها عن محيطه، سقط متهالكاً على الأرض العارية وأجهش بالبكاء، ومن حوله أخذت تبزغ مئات العيون!!.
 
  ميشيـــــــل

"هيه.. أيتها الخنزيرة كم تأخذين لقا خلع سروالك القذر" ,
ابن السافلة عاملني كما لو كنت كلبه في الشارع، أخ لو...!! دعك من هذه الترهات يا عزيزتي ميشيل فقد سمعت ما هو أسوأ وأقذر وتفقدي نفسك الآن، عليك أن تظهري ثدييك مشدودين بما فيه الكفاية، وكذلك شفتيك أكثرة حُمرة، وأيضاً رموشك وعينيك لا تنسي أن..، ثم ما هذا يا ربي، تغضن تحت الجفنين معاً، حاولي يا ميشيل أن تخفيهما جيداً، وإلا فلن يبصق في وجهك أحد, دعك من هذا التبرم السخيف وإلا فستواجهك المتاعب ولعلك لم تنس عند ما ذهبت إلى أحد الشوارع التي لم تعتاديها محاولة منك في التغيير وحسب، كيف أن فتياته تكالبن عليك وأشبعنك ضرباً، فقط أنتبهي لعملك وحافظي على نضارتك ما استطعت، صحيح أن عمرك قد تجاوز الثلاثين بقليل، لكنك لا زلت تمتلكين قواماً تحسدك عليه بنت العشرين..، و ....!!, أوه يا ربي لكنني تعبت وقرفت من هذه الشغلة، كل ليلة في حضن رجل جديد، مللت يا إلهي، ليت أن لي ..، دعك من ليت وهذا الكلام الفارغ، فلن ينفعك عض الشفاه ولن تطعمك أمنياتك الفارغة دعك من هذه الأوهام يا ميشيل، وإلا فسوف تأكلين من القمامة، والآن هيا القي نظرة أخيرة علي "مكياجك" أرفعي هذه الخصلة قليلاً، نعم هكذا إلى اليسار، دعي جبينك يظهر جلياً، ولا تنسي الكحل لكي تبدو عينيك أكثر جمالاً، رائع أليس كذلك، هيا يا عزيزتي أنفضي عنك الكسل، ففاتورات كثيرة يجب عليك سدادها تنتظر، تحركي فقد شارفت الساعة على العاشرة، لقد تأخرتي عن موعدك، فالليلة ليلة سبت، عجلي لعلك تدركي آخر الزبائن، في هذا الوقت المتأخر من الليل.
 
 صــــــــــــــــراخ

مثل نقطة سوداء متحركة كان  يبدو في صحراء هائلة من بياض ملحي، يمشي في كل الاتجاهات ولا يصل، كثيراً ما كان يصرخ بأعلى صوته: "ياآآآ...." فلا يجيبه أحد، فيستمر في مشيه المحموم باتجاه الفراغ "ياآآآآآ....." وتذوب صرخاته في المدى المترامي الأطراف، داخله مصمت، لا يدري لماذا يصرخ، أو من الذي سيجيبه، لكنه يواصل صراخه بعناد لا يفقهه، ذات مرة وقد نفذ صبره أبتلع كل الهواء الملحي حوله، وأطلق صرخة عظيمة بكل ما أُوتي من قوة "ياآآآآآآآآآآآآآ..آآآآ.."، عندما رجعه الصدى سقط ميتاً.
 
 شواهــــــــــــد

فقط شواهد متراصة بعضها بجوار بعض، خرب المطر والثلج بعض أعرامها ، إلى جوارها باقات زهور كانت ملونة، يبستها ريح باردة لا تدري من أين تهب، وأسماء محفورة جيداً عليها بخطوط عربية ركيكة إلى جوار خطوط إنجليزية منسقة وواضحة، عبد الفتاح، صالح، محمد، سعيد، عبدالله، في مقبرة بعيدة تغوص في الماء المخلوط ببقايا بشرية مقددة، كانت في يوم لن يعود تواعد نفسها بعودة قريبة إلى وطن بعيد.

وايندات - خريف 92.
 
 

غـُـــــــــــــــــــزاة

حتى جامع القرية ظل مغلقاً في تلك الظهيرة اليابسة، جميع السكان أصابتهم أعراضاً غريبة، جعلت أسنانهم تغدو مثل رؤوس الفجل، لزموا على إثرها بيوتهم، كذلك اجتاحهم شعور قارس بالبرد، مع ارتفاع قاهر في درجه الحرارة وصولاً إلى غيبوبة لا عودة منها، حتى الأطفال لم يُرى لهم من أثر في الأزقة المقفرة، وحده الأنين كان يتصاعد من نوافذ و"مقاطير"( ) البيوت، كان ثمة وباء غامض قد أجتاح القرية ذات ليل، فأصبح الأهالي في ديارهم جاثمين، الحجة "مرسلة" قابلة القرية ومصدر أخبارها ومزينة الصبايا في الأعراس ومغّسلة الميتين والنادبة الأولى، رفعت كفيها إلى السماء متضرعة أن يتقبل الله دعائها وهي الأرملة منذ أربعين سنة بحق جاه النبي ولم تر إجابة، لأنها كانت قد ماتت بجوار بقرتها أم الخير التي ماتت هي الأخرى في نفس المكان. نفقت الحيوانات وتصارعت الثعابين في الطرقات وثمة جفاف يغشى الجهات، والأشجار الشوكية تنمو بهمة تُحسد عليها، ماتت الحجة "مرسلة" وهي تناجي "الحُميد ابن منصور( ) أشفقنا يا ولي الله بشربة مروية  وقدحين حبوب!"، ماتت ولم يقبرها أحد كبقية الأهالي، فاهترأت جثتها وتحولت إلى رمادٍ تذروه الريح، هجمت الغربان على البيوت والنسور وأخذت تنهش الجثث التي لا يسأل عليها مخلوق، والأشجار البرية تواصل نموها بشكل مذهل حتى أخفت معالم القرية عن العيان، وأخيراً وعندما اشتد بها الجوع والعطش وفتكت بها الأمراض، هبطت القرود من الجبال المحيطة بالقرية مثل الجراد المنتشر، واكتسحت كل شيء أمامها, كانوا غزاة حقيقين لم ينجُ منهم كائن، بعد سنين طويلة لا تعد ولا تحصى، أُكتشفت تلك القرية، وعندما دخل المكتشفون بيوتها المتداعية وجدوا عشرات الجثث البشرية وهيا كل القرود العظيمة ملتصقة بها بشبق ميت.
ديربورن 99.
 
 

حــــــــــــادث

ما حدث يصعب علي الشرح، حيث أنه استل جنبيته وأنطلق مثل مجنون نحو الشخص الذي جعله خصماً وأشبعه طعناً، دون أن يعطيه فرصة للدفاع عن نفسه، كان يدرك في قرارة نفسه أنه يقدم على عمل سيندم عليه بقية عمره، تمنى لو أن يداً تمسك به وتعيده إلى صوابه، لو أن الأرض تنشق وتبتلعه، وتحول بينه وبين هذا الجسد الذي يدمر بنيانه بحقد، لو أن صاعقة تصيبه وتحوله إلى رماد كي لا يصل إلى مبتغاه الدموي، لكنه واصل الطعن وأروى نصلته من دم الذي أثار جنونه ربما دون قصد، كان يواصل طعناته كما لو أنه في حلم مرعب، وثمة نفس تزهق بين يديه بلا شفقة أو رحمة.
أنتهى الكابوس وخارت قوى المغدور مثل شمعة انطفأت سريعاً، بعد صراخ واستنجاد وتوسل ومحاولات يائسة للهرب. شعور حامض وحارق بالخوف والندم، شعور هبط عليه من الجحيم جعله يوشك على الجنون، أسودت الدنيا في عينيه، مادت به الأرض، أصوات الناس كانت تأتيه من جرف سحيق، مع أن أياديهم تكتفه وتمزق ثيابه، كان مذهولاً ينز عرقاً كبريتياً غزيراً، وينهج كما لو أنه ركض ألف ميل، لم يعد يدري مالذي حدث، أنشل تفكيره وثمة ضياع عاصف يدهمه، "لماذا", لم يجد تفسيراً أو إجابة مقنعة، مجرد سؤ تفاهم في زحمة سوق القات، كلمة من هنا كلمة من هناك، وكانت الكارثة، فكر في زوجته وأطفاله، وأطفال المغدور إن كان متزوجاً، هذا الذي كان يبتسم قبل دقائق معدودة من مصرعه، هل كان يدري بأن ساعته قد حانت وأنه لن يعود إلى بيته وهموم الحياة وأحداثها إلى الأبد, "أمسكوه.. قاتل.. قاتل", رنت مثل طعنة في قلبه، "قاتل" كلمة لم يخطر في باله أنه سيكون كذلك مهما كانت الدوافع، وها هو يتقلدها عن جدارة، ندت منه إلتفاتة تجاه الجثة التي مزقها دون رحمة، كانت جثة مسكينة مثقوبة تنزف بهدوء وصمت قاس, "القاتل" عذبته صفته الجديدة، لم تحمله قدماه على الوقوف، وقع على الجثة الممزقة أمامه وأنفجر في داخله طوفان البكاء.
 
 

ولـــــــد وبنـــــــــت

كما لو أن الشمس هلت علينا في كدنا اليومي المعتاد، أهلت البنت أم العينين الزرقاوين الواسعتين مثل بحرين لا قرار لهما، هادئة باسمة، شهية، وبدأ  تسابق الفحول لكسب ودها، نافشين ريشهم، واحد يدعوها إلى العشاء، واحد يشتري مرطبات، واحد يتصنع الجدية ولا يكلم أحداً إلا من أنفه، واحد يقدم لها خاتماً ذهبياً مزيفاً، وحده ذلك الذئب الوسيم كان يراقب المشهد دون أن يتدخل، معتمداً على حكمة أن الديوك إذا كثرت بطل الفجر لذلك بقي بعيداً مع ابتسامة عابرة وسؤال خبيث يهتم أن يكون بريئاً، نكتة ينطقها بصعوبة بلغته الأنجليزية المكسرة، كان يقود حرب انتصاره عن بُعد، كان صياداً يعرف قيمة الوقت، أن تأتي السمكة إلى الصنارة فذاك فأل حسن، وإلا فالبحر واسع والصبر من قلبه. مرة لمس يدها البضة، مرة مسد شعرها, مرة أوغل عميقاً, نقرها باصبعه على أنفها الملكى، مرة همس في أذنها وهو يكاد يخترقها التصاقاً، حتى دوى الخبر في الورشة، سقطت الفراشة في مصيدة اللعين الصامت، خاصمه البعض، كرهه البعض، حسده البعض، ليس تديناً، ليس دفاعاً عن الفضيلة المهدورة، بل لأنه كان أخبثهم ونال الذي لم ينله أحد، وأنطلقت الأراجيف في الأرض، "سوف تضيع مستقبلك، سوف تنسيك الأهل في الوطن البعيد، سوف..، سوف" وهو صامت يأكلها كل ليل ونهار وكل شمس وكل ظلال، والحسد القديم يمشي في طرقات الورشة مفقؤ العين مجدوع الأنف، والإشاعة امرأة عارية الجسد مليئة بالبثور، تلوكها الأفواه وتخرج مع ضراط الميتين.
 
 

جستينا منتصف الشتاء .. أول الربيع

ابنها الأكبر تعدى الخامسة والعشرين من العمر، أخبرتني حينما سألتها ذات مرة عن عمرها، وبنتين بعده الواحدة تلو الأخرى.
تأتي جستينا منتصف الشتاء على قدميها بعد أن يغادرها الباص، ثلاثون دقيقة من المشي اليومي، من موقف الباصات إلى الورشة، الشفتان مطليتان بالقرمزي، والعينان مفتوحتان على آخرهما، والجسم القصير الممتلئ، معتمرة كوفية البرد ومعطف ثقيل يقيها ريح الشتاء وزمهريره، وحينما تصل تتجه مباشرة إلى آلة صنع القهوة الجاهزة وتعطر المكان برائحة البُن اللذيذة. قصيرة شهية اللون، تضحك بصدق لأتفه الأسباب بصوتها الخافت، "هاي أبدول"، تحيتها لي كلما رأتني، ثم تنفحني ابتسامة ساحرة ناصعة الأسنان، وحينما يهل أول الربيع، تأتي مرتدية ثياباً مزركشة عليها رسوم لورود وزهور كثيرة بعضها خرافي لم ينبت بعد، كانت امرأة سوداء بكل ما تعنيه الكلمة، نظرات قوية لا تخلو من حنان غريب، لسان طليق إن اقتضت الضرورة، امرأة تنضج دفئاً وأنوثة، كثيراً ما كنت أراها تمشي تحت الثلج، "اركبي ياجستينا". تبتسم في وجهي بعينيها السوداويين "ثانك يو" وتواصل سيرها "أحب المشي تحت السماء وهي تنهمر بالثلج"، كنت أراقبها وهي تمشي الهوينى وكأن ليس سواها في الأرض، وتغيب عن ناظري مثل حبة بُن في بحر من حليب.
شتاء 95.
 

الثيران والضباع والنحل 
 
 الثيران
أوشكا على السقوط في البئر، كانت معركة طاحنة، حينما رأى الأسوَّد غريمه الأبيض مزق الحبل المشدود إلى عنقه بأسنانه، وأنطلق مثل المجنون، خفت وأنا أرى الوحش متجهاً صوبي يرغي ويزبر، لم يمسني بسؤ، نظر في عينيَّ عدوه ومضى عاصفة من غبار، ويبدو بأن ثورنا قد فهم الرسالة، فأطلق خواراً مدوياً كمن يحذرني بأن أترك الحبل، وقد فعلت، وطار وراء متحديه وأنا بعدهما، حتى وصلا إلى قلب ميدان القرية وخوارهما يمزق عنان السماء، كان خواراً ينذر بكارثة.
تقابلاً وجهاً لوجه، رفسا الأرض، نفخا من منخريهما وبدأت المجزرة، تناطحا بوحشية، عض كل منهما عدوه بحقد، خرجا من الميدان وخوفى يتبعهما،كان الوقت قرابة الرابعة بعد العصر، وجميع سكان القرية في بيوتهم يمضغون القات ووحدي أشهد عراكاً ضارياً، أتجها باتجاه الحقول، أحياناً يسبق ثورنا وأخرى يسبق الثور الآخر، وأثناء مطاردتهما كانا يلتحمان بجنون كعدوين قديمين، أنكسر قرن ثورنا فأطلق خواراً موجعاً وعاود هجومه كمن يود الموت بأقل كرامة ممكنة، خربا الأعرام، حصدا عيدان القات والذرة، اخترقا جميع الموانع والحواجز في معركتهما الكارثية تلك، وأنا ورائهما أسمع وأرى، في إحدى المرات أوشكا أن يقعا في بئر عميقة، بئر كفيلة بسلقهما حتى العظم، كان الثور الأسود خبيثاً مفتول العضلات شديد المكر وكذلك كان ثورنا الأبيض لكنه لم يكن ماكراً.
عندما كنت أتأخر في النوم كان يناديني بخواره المبهج الشفيق، فأفز من النوم وآخذ "كُبانتي" وقربة الماء وأنطلق معه إلى الوديان، وحينما أصل إليه كان يداعبني بلسانه ويتمسح برأسه الكبيرة على صدري الصغير، وعند ما كان يلحظ إعيائي أو تعبي أثناء عودتنا عند غروب الشمس،كان ينخ حتى أعتليه، كان بمثابة صديق وكنت أحبه حتى سَرتْ قصة حبي له بين أقراني وأهل القرية، وكثيراً ما كنت أُسئل "من تحب أكثر في الدنيا",  فأجيب دون تردد "أمي وأبوي وحقنا الثور", والآن هاهو ثوري المسالم يقاتل عن كرامته بشجاعة في معركة فـُرضت عليه فرضاً، كنت أصرخ فيه "إعور عينه يا أبيض.. أجدم سنامه يا أبيض.. أدهفه إلى البير يا أبيض" كنت أدعو الله في سري أن ينصره "ياالله أنصر الأبيض"، كانت معركة غير متكافئة، الثور الأسود كان جباراً وشديد الضخامة، كنا نسميه الشيطان الأسود لشراسته وكثرة أذيته، وهاهو أبن البقرة يوشك أن يفتك بالأبيض المتوسط الضخامة.
فجأة وعلى حين غرة أنقض على الأبيض في حركة دائرية سريعة ونطحه نطحةً قاضية ألقت به على الأرض، وأستعد لقتله بقرنيه اللعينين، رأيت أنه قد يفعلها ويقتل ثوري الحبيب، فتقدمت مرتجفاً وحلت بينه وبين ثورنا الكبير وأنا أبكي وأهش بيدي الصغيرتين التراب والحصى في وجهه، كان الأبيض يلعق جراح الهزيمة والوغد الأسود يستعد للإنقضاض عليه في هجمة أخيرة، وكنت قد عقدت العزم على الموت مع الأبيض فأي حياة بعده. رفع خواره المفجع في وجهي يأمرني بالابتعاد والأبيض من خلفي يحاول برأسه أن يزيحني عن طريقه حتى لا أصاب بسوء، لكنني عاندت وبقيت مكاني، هجم الأسود علينا، خفت وجثوت على ركبتيَّ مفزوعاً حتى أعماق قلبي، أحسست بأنفاسه الحارة تلهب رقتبي، رفس بقدمه وأطلق خواراً عالياً كما لو كان يضحك وغادر مزهواً بنصره الظالم. نهضت وأنا أرتجف والدموع في عيوني وأخذت رأس الأبيض بين ذراعي أواسيه وأبكي عليه، أنهضته وأخذنا طريق العودة إلى البيت تحز في داخلنا هزيمة موجعة، والشمس توشك على المغيب،وطول الطريق تجمعت الثيران لا أدري من أين أتت وأخذت تنظر إلينا في أسى.
 
 الضبـاع

كانت أشراكاً قاتلة تلك التي كُنا نقوم باختراعها، نطارد الضباع بصراخنا الطفولي ومطر أحجارنا محيط بها من كل حدب وصوب، ونحن جيش عرمرم من الفتيان الأشقياء، لم يكن يخيفنا شيء، كنا أيام العلاّن نقفز إلى الآبار من أعاليها الشاهقة ونحن نصرخ رعباً وهياجاً، ونصطاد الحيات والأفاعي والعقارب، وكذلك صيد الصقور والثعالب، وسرقة الحمير والدجاج، وأخيراً إصطياد الضباع التي قيل بأن أضراسها تشفي المجانين.
كنا نحيط بالضبع المسكين من كافة الجهات مثيرين فوضى عظيمة وغباراً كثيفاً، حتى نجبره على العودة إلى جحره أو مغارته، وحينما يلج مأواه نقوم باشعال نار هائلة أمام المأوى ونقوم بدفع الدخان باتجاه الفتحة، فيموت الحيوان مختنقاً ثم نقوم بسحبه من الأقدام أو بالذيل، ولكي نتأكد من موت هذه الطرائد نقوم بتهشيم جماجمها بأحجار كبيرة، ونخلع الأضراس ونقوم بتنظيفها من بقايا الدم واللحم العالق بها بالماء والتراب، وفي سوق القرية الأسبوعي نبيع بضاعتنا، وبعد كل بيعة موفقة نبدأ على الفور بإقامة مراسم احتفال يليق بالمناسبة، نشتري بطاطاً مسلوقاً وبيضاً وكبدة مشوية ومياه غازية وعصائر وكل ما يفرحنا.
مرات كثيرة أقتتلنا فيما بيننا عندما نختلف على نصيب كل واحد فينا، وفي العادة كان الذي يدخل إلى المغارة أو الجُحر يحوز على نصيب الأسد لأنه يخاطر بحياته، ولا زلنا نتذكر أحد رفاقنا كيف أوشك أن يلقى حتفه عندما دخل وراء ضبع أنثى، وقد كانت أماً لعدة جراء، ولذلك فقد قاومت الموت خشية على صغارها, الذين بركت فوقهم لتحميهم من الاختناق على الرغم من إنقضاء وقد طويل على إستنشاقها للدخان القاتل، ولأنه كان أشرسنا وأكثرنا حباً للمشاكل فقد كان من الطبيعي أن يكون معه خنجراً دافع به عن نفسه ولولاه لكان نٌهش حتى العظم.
خاض رفيقنا معركة لم يتوقعها ولحسن الحظ بأن الضبع الأنثى كانت في حالة دوخة من جراء الدخان ولولا ذلك لما رأى الشمس ثانية، خرج منهوشاً بعض الشيء خصوصاً يداه وصدره، "كانت الضبع شاتكلني يا أبناء الحرام وأنتم ولا أنتم داريين"، كان مخطوف اللون ولكي نثبت له إخلاصنا لقيادته الباسلة، فقد أخذنا الجراء جميعاً وصعدنا بها إلى قمة شاهقة وقذفنا بها من حالق، ثم أتبعناها بسيل من الصخور ونحن نضحك.
كنا قساة لا نرحم، بعد تلك الحادثة قررنا زيادة نصيب أكثرنا عرضة للأخطار
مرت الأيام وكبرنا ورفيقنا المؤذي يزداد إنطواءً وابتعاداً عنا، حتى أتى ذلك اليوم المشهود الذي رأينا فيه ذلك الزعيم يركض في أزقة القرية عارياً تماماً، جُن ولا ندري كيف حدث ذلك، حزنّا عليه قليلاً وعاودنا حياتنا بشكل عادي، منا من ذهب إلى المدرسة، وآخرين إلى الحقول لمساعدة آبائهم، والبعض أخذ يعمل كأُجراء عند الناس، لكن صاحبنا فلت عياره إلى درجة محزنة، فقررنا أن نقوم باصطياد ضبع وخلع أسنانه لنعيد للمجنون عقله، بل أننا صنعنا قلادة كاملة من الأسنان ووضعناها على عنقه، لكن صاحبنا ظل يذرع أزقة القرية ذهاباً وإياباً عاري البدن، متسخ الهيئة، مطلقاً أصواتاً تذكرنا بأصوات الضباع التي كنا نصطادها.
 
 النحـــل
لو أن مجنوناً أمضى من عمره ألف عام في الجنون، وقيل له أن يفعل ما فعلته لرفض رفضاً قاطعاً، فقد تحداني بعض أقراني تحدٍ كاد أن يؤدي بي، "نتحداك أن تطلع دامن بالليل وتسرق جبح العسل حق مسعد المعلق في ضاحة الجن", كانت فعلاً ضاحة لا يسكنها سوى الرعب والصمت ولا يستطيع أحد كائناً من كان الصعود إليها سوى الماعز الجبلي مسعد اللعين الذي كنا ندعوه "ربيح" لكثرة الشبه بينه وبين الرُباح. كان تحدياً أشبه بالقتل، وكنا في أواخر رمضان تلك السنة البعيدة، وبمجرد أن فرغنا من عشاءنا ألتقينا في ساحة القرية، وبدأنا سرد شروط الاتفاق, "تحضر جبح العسل ولك يوم العيد حقنا العيدية ونخليك رئيسنا". كنت قد أفرطت أمامهم في سرد بطولاتي الخيالية وكيف أنني طاردت "صَيَاَدْ" ذات ليلة إلى خارج القرية، نعم كنت شجاعاً ويهابني أقراني الصغار، لكن ليس إلى ذلك الحد الذي أكذب فيه عليهم بما لا يُصدق.
قبلت الشرط دون مناقشة فإما القيادة وإما العار، وذهبت باتجاه حافة الجن، ليس معي سوى كشّاف يعمل بالبطاريات الجافة، كما هو الشرط حيث بمجرد وصولي إلى هناك أقوم بإرسال ثلاث إشارات ضوئية دليل وصولي، ودعني رفاقي وأخذت طريقي شرقاً باتجاه التحدي، في تمام التاسعة بعد صلاة العشاء كنت أقف أسفل العسل البري المعلق في هاوية سحيقة، كنت قد حاولت مرات عديدة الوصول إلى هناك نهاراً ولم أفلح فكيف والظلام دامس، لم يكن معي أي سلاح يذكر أنا ابن الخامسة عشرة من العمر الشديد الحماقة، لم تواجهني مصاعب، لم تكن ثمة ضباع أو ذئاب تعترضني كان عليَّ أن استغرق بعض الوقت حتى أصل إلى "الجبح".
كنت أعرق من كل مفصل، طبعاً لم أذكر أنني أوشكت على الإنزلاق عدة مرات، قد لا أموت إذا سقطت باتجاه غدير كبير كنا ندمره بسباحتنا الصبيانية، الخوف كان أن أسقط باتجاه "الشروي" السحيق وهناك تكون الخاتمة العمياء، وقبل أن أبدأ عملية النهب قربت أذني لأسترق السمع كما لو كنت أتنصت على معسكر للأعداء، لم أسمع أزيز النحل، مددت يدي بحذر وأنتزعت عجينة شمعية مشبعة بالعسل وألتهمتها، كانت شديدة الحلاوة لها حموضة خفيفة، واصلت الالتهام حتى شبعت، رغم حذري إلا أن النحل قد انتبه للمعتدي فانطلقت المقاتلات للذود عن وطن العسل، أخرجت بسرعة كيس بلاستيكي من جيبي ووضعت فيه ما استطعت غرفه من عسل، حتى أحسست باللدغات الأولى في جبيني، لقد ابتدأت المعركة، تراجعت حتى أوشكت على السقوط، تماسكت بمعجزة ودوي النحل يحيط بي من كل مكان، أرسلت ثلاث إشارات ضوئية دليل وصولي، وما هي إلا ثواني فقط حتى بدأت بطني بالغليان كما لو أن ناراً هائلة شبت فيها، كنت قد أكلت يرقانات النحل دون أن أراها كما يبدو، كانت بطني تمزقني بألم لا يطاق والنحل الذي كان قد حدد مكاني بدقة أخذ ينوشني دون شفقة.
أنبطحت على حافة صخرية في محاولة يائسة للهروب من القَرص المميت، وبطني في اتقاد، كنت أحس بالنار في لساني، أنتابتني دوخة خفيفة كدت على أثرها أفقد توازني، تحاملت، أوشكت على الموت "يا مه حيدي" خرجت عفواً من فمي وبدأت بالبكاء، كان بكاءً موحشاً في ذلك الصمت المظلم الشديد الإطباق، فجأة شعرت بالنار تخرج عنيفة من حلقي تقيأت أمعائي، ودهمني إسهال عاصف لم أستطيع التحكم فيه، أحسست أني ميت لا محالة خصوصاً والنحل لم يترك لي فرصة للتنفس، بينما تراجعي كان بطيئاً خشية الانزلاق إلى الأسفل، وبينما أنا أصارع الجحيم الذي يحيط بي إذ بي أرى عصافير مضيئة فائقة السرعة تتقدم باتجاهي، لكن يا للعنة لم تكن عصافير، بل طلقات محمومة تتجه نحوي، انبطحت على بطني, حاولت أن أقي رأسي بذراعي، لم تصبني الرصاص التي كانت تأز بجوار إذني بلا هوادة، خارت قواي، وأدركت بأن العيد سيأتي بينما أكون قد ذهبت إلى مكان بعيد، صرخت بكل ما أملك من صوت "ييه هذا أنا.. ليش تشتوا تقتلوني ياعيال القحاب", طبعاً لم يسمعني أحد. دارت الدنيا في عيني ارتخت قبضتي الممسكة بحرف صخري، أحسست بالأشياء تنسحب من تحتي وأنا أنزلق قليلاً قليلاً، حاولت التشبث بأي شيء وعصافير النار تهاجمني بضراوة، كانت تصفر فوق رأسي وترتطم بالجدار الصخري مثل حبات البرد، جرحتني الشظايا، كان جسمي مخدراً وأثر القيء في فمي والذرق يملأ سروالي، كان وضعاً لا يطاق، دهمني شعور قاتل بالخوف والبرد والبكاء والعار من وضعي ولمت نفسي على قبولي للتحدي الغبي، كانت تلك المرة الأولى في حياتي التي استعد فيها للموت، وقبل أن يغمى عليَّ كنت قد أطلقت صرخة مروعة، سمعت صداها يأتيني من كل حدب وصوب، وأنا أهوي من شاهق مثل حجر كبيرة ليس لها اتجاه!.
ربيع 97- ديربورن
 
 

عـــــــــــــــرض

كنا نقصد ذلك تماماً أن نمر من أمامهم وأنوفنا المسدودة بالمخاط المتحجر شامخة في السماء، أيام أعياد الثورة نرتدي ملابسنا الموحدة الألوان، الأبيض والأسود والأحمر كما لو كنا نرتدي العلم الوطني، تلك الملابس التي كان على كل أب منّا أن يضحي بمحصول فصل كامل لشرائها والتي كنا نتوارثها أخاً بعد أخ، وإلا فإنّا نتمارض ونتماوت مثل "بعير الذر"، وعلى الرغم من ضربنا بسيقان القصاص الطرية وتكتيفنا وقذفنا في الزرائب مع البهائم لأيام طوال، وعلى الرغم من أن بعض أمهاتنا كن يُطّلقن عند ما يحاولن إنقاذنا، إلا أننا كنا نصر على تلك الملابس حتى لو متنا فيرضخ الآباء صاغرين متوعدين.
نأتي من قريتنا البعيدة عن مركز الناحية، قرابة الساعتين مشياً على الأقدام وركوباً على صهوات الحمير، نمر في موكبنا الثوري أمام خصومنا في القرية المجاورة، أولئك الخصوم الأشداء الذي لا يحبون الدراسة، والذين يتفوقون علينا في مباريات كرة القدم، بل ويضربوننا بعد كل مباراة لأسباب لا ندريها حتى الآن، وعلى الرغم من مقاومتنا الباسلة، إلاّ أننا سرعان ما نهزم والأسد منّا من يعود إلى أمه بأقل الخسائر الممكنة.
تلك القرية التي أغلقت مدرستها لعدم وجود تلاميذ، وعندما نصل إلى الساحة نتجمع بسرعة في عدة طوابير قصيرة قبل أن يرانا أحد، ونطلق نشيدنا السنوي المعتاد"ثورتنا الظافرة تحمي هذا الوطن"، كنا نرفع أصواتنا الحادة بقوة لكي نسمعهم أولئك الأشرار مدى تميزنا، فنرى الحسد في وجوههم، وعندما نغادر قرية خصومنا يعود كل إلى حماره أو صديقه للثرثرة عن الحمام والحنشان والسباحة وكل ما يخطر ببال، وعين سيدنا ترمقنا بصرامة نحن الحفاة ذوي الجلود المحروقة من شدة حرارة الشمس، وعندما نستشرف مركز الناحية نعود إلى التجمع مرة ثانية وبإنضباط نحسد عليه، والويل لمن يتأخر أو ينسى مكانه فخيزرانة سيدنا أحمد له بالمرصاد، ندخل مرددين نشيدنا المعتاد، طابور طويل منهك شديد الإعياء، جوعى يمزقنا عطش لعين، ننضم إلى بقية طوابير زملائنا من القرى الأخرى في ذلك اليوم، تمجيداً للوطن الذي كنا نظنه رجلاً عجوزاً طيب القلب له سوالف بيض ويسعل بإستمرار، وبعد الانتهاء من العرض نعود إلى قريتنا بعد أن نكون قد خضنا عدة معارك مع شباب المركز الذين يتحرشون بنا كي يمسحوا بآباءنا الأرض، ويمطروننا بسخريتهم وأحجارهم وصفعاتهم الخبيثة، فنعود مشتتين ممزقين الملابس، لنلاقي جزءاً عظيماً في بيوتنا خصوصاًَ أولئك الذي تمزقت ملابسهم، نعود يفتك بنا تعب ماحق لكن كله يهون ما دمنا قد أشفينا غليلنا من أبناء القرية المجاورة القساة، بمشاركتنا في العرض الذي نضرب فيه كل عام. 
 
 هدهــــــده 
 
حينما يا مسعد تولي وجهك شطر البلاد البعيدة، لعلك راقبت الدب القطبي في محاقه الزاحف إلى الفراغ، وتذكر  لعلك قرصة جوع دهمتك كانت تشبه طعنة خنجر مخفي يأز في أنابيب اللحم الفارغة، عندما احتمل ظهرك تلة الجبل للسنة العشرون على التوالي، التلة التي لا ترى تعوي داخلك، هناك في صلاتك الخائفة، في أملك المقتول قتلاً كافياً، في أمريكا التي تناديك بدين العمر، وامرأة لا تعرفها، في ذُلَّك أمام المحراب كل صلاة، في نظرة غطاّك مسعد يا مسعد  بها, وطعم الطين أليست له طعم الملوحة في اللسان المُرَّ، ترى كم ستظل تتصنع دهشة لا تعرف اسمها؟!!
"أحووه".. قلتها لمساءاتك الباردة وقهرك الدفين وللخالي من جيوبك، ورجرجة الطائرة في مطبها الهوائي الألف، فوق الجحيم الأزرق الذي سيقذف بك إلى مرافئ لا تسكنها نوارس البحر أو ودٍ أصيل.
كل شيء يمر برتابته المعهودة أمامك، الضجيج الذي ثقبك فجأة في سكينتك، والدوار العنيد، وأمعائك التي تقيأتها في السماء المهزوزة، والناس النائمون بعد قناني النبيذ وطعامهم الملون، بينما للملوحة طعم لا يزال يحرق شفتيك وظهرك المحدودب وأنت تبتسم للفيزة التي ستأخذك إلى الهول.
إذاً هذا هو الثلج ومساءات القتل الصامتة، وهذه يا مسعد "مريكن" الحلم والصورة والدهشة التي لا تبعث على شيء، ولعل الحموضة تدلق في وجهك خارطة للخواء أو حبل مسد!!!  
  مايو 93
 
 الجثـــــــــة

فجأة قدموا بدون سابق إنذار، رجال مدججون بالسلاح محزومين بأحزمة الذخائر، مكفهري الوجوه، معصوبة رؤوسهم بعصابات أكلها العرق والغبار، يركبون سيارة مكشوفة أكلها الصدأ، كثيفي اللحى، طويلي الذوائب، لهم نظرات ثاقبة تخلع القلوب. أقبلوا أصابعهم على الزناد، قذفوا بالجثة في وسط السوق ومضوا، لم ينطقوا بشيء، حدجوا الناس بنظرات قاسية، وفلوا هاربين مخلفين ورائهم بصقات ملونة بالدم والتبغ والبلغم، ودوامة صغيرة من تراب متطاير. وحدها الجثة بقيت مكانها مليئة برضوض الموت، كانت جثة لشاب طويل القامة، عريض الكتفين، مشّوه الوجه تماماً جراء وابل من الرصاص، لم يحاول أحد الاقتراب، كان غارقاً في موته وثمة ذباب يطن فوق رأسه المثقوبة بعبث.
كانت جثة مجهولة عارية إلاّ من إزار ممزق يغطي أسفل السُرة، حافية القدمين المغلولتين إلى قيدٍ غليظ، وعلامات التعذيب ظاهرة في الصدر الكثيف الشعر، وفي الكفين وقصبتي الساق المثقوبتين بعدة ثقوب.
جثة بائسة في ظهيرة منسية مفتوحة الذراعين المعذبين، كما لو كانت تحاول معانقة السماء المحايدة فوق رأسها الغائب المعالم، المطفئة الزُرقة في العينين المندثرتين. لم يقترب أحد وبدا وكأن الظهيرة والجثة باقيتان مكانهما إلى الأبد.
 
 اعتيـــــــــــــاد

بدأت خطواته المتثاقلة تضغط على درجات السلم الخشبي في صوت مكتوم، خطوات عادية تؤدي إلى الداخل كما تؤدي إلى الشارع دون اهتمام يذكر، خطوات آلية تعرف طريقها جيداً. أخذ نفساً عميقاً متنهداً من أشياء وأحداث لا يعلمها سواه، وضع المفتاح في أكرة الباب بأصابع ناحلة ودلف إلى حيث يسكن، استقبلته حجرة واسعة لا ترتيب فيها، وثمة كراسي قديمة تحاول إضفاء لمسة ما على المكان بألوانها المهترئة، لم يشعل الضوء بل تقدم مباشرة إلى غرفته، بقية غرف زملائه في السكن اما مغلقة بالأقفال نظراً لوجود أصحابها في العمل حتى ساعة متأخرة من الليل، واما أنهم نيام.
ثمة صمت موحش يلف البيت فأزداد حرقة، عالج بابه المقفل ودفع بنفسه إلى الظلام الحالك أمامه، لم يشعر بحاجته إلى نور، خلع ثياب العمل المتربة والمبقعة ببقع زيت المحركات، وقعد على كرسي حديدي حذاء الباب، أشعل سيجارة وأخذ يمجها بآلية محايدة، وكأن ثمة شخص آخر يدخن وليس هو، وبعد أن انتهى منها هرسها في علبة قصدير وقام متعباً إلى سريره وغطس بين الأغطية، في ليلته الباردة تلك. أخلد سريعاً إلى نوم عميق وما هي إلاّ دقائق حتى بدأ الأنين المعتاد بالصعود.
 
  

أقاصيــــــص ملونـــــــة
 
 تاريــــــــــــــخ

علبة حلوى صغيرة أخذها خلسة دون أن يدرك أن ثمة عين تراقبه، ستة أشهر كاملة قضاها في السجن، صور عديدة التقطت له في أوضاع مختلفة، طبع أصابعه على عشرات الورق، وعندما خرج من السجن كان قد فُصل من مدرسته الثانوية وهو في الصف الأخير قبل التخرج، فرض عليه أن يعود كل أسبوع إلى قسم البوليس ليشرح لهم تاريخه الأسبوعي أمام ضباط مفتولي العضلات أجلاف، كان يسأل نفسه هل قُدر عليه أن يدفع مستقبله كله ثمناً لعلبة حلوى قيمتها بضعة سنتات، كان يحب المدرسة وكان يتمنى أن يكون مطرباً مشهوراً و..... و......، وها هي النتيجة ماثلة أمامه من شارع إلى زقاق، ومن حانة إلى مقهى، صادق السلاح وصار له رفيقاً، دخل السجن كثيراً، وتعرض للضرب من قبل رجال البوليس البيض لأتفه الأسباب، "لو لم أكن أسود هل كنت سأواجه كل هذا العذاب؟!", سؤال العمر ينطحه في كبده، أراد التراجع، لكنه كان قد قطع شوطاً طويلاً في الضياع, "ذلك ليس عدلاً أبداً...", ومن الغيظ، "أنا الذي سلمت لهم نفسي، أنا الذي أنهرت بسهولة"، حينما أتته المنية كان قد أنقضى وقتاً طويلاً على تشرده وضياعه، في أماكن ومدن وعناوين مختلفة، أحياناً ينام في حديقة ما صيفاً وأخرى في شاحنة محطمة شتاءً، وعندما وجد متجلداً مدفوناً تحت الثلج، كان قد سلخ سبعون عاماً من الضياع قبل أن يستريح.
 
 أركــــــــبُ الحافلـــــــــة وأمضــــي

"نعم سأذهب مع أخوتي إلى واشنطن"*, قالها جاني لنفسه، كما لو أنه كان يجب عليه أن يقولها منذ فترة طويلة، توقف عن شرب علبة البيرة التي أمامه، وقذف بأوراق اللعب من يده ونهض بغضب، توقف زملائه في السهرة عن الثرثرة، أخذ معطفه وصفق الباب ورائه مستقبلاً بصدره نسمات الفجر الأولى، أخذ نفساً عميقاً، كز على أسنانه وواصل طريقه "كلهم سيكونون هناك..وأنا أيضاً ينبغي علي أن أذهب..أن أكون بينهم كتفاً لكتف", وكمن تذكر شيئاً عاد أدراجه باتجاه واحد، سكتوا عن الكلام محدقين فيه، نطق أخيراً, "سيكون أخوتنا جميعاً هناك في نشيد قوي تحت شمس واحدة..ماذا عنكم", لم ينطقوا، نظروا في عيون بعضهم،"سأكون معك" كان صوت إمرأة، قذف الجميع بأوراق اللعب ونهضوا واقفين.. "ونحن كذلك".
 
 مداهمــــــــة

تأكد من تعميرة مسدسه جيداً كذلك رفاقه، كانوا يتقدمون مثل قطط مسكونة بالرعب يكاد لا يُسمع لهم صوت، وفي آخر المشارع المدمر الواجهات المحروق البيوت كما لو أن حرباً مرت من هناك، أخذت ثلة من بني جلدتهم يرقصون على أنغام موسيقى صاخبة، يخاصرون فتيات مثل قوالب الشيكولاتة لا يدرون ما الذي يحيط بهم تحت سماء آخر ليلة صيفية لهم على الأرض، تقدم الآخرون بإشارة من يده، ثوان معدودات وتحول الشارع الموحش إلى مسلخ، أنهمر الرصاص من كل حدب وصوب باتجاه الراقصين، تساقطت أجسادهم السوداء كأعجاز ثقبت دون شفقة، أنتهت المهمة وعاد أصحابها يرفعون إشارات النصر "لقد زنينا بأمهاتهم ولن ينافسونا مرة ثانية في أي شارع بعد الآن"، عادوا يمزقهم حبور وحشي, وفي بيت كبيرهم أسالوا حنفيات الخمور وصعّدوا من دخان الحشيشة، واستنشقوا الدقيق الأبيض الذي يأخذ بالألباب وأشعلوا حفلة ماجنة برقصهم وصراخهم على أنغام موسيقى تذكر بموسيقى الذين قتلوهم.
 
 اغتيـــــــــال

كان يدرك بأن ذلك الفتى العربي لا يتكلم الإنجليزية بطلاقة ولذلك فهو هدف سهل، عقد العزم على القتل "حتى لا يشيء بي عند البوليس" صندوق المال دافئ ولا شك، والدكان لم يقفل بعد آخر المدينة في ليلة سبت شتوية لا تاريخ لها، تقدم  يسبقه ظله ومثل قضاء خائن وجد نفسه أمام ضحيته.
لم يفه بشيء، أشهر مسدسه في وجه من شاء حظه أن يكون أمامه في تلك اللحظة ودمره بنيرانه، تراجع المغتال مذعوراً إلى الخلف محاولاً تغطية وجهه بذراعيه، لكن الرصاص كان يعرف جيداً مكان القتل، فثقب الكفين والجمجمة والصدر، خمس طلقات مسعورة نهشت الجسد المقابل.
وطأ الجثة بقدمه وبعجلةٍ خاطفة فتح صندوق المحاسبة وأخذ الدولارات وغطس في لجة الليل الشتوي المقفر، قبل عودته إلى مسكنه عرج على أحد الأزقة التي يعرفها وأبتاع النشقة السحرية* وأستعاد توازنه، وقبل أن يأخذ حماماً ساخناً أتصل بعشيقته ودعاها إلى حفلة صغيرة.
في الصباح التالي كان ينام بين أحضان إمرأته نوماً عميقاً، بينما في الجهة الأخرى للأرض كان ثمة نواحٍ مكلوم يمزق عنان السماء .
 
 حكايــــــــة

كان لوني مسبة لي والنظرات الزرقاء تكشفني حتى الأعماق وتجردني من إنسانيتي، كنت أريد الفرار من الشارع الذي أسكنه، الهروب من لعنة المخدرات والقتل، قُتل أخي على قارعة الطريق مثل كلب شريد، وأودت التجارة بالسموم بأبي إلى حفرة السجن العميقة حتى قيام الساعة، عملت مغسلاً للصحون والحمامات في مطاعم البيض بأجرٍ بخس، أكلت البطاطا والخبز لأوفر مصاريف الجامعة، كانت طريقاً طويلة قطعتها وحدي، محطم القلب، ملعون اللون، والآن ها أنا في مكتبي في هذه العمارة الشاهقة أدير شركة عملاقة للإنشاءات، وأبنائي في الجامعات المختلفة، لكنني ومع هذا الثراء, لا زلت أحن إلى طفولة أُغتصبت مني وإلى عمر مثخن بالجراح، أب سكير وبائع مخدرات وأمٍ تعمل في بيوت الآخرين، وها أنا الآن في آخر الطريق. تعبت كثيراً حتى وصلت، من قال بأنني أخجل من لوني، نعم أنا رجل أسود أوصلته دموعه ومثابرته إلى حيث أراد, لكنني لا زلت أشعر بفقدٍ عارم لشيءٍ لا أدريه، شيءٌ كبير لا حد له يئن بين ضلوعي منذ سنين طويلة، ولم تستطع كل هذه الثروة أن تُسكت صوته  الحزين داخلي.
ديترويت – 96- الشتاء
 
 

قطــــــــــــــار

فجأة اندفع ذلك الثعبان الحديدي بأقصى سرعة ممكنة، كانت اندفاعة مباغتة بعجلاته الفولاذية كما لو أنه وثب بعرباته العشرين دفعة واحدة، ومثل وحش أسطوري أكل السيارات العابرة أمامه بدون شفقة، وجعل منها كرات حديدية مهشمة ومعجونة بالدم البشري. ثمة صراخ مفزع دوى في سماء الشارع قبل الغروب بقليل، والشمس صفراء باهتة تلفظ أنفاسها بمشقة، لم يكن يسمع له هديراً، لم يعلن عن قدومه بصفارته الطويلة المعتادة، كان ثعباناً صدئاً أقبل كالصاعقة ألتقم ما أمامه واختفى. لا يحمل ركاباً ولا يوجد من يقوده، أتى من اللامكان وفعل فعلته ومضى دون صوت وكأنه لم يفعل شيئاً. ثعبان أعمى عموده الحديد ونوافذه العتمة، سار على قضبان معطوبة، وسكة أقفلت منذ آلاف السنين، كائن أصم زرع الموت في طريقه بجثته الطاغية، قدم من غيب لم يخلق بعد وذهب إلى حيث لا مكان كأنه تبخر في الهواء.
خريف 99- ديربورن 
 
 غيـــــــــــاب

مات الفتى الفارع الجميل الطلعة الصموت إلاّ بما تقتضيه لياقة الحديث، أكله فيروس الكبد في ثلاثين يوماً، نهشت دودة المرض شجرة عمره، سبع وعشرون سنة، هي كل ما أوتي من السنين، أكملها حتى آخر ثانية ومضى، كان أسمه صالح.. أخرجوه من ثلاجة الأموات، "أما عليك فلتبكي البواكي يا صالح"، وأخذوه إلىالمسجد والشتاء في أوله والثلج لا يزال معلقاً على بوابة الريح، والأشجار تواصل تعريها لتنام قريرة الأعين في حضن الزمهرير، غسلوه ووضعوه وحيداً في صندوقه الذي سيحتويه إلى الأبد، ذهبوا به إلى الصلاة، بقي وحده آخر الصفوف حتى يحين وقت الصلاة عليه، وحده مثل سقط المتاع وهو النجم الساطع قبل أيام، وهو الفارع الطول ذو العينين الممزوجتين بالأخضر، والضحكة الطيبة والوجه الجميل، صلوا عليه وذهبوا به إلى المقبرة.
كان ناحل العود في موته أسيان الوحشة، وضعوا الكفن على وجهه مرة ثانية بعد ان عفروه بالتراب وأغلقوا عليه التابوت، ثم أنزلوه رويداً إلى بئر القبر السحيقة، وأهالوا عليه تراب الوداع وعادوا دون أن يلتفتوا إلى الوراء.
شتاء 2000- ديربورن
 
 وجه ناحل يشع عميقاً في الظلام

تخرج في ليلة ممطرة من عملك باتجاه البيت، وحيداً يجتاحك حنين عارم لوطن بعيد، تسوق السيارة على مهلٍ تحت المطر الغريب، وفي المسجل تضع شريطاً مليئ بالأغاني التي تجعل الدمع يفر دون قيود، وثمة برد قديم يعوي في العظام على الرغم من دفء السيارة.
تمر بشوارع خالية في هذه الساعة المتأخرة من الليل، إلا من الخوف وأضواء النيونات الملونة تتماوج على صفحة الإسفلت الصقيل الذي غسله رذاذ المطر مثل ثعابين لا تدري إلى أين تذهب، تتلفت يمنة ويسرة فلا ترى أي مخلوق، تمج سجائرك واحدة تلو الأخرى، وتزفر الدخان من صدرك سحائب قهر وتعب، ثمة حزن يستيقظ مثل وحش أعمى يلتهم كبدك، وفقدٍ مروع يجتاحك لأشياء كثيرة تتجمد في الذاكرة. تدخل شارع لم تره من قبل لعلك قد نسيت الشوارع في شرودك، تتوقف عند إشارة ضوئية حمراء وأنت على كرسي القيادة كتمثال يبسته المواجع، تبدر منك إلتفاتة إلى الجهة اليمنى من السيارة، وعبر زجاج النافذة رأيت شيئاً ما يتحرك، كائن ما مقرفص إلى جوار جدار متداعي تحت المطر وحده يرتعش، يمج سيجارة بجوع وعينان وقادتان تحدقان فيك.
ذات خريف – ذات بلاد اسمها أمريكا
 


قصـــــص لهــــــــا رائحــــــــة
 
 بنـــــت عــــــــرب

- لكنني هربت¬ معك وأنت السبب في ضياعي الآن !!
- لن أقول أكثر من أنني قد مللت.
تلك السمرة التي تشبه العسل، والعينين النجلاوين، والقامة الريانة التي تذكر بإحدى آلهات الشرق، غدت مجرد فتاة تثير القرف والملل
- يا ابن العاهرة
لم يكن أمامها إلا أن تنكفئ على نفسها وتبكي، كرد موجوع لتلك الصفعة القوية على الفم الريان..
- العاهرة هي أمك، إني ذاهب، أما أنت فإلى الجحيم...
صفع الباب وغادر إلى غير رجعة ذلك الأشقر الوسيم.
الأرصاد قالت أن الثلج سينهمر غزيراً صبيحة اليوم التالي..
- وحينما أعود لا أريد أن أراك في شقتي.
وثلاثة أشهر حجة كافية للقتل غسلاً للعار, ثلاثة أشهر منذ أن غادرت البيت هرباً مع عشيقها الذي تخلى عنها بعد أن أحس بالملل من صنف واحد قدمته رخيصاً له، تسعون يوماً كاملة قضتها في أسّرة الزملاء الطيبين ذوي العيون الزرق، الذين تدافعوا لتذوق لحمها المحمص، لم تدر ماذا تفعل بنفسها وبورطتها وعارها فأخذت تبكي لا يسمعها جنس بشر.
 
صدفــــــــة
لم يصدق عينيه، انتفض مثل الملدوغ،.. "إنها هي!!", كانت ترقص بحرفة باهرة دون رأفة بخصرها النحيل، في يدها اليمنى سيجارة مشتعلة وفي الأخرى قارورة بيرة حتى منتصفها، وثمة زنجي، يمسكها بخاصرتها من الخلف ويلتصق بها في عهر وحشي، "إنها هي". الطعنة كانت قد وصلت إلى كبده مثل النار، تقدم باتجاهها مثل موت يبحث عن فريسته والجحيم تضطرم داخله، "هاي", وقف أمامها مباشرة جامد الوجه، مرتجف الشفتين والأطراف، كان وجهه مبيضاً من المفاجأة.
توقفت عن الرقص وتراجعت مذعورة إلى الوراء، تعثرت بالزنجي ووقعت على الأرض، آل كل شيء إلى الصمت، كان صمتاً قاتلاً شديد الدوي، زحفت على أربع محاولة الهرب، وقفت على قدميها ورقة في مهب الريح، وحدهما وكأن ليس سواهما وجهاً لوجه، أخ وأخته في ملهى ليلي يرتاده الزنوج قبل انهيار العالم بقليل.
 
 قهــــــــــــر

ديترويت مدينة كبيرة بما يكفي لأن يكون لها بضعة سجون، في أحد هذه السجون التي تحيط به دائرة كاملة الاستدارة من الجدران الملساء، الشاهقة الارتفاع الملغمة بأسلاك شائكة تسري في عروقها وحوش الكهرباء، في غرفة منعزلة منه كان وحده مثل وحش جريح في غرفة يسمونها غرفة الحبس الانفرادي، "لم تمت رغم الطعنات في جسدها النجس، الكلبة... الكلبة", يصرخ وينهش الجدران بأسنانه فيختلط دمه بلعابه الذي يسيل على صدره، "باعت شرفنا وفضحتنا أمام الناس" ، كان قهراً لا يطاق، يصليه حتى أعماقه،
كل يوم
كل ليلة
كل ساعة
يمارس نفس طقوس الجنون،  "خلُّوني أشرب من دمها واقتلوني" !
كل دقيقة
كل ثانية
خمس سنوات كاملة لم يتوقف عن الأنين وكل ليل يعلو نواحه كأنه يبشر بالقيامة والقهر داخله في اتقاد.
 
 اعتـــــــــــــــــراف
أخيراً أمام نفسها اعترفت بأنها لن تستطيع العودة إلى أمها وأبيها، وأنها قد أدمنت الكوكاين فعلاً ولم تعد نزوة عابرة، وأنها لن تستطيع الفكاك إلى الأبد من أسر ذلك الزنجي البشع الوجه الكريه الرائحة، ولا من صديقه الأبيض الذي غرر بها وصار قواداً لها وحارساً ليلياً في شوارع الليل الطويلة، تبيع جسدها مقابل دولارات معدودات، كل مساء تعترف لدموعها ولضياعها منذ أن هربت من البيت أول مرة باتجاه الجحيم.
 
انتظــــــــــــــــار
كان يظن أن نتيجة الفحص سترعبه وأنه سيقع باكياً على حياته الموشكة على الانطفاء، "إيدز..يا لها من نهاية"، لا شيء من ذلك كله غير بضع صفعات صفع بها وجهه وبصق عليه في المرآة، وندم ماحق يفت في كبده وأحشاءه المأدوزة، كتب ورقة الطلاق للتي تنتظره هناك في الوطن البعيد منذ سنوات طوال، وأخذ دون إدعاء بطولة أو تكلف ينتظر الموت.
 
 أمــــــــــــــــــــل

هذه السنة سيقضي دينه والتي تليها سيوفر مبلغاً من المال لكي يتزوج، "يكفي ما قد ضيعته من سنين"، ولا بأس من بضع قناني من البيرة في الأسبوع أو امرأة عابرة كل شهر أو شهرين، عمر الغربة قصير والأمل بحر ليس له شاطئ، "ويجب أن ينتبه المرء لعمره" يحدث نفسه مطمئناً. مرت السنين سريعاً كما لو كانت عود ثقاب أشتعل لكنه سرعان ما انطفئ, "أعتقد بعد هذا العمر أنه من العيب العودة" كان الشيب قد غزاه والعجز أخذ يطقطق في مفاصله
هذه السنة لسداد الديون
والسنة التي تليها ......
ولا بأس من ......
..............
..........!!!!
 
 مغامـــــــــــــــــرة
أراد أن يغتني، وأن يبني بيتاً جديداً في قريته البعيدة أسوة برفاق غربته، كان يجيد اللغة الإنجليزية وقليل من اللباقة، ولذلك فقد كان هدفاً للـ"بادبويز*" , "امسكها بيدك وإذا ما داهمك البوليس القها على الأرض ولن يستطيع كائناً من كان القبض عليك، عملية أو عمليتين وكل شيء تمام".
منذ أن أمسك بالمسحوق الأبيض بين يديه، انفتح أمامه باب القدر الأمريكي، النساء، الثياب الغالية، السيارة الفارهة، كل ما كان يحلم به صار في متناول اليد، "جرّبه هذا الدقيق وستحصل على نشوة خرافية" كان يبدو مثل المنوم وحينما استيقظ من غفلته كان كل شيء قد فات أوانه، وأصبح من المستحيل عليه التراجع، أسودت الدنيا في عينيه وغدى مثل فراشة تحوم حول النار استعداداً لانتحارها، عندما حاول التراجع كان قد تعدى أحد الخطوط الحمراء، لذلك كان من حُسن حظه أنه لم يتلقَّ سوى ثلاث طلقات من مسدس كاتم الصوت في رأسه.. ثلاث وحسب.
ديترويت- في أيام – في شهور – في سنوات


 
برانـــدا، برانــــدا وبالإنجليــــــــزي   BRANDA


فيها ملامح شبه من المطربة السوداء جانيت جاكسون، لو أنكم رأيتموها تلك الجمرة في صورتها الجديدة فستحدث فتنة عظيمة، لقد وضعت حلق فضة في أذنيها وكذلك في حاجبيها وأنفها القمور، وفي.....!!، أستحي من التصريح خشية الحذف أو المنع لهذه القصة، لكن بإمكانكم تخيل أين وضعت ذلك الحلق الفضي الجهنمي.
مع أنها خجولة جداً، "أوه جيسس شي لوكن سوَّ سكسي*", قالت براندا العجوز التي تعمل بهمة ابن العشرين، وعندما أخبرها عن ذلك الشبه اللعين بينها وبين جانيت تبدأ المصائب، تزيد في دلالها، تعمل ببطء، تحرك عجيزتها التي لا بأس بها بدلال مضحك، "براندا أريد انتاج", لا تلتفت إليَّ ولا تعبرني" آي آم وركن*"، نعم لكن كالسلحفاة، كل ذلك يحدث عندما أحدثها عن الشبه المستحيل. نظيفة جداً تخربش مثل قطة نظراً لخبرتها الطويلة في هذا المضمار، كثيرة الأعذار شديدة الغيرة تعيش وحدها مثل فأرة مصابة بمرض الترتيب، "برا ندا لقد أتينا لكي ننتج وليس لنعمل منظفين"، تترك عملها الحقيقي وتنشغل بتنظيف "اللين*" وتبدأ روايتها الطويلة التي ذبحتني بها مراراًَ، عن حياتها وكيف أنها كانت تتعاطى الهروين، وأنها سعيدة بحياتها الحالية رغم الآلام الماضية، وأنها تشكر الأخ (جيسس) على هذه النعمة، وأن لها ولدين لم ترهما منذ عامين وأخ طيب القلب لم تره منذ عشر سنوات، بعد أن رزق مالاً وفيراً، وأنها تستيقظ باكراً لتصنع لنفسها فطوراً خفيفاً وتعد كذلك قهوة قوية النكهة، "براندا"، وأنها كانت جميلة جداً وقد وصلت في جامعة "وين ستيت*" إلى السنة الثانية في الاقتصاد، وأنها تحب الشعر والموسيقى، "براندا" ومعها قطة أليفة تحبها مثل عيونها، "براندا.. ديد آي لوكن كير*, "تخرس فجأة كما بدأت عندما أقطعها متبرماً. لقد حدثتها مراتٍ عديدة عن ضرورة تغليف وشحن أكبر كمية من قطع الغيار، فنحن أقولها للمرة المليون لم نأت للقيام بعمل النظافة والكنس، فإذا بها تشرح لي بشرود تام كما لو كانت في غيبوبة عن تاريخها الشخصي منذ نزولها من سفينة نوح, وحتى وقوفها أمام الكاهن في الكنيسة لتعترف بما لا يعلمه إلا الله, مع أن أمي ليس لها دخل في هذه الرواية المؤثرة، إلا أنها تصر على سلقي بها كل يوم. جحودة تتقلب مثل الحرباء وتنفعل لأتفه الأسباب، وتبدأ تكلم نفسها كما لو كانت تنتحب، وعندما تهدأ تتعذر بضغط الدم الذي دهمها فجأة قبل سبع سنوات، وأن لها عشيق في الثلاثين وأنا عمري ثلاثون، لكنني لا أنام مع العجائز، تضحك عن أسنانها المتآكلة عندما تدرك بأنني قد فهمت مغزاها.
على الرغم من عمرها الذي تجاوز النصف قرن بأربع سنوات، كما أنها ذهبت إلى الأباما في الخمسة والستين، وإلى تينسي في السبعين، وماتت أمها يا كبدي في الواحد والستين، بعدها بسنة توفي والدها الذي كان طيباً ويشرب حتى أبيضّ لونه مع أنه أسود من أثر الكحول، وتذهب إلى حديقة الحيوانات لتشاهد الجمل، تحدثني عن جملها بحماس مفتعل كما لو أنها تتحدث عن جمل والدي، وفي مساءات الشتاء تجلس أمام المدفأة بعد أن تكون قد صنعت لنفسها ما يكفيها من القهوة، لتتصفح مجلات نجوم هوليوود، وفي الربيع وليس في الصيف مثلاً تستمع لـ"ويتني هيوستن*" , ويسحرها ذلك اللعين الجذاب "ويل سميت*"، وتتمنى أن تكون ممثلة, "لكنك على أبواب الستين أيتها القطة العجوز"، وتحب "جيمي كارتر*" لأنه كان طيب القلب دمعته قريبة، وتكره "مارتن لوثر كنج*" لأنهُ العم توم "الذي استخدمه البيض", وتكره المسئول الذي يمشي مشياً شديد النعومة كما لو كان شاذاً، لأنه لم يقل لها "هاي"، وتحبني لأنني جنتل معها، كما أنها تخصني دون سواي ببعض أسرارها الصغيرة، "القصة قصة شغل يا ماما لا جنتلة ولا يحزنون في ورشة أولاد الكلب هذه", أسرار نسوية، مثل أن الحيض لا يزال يدهمها وتسألني عن أحسن الحفاظات النسائية، "هل تعتقد أنني حضت ذات يوم هذه المرأة", وأن البواسير يا وجعاه في هذا الصيف اللعين تؤذيها وتدفعها إلى الجنون، وأنها أقلعت عن الشرب منذ زمن بعيد إلا في المناسبات، وأن فتاها يشبعها في الفراش، كما أنها تكره ذلك الزنجي الصلف الذي صرخ في وجهها بوقاحة ولسبب لا تدريه، وأنها لا تشتري السجائر لكي توزعها مجاناً على العاهرات اللواتي يعملن مثلها ويقبضن نفس الأجر، وطيبة جداً لكنها على استعداد لخوض معركة طاحنة في سبيل الدفاع عن نفسها، وأن أحد الأوغاد كاد أن يقتلها وكيف جعلها تتبول على نفسها من شدة الخوف، بعد أن هددها وخيرها بين الحياة والموت "بسرعة يا عاهرة", إن لم تسلمه محفظتها العزيزة جداً على قلبها، لأنها ذكرى من حبيبها الذي قتل قبل خمس وثلاثين سنة في مشاجرة أثناء لعب القمار.
وأوشكت أن تتعارك غيرة مع تلك "البتش*" سوزان كما تسميها لأنها حاولت أخذ فتاها الغالي منها، لكنها أمسكت نفسها في آخر لحظة خشية أن تفقد عملها, وليس رهبة من تلك الساقطة التي تبيع نفسها من أجل حبة سيجارة،...و.........
و......................
براااااااااااااا ندا.......!!!
 
 

الآنسة كوكي التي أتت وفي يدها منديل الأحزان


قبل ثلاث سنوات ليس بالضبط، ماتت ابنتها بطلقة صغيرة بين الحاجبين  المعقودين، كانت بنتاً حلوة سوداء مشدودة الجسد لم تبلغ الثالثة والعشرين، في تلك الأثناء وضعت السيدة عفواً الآنسة فهي لم تتزوج بعد رغم السنين التي تحملها على عاتقها, الذي كان مقوساً ذات يوم كالوتر، مولوداًَ أنثى فأسمتها على أسم المرحومة التي حصلت على طلقة صغيرة بين عينيها السوداوين, عندما كانت بصحبة عشيقها ذات ليلة عند خروجهما من نادٍ ليلي يرتاده الزنوج, وإثر مشادة سريعة لقت البنت الحلوة حتفها بدون قصد، وعلى الرغم من آلام الوضع وفرحة المولودة الجديدية، أخرجت الآنسة كوكي منديلها المقلم الذي ورثته عن جدتها لأبيها، ومسحت به الأنهار المالحة التي سالت وفاضت في وديان وجهها الذي كان متورداً ذات يوم، وأطلقت على البنت الجديدة أسم المغدورة. والآن بعد ثلاث سنوات ليس عدداً، اضطرت الآنسة المهذبة كوكي لإخراج منديل العائلة لتعيد مسح ما فاض من أنهار الماء من عينيها الناعستين، لأن فتاها الغالي والوحيد لقي مصرعه، ليس بطلقة بين العينين، بل بدستة من الرصاص مزقت جسده وهو لم يبلغ الثامنة عشرة بعد، لا نعلم لماذا قتل الصبي على الرغم من أنهم يقولون بأنه كان فتىً طيباً، في ذلك الوقت كانت المولودة قد أصبحت في الثالثة، والمغدورة صارت مجرد صورة باهتة في الذاكرة، أما فتاها الغالي المنكود الحظ فقد أضطرها لإخراج منديل الأحزان المقلم لتداري دموعها التي ما ظنت أبداً أنها ستذرفها عليه، يا ألله أليس القتيل أبنها!!
على الرغم من أنها هذه المرة لم تنجب لا ولداَ ولا بنتاًَ، بل تفرغت لحزنها الجديد، وبين يديها تلعب صغيرتها بدب اصطناعي ذي شعر كثيف بنّي اللون.
 
 

دكــــــــــــــــس

الأعقاب الملونة تلوكها الأفواه العميقة الشقوق، والدخان يكثف سحبه في سماء الوجوه "ألعب", جأر بها أحدهم مستحثاً زملاء "البوكر" الإسراع في قذف أوراقهم الغير مناسبة، بنكوتين السجائر المتعاقبة على شفتيه، وكأنه قادم من بئر عميقة، لا يرد عليه أحد كلٌ مشغول بنفسه.
الدورة رتيبة والعيون مبحلقة من طرف خفي في كومه الدولارات المهملة إلى حيث تتكوم في إحدى زوايا الطاولة المربعة.."طقوها"، أشرأبت الأعناق حينما سمعوا تلك الكلمة التي تدل على أن قائلها هو الرابح،"يكفيك يا صاحبي ما قد خسرت"، أحدهم يغمز لرفيقه متشفياً، "قلت لك ألعب مش شغلك", يرد عليه بقسوة ويشعل لفافة أخرى.
يواصل الجميع المغامرة والليل ينساب بطيئاً في مساء ذلك الأحد الشتوي الكئيب، بينما المطر الثلجي مستمر في غنائه الحزين على الأرصفة والشوارع والوجوه العابسة، "قلت لك ألعب يا حيوان", وأبتدأ العراك والشتاء لا يزال في منتصفه.
شتاء 96 - ديربورن
 
 

ولكن المشكلة في اللسان الجزمة

...، أما من جهة عبدالحكيم فقد رجع إلى البيت متذرعاً بوجع أصابه في بطنه، مع أن لا وجع ولا يحزنون، لكن صاحبنا قرف من حياته، "ثمانية وثلاثين سنة يا خلق الله، بدون مرة  يا قهراه، نشتغل مثل الحمير ولا جمعنا فلس، كأننا نعمل بفلوس حرام في بلاد أولاد الحرام هذه!". والقصة ليست وجع ولا خراء بل لأن عبدالرزاق ذلق اللسان، القصير القامة الذي طحن فمه خلال زيارته للبلاد، ثلاث أحوال قات في ستة أشهر، طول الحول الواحد مائة وخمسين ذراع، كان قد استلم المسكين عبدالحكيم، " قلدني الله قلادة إن موتك أحسن من حياتك، في الأربعين ولاقد نشقت ريحة مرة!" ، عبدالحكيم يستمع وعينيه جامدتين لا ترمشان، فاغر الفم تعلو وجهه أمارات قهر قديم، "ثلاث سنوات ولا جمعت دولار، قل مجنون أو سكران والسلام!" . كان حكيم قد شرح قصته مراراً، "اشتغلت في كل مكان في بوفية، عسكري، صيّاد، بياع قات، قبل دخولي مريكن، وبعد ما دخلت نفس الحظ نياك أمه وراي". لكن من يقنع عبدالزراق الذي كان يظن نفسه يمزح, "شوري لك أقتل نفسك", زاد فيها كثيراً ذلك اللعين", والله إن الموت أريح ولولا خوف الله لقتلت نفسي". أسوّد وجهه العابس وارتجفت شفتاه وغادر بعذر المرض تسبقه دموع تحجرت عند بوابات عينيه لم يرها أحد, بينما عبدالرزاق يضحك بصوت عال يزلزل الورشة.
 

 

تصاويـــر اليبوســــــة والأسمنــــت
 
 جولـــــــــي

لها شفتان ممتلئتان، وصف لولي لماع، وأحمر يقطر عسلاً واشتهاء، ثم عينين لهما لون الماء الأزرق حينما يتوحش، من عند الباب في وجه الشارع المذبوع بالثلج، عطّرت الجو "باي.. باي", مثل عصفور أنطلق لتوه من قفصه وساعة الخمس دولارات والنصف، ولوحت بذراعها وأمام مقود سيارتها جلست.
كانت تمتلك سيارة أنيقة مثلها واختفت عن الأعين!!
عندما سألت "كيف قتلت تلك الفراشة", قيل لي بأنها حُزت من شفتيها وأن قاتلها أودع في فرجها لا أحد يدري هل كان ذلك قبل الاغتصاب أم بعده, خمس طلقات من مسدس كاتم الصوت.
 
 قصـــــة مايك الطيــــب

كان من عادته أن يُبقي في قارورة الويسكي ربعها ليشربها عندما يستيقظ من نومه وقبل الذهاب إلى عمله، بالطبع له صديقه يحبها بجنون وبالذات مكان دفيئ منها، ويذهب إلى عمله منشرحاً لا يكره أحداً. "واو .. وي وووه", يطلق صوته الحاد عالياً مترنماً بأغنية لا يفهمها أحدٌ سواه، يحبه كل زملاء عمله خصوصاً النساء، وكم تكون فطائره لذيذة حينما لا يُكدّر صفوه، أحمر الوجه فارع الطول تفوح منه دائماً رائحة "الربع" الطيبة، في المساء يضاجع صديقته ويشبعها من عواءه ثم يتغرغر بثلاثة أرباع قارورته المثلجة، وينام وإلى صدره يضم بحنان أُم قارورة ممتلئة حتى ربعها، بينما صديقته يقتلها البرد، مبتسماً في نومه مثل طفل يلعق بوظة بالشيكولاته.
         

 القتــــل

قلبه كان طيباً والمطعم في كف نهر يهدهده انسياب الماء، وأمام دفتين قديمتين كانتا لسفينة غرقت أعلى البحار اقتعد لينظفهما من الملوحة وصرخات البحارة الغرقى، وعلى طاولة ليست مستديرة بركت سيدتين في المنتصف من العمر تأكلان بصمت. أعاد نظارته في انزلاقها الخفيف باتجاه أرنبة أنفه واستمر في عمله من حيث لا يشعر, ترقبه إحدى السيدتين بنظرات لم يعرها اهتمامه، رفع رأسه فالتقت عيناه بعيني التي ترقبه، ثم أعاده مطأطأً، وبهدوء ميت رفع السكينة التي كان ينزع برأسها قطرات الملوحة المتجمدة، ومن عند العنق، عنقه الجميل بدأ الذبح بطيئاً متقيئاً كل دمه ومات.
أفزع منظر الدماء رواد المطعم النهري وولوا هلعين. عيناه كانتا متحجرتان، ورأسه المفصولة عن جسده يبتسم، وفي بيتها أخذت إحدى سيدتا الطاولة تقرع نفسها "لمَّ يا صوفي، لمَّ" ؟!
                 
 
 بحــــــــــــــــــــار

قال أنه سيذهب إلى البحر الكبير، "فالموت له نفس الطعم واللون على اليابسة أو بين الماء", وسيجمع أكبر قدر من الدولارات وسيدور مع خط الإستواء، وسيضاجع كل النساء في كل الموانئ، وستلوحه شموس الشواطئ البعيدة ليعود أكثرة فتوة وشباباً. عندما عاد بقدمين تحتذيان حذاء قديماً ويد وحيدة، لم يسأله أحدٌ عما حدث له فيده الخشبية كانت تتكلم بطلاقه.


 
 ثلاثـــــــــــــــــة

...، وبوابة المقبرة الضيقة لم تكن لتتسع لجميع المشيعين أثناء دخولهم الطويل الغصات والغضب المتصاعد إلى عنان السماء، توابيتهم كانت متراصة ببعضها جنب بعض وعندما نهضتُ من آخر صفوف المصلين كنت قد صممت على مواجهة وجه الموت ورصاصاته التي لا تكذب.
وجوههم شابه صغيرة لها سُمرة وطن بعيد, الزمان من حولي كان له طنين رتيب وثمة سؤال يلح عليّ عن حقيقة ترتيبي في القائمة. رفعت كغيري عن وجوههم الظامرة الملطخة ببقايا قطرات ثخينة من الدم لم تمحها مياه الغسل، ونتف لا ترى لصرخات مكتومة أنطلقت للمرة الأخيرة، أطراف أكفانهم المبللة بعطر ليس له رائحة، عينيّ تسمرتا بتلك الوجوه البائسة لأطفال لم يحتلموا بعد وبأحدهم بقرية منسية في وطن منسي تنتظره إمرأة وطفلة تسأل عن أبيها ومتى سوف يعود، عند أذانهم من الجهة اليمنى إلى الوراء، ارتسمت ثلاث فوهات دموية بحجم رأس بنصر، تبدوا للرائي كما لو كانت نقاط حبر ضخمة، حين تراجعت مذعوراَ إلى الخلف، كنت في طريقي إلى المقبرة الضيقة الباب أسألني ما الموت؟! وعندما رأيت التوابيت تُوارى في الأبدية عرفت ماذا يكون.
غدت المقبرة خاوية إلا منهم ذوي الأصداغ المثقوبة، وبعض من"يَّس" تناثرت حروفها في الهواء، وعند السارية في أعلاها أخذ يرفرف علم بلدهم البعيد لا تدري من رفعه، وعند أول زخة لمطر ميت سقط العلم عن السارية مُحدثا دوياً مقتولاً لصمت لا يُسمع.
92-93
 
 أليكــــــــــــــــس

شعيرات ذقنه البيضاء المتناثرة منتصبة كانت عندما للمرة اللايدريها تجرع جرعة محرقة من قارورة تسكن جيب سرواله المهترئ، ظهره للجدار وفمه معدوم الأسنان، في الخارج من المقهى يتربص به الصقيع "هاي هتلر"، أحد القدماء في المنفى أراد ممازحته فأسكته بيده المرتجفة " هاي شت", وبكلمته المباشرة أخرسه أليكس. انفه المفلطح الضخم وسط وجهه المتغضن أخذ يحمر عندما اشتعلت الجرعة الكبيرة في معدته "الخربانة" كما يسميها، وعينيه الزرقاوين يقلبهما في الوجوه الشاردة في الأوراق الملونة "للكرت" في لعبة نسيان دائمة، مكانه كل مكان وحينما تصرعه السكرة يعود إلى شبابه ويبدأ بسرد معجزاته وكيف أنه كان مقاتلاً عظيماً في كوريا لا يستطيع أحد مجابهته، وعندما ينتهي من سرد بطولاته المكرورة يقوم بأداء "مارش" عسكري ويؤدي التحية بيد مرتجفة ويلعلع بصوت جهوري "عاشت أمريكا.. عاش زبي" ثم يجهش بالبكاء.
لا أحد يدري بالضبط هل كان العم "أليكس" قد تزوج في يوم من الأيام، أو أن له أبناء أو أقارب، "كنت في شبابي وسيماً وكن النساء عليهن اللعنة يعشقنني وكان لي أصدقاء كُثر".
يجيب على السئوال بحدس غريب قبل أن يُسأل. القارورة تسكن جيبه ببرودتها المحرقة وقبعته المسودة الحواف أخذها من فوق الطاولة ورفع بنطلونه ومسح أنفه بكبرياء كما لو كان ممثلاً هزلياً يقوم بحركاته تلك أمام جمهور وهمي، وتهيأ للانصراف، "هييه أليكس هل لازلت تذكر أسم أحد أصدقاءك أو صديقاتك القدماء، حتى نبلغه بوفاتك حين تموت ليسير في جنازتك؟!".
نظرة أليكس الماحقة جعلت الذي أطلق تهكمه يبلع لسانه، ثم أحرق المقهى بسعلة حادة وغادر مترنحاً لا يدري إلى أين، عندما أصبح وراء الباب على الرصيف في الشارع استل قارورته وتغرغر بما تبقى منها وذهب بعينيه الزرقاوين وغاب في الثلج.
ديترويت – شتاء وربيع 93
            
 
 
السيدة العزيزة الغالية مس هارييت

عاودت تصنع الغضب مرة أخرى، علامات الغضب أعني أن ترفع أحد حاجبيها مصعرة خدها بعيداً عني, عندما أتى بها مسئوول العمال لم ألق إليها بالاً، ظننتها ستكون كسابقاتها، مجرد امرأة سوداء ستهلكني ثرثرة، وكذلك ستبخ في وجهي روائح قاتلة تؤدي إلى الكفر، قادمة من قناتها الهضمية المنتنة, كانت صامتة أغلب الأحيان..هذه إحدى مفاجآتها.. الصمت، وعندما تحشو فمها بالتبغ, تنسى كيفية النطق تماماً، وتتواصل معنا بالإشارات المبهمة التي لا نفقهها، مثل أن تقوم برسم إشارات أفهم منها نكتة ما فأضحك ملئ شدقي، لكنني أفهم أو تفهمني بأنها تريد الذهاب إلى الحمام.
إمرأة في الخمسين لها فم نظيف جداً من الأسنان، يعني بالعربي الفصيح لا تملك سناً واحدة، وبالإيطالي الأعوج ما فيش اسنان, أغيظها بسؤالها عن عمرها "كم عمرك هارييت.. تسعين؟!"، أو "أين أسنانك يا حبوبتي" لا ترد لكنها تبتسم أبتسامة خفيفة لهذا المجنون الذي لا يكف عن الثرثرة بسبب وبدون سبب، "المهم" ترد وهي تنظر إلى السقف في حركة تذكر بأبطال الكرتون منهية أي حديث لا يعجبها.
ثاني أيام عملها تحت إمرتي أتتني بمفاجأة صغيرة "لقد أفتقدتك", كان يومها الثاني وحسب، طبعاً لم تقل ذلك إلاّ لأن العمل معي سهل، إضافة إلى أنني ثرثار بطبعي مع النساء، أحب مضايقتهن والسخرية منهن، خصوصاً أمثال هارييت، لكنها تظل في تبغها العظيم صامتة صمت القبور، بينما أحاول إخافتها بالفصل من العمل إذا لم تتكلم معي، فلا ترد لعلمها بأنني أمزح معها. تضع لقمة ضخمة من التبغ المعجون خلف شفتها السفلى فتزداد صمتاً على صمت، "هيه هارييت هذه القصة أكتبها عنك"، لم تقل شيئاً ألقت نظرة عابرة على الورقة التي أكتب عليها كما لو أنها سترى نفسها فيها، وعندما لم تفهم خطي اللعين أولاً، واللغة المكتوبة بها القصة ثانياً، أخذت المكنسة وبدأت في كنس الأرض، شهرين لم أسمعها تنطق أسمي، وحينما تود الذهاب إلى الحمام تناديني من أنفها "هيه.. يو" مع معرفتها بأسمي، شهرين متتابعين يا خلق الله، لم تحن عليَّ ولو لمرة واحدة بنطق أسمي بفمها النظيف جداً، حتى أتى ذلك اليوم الذي أتت فيه عاملة جديدة لتعمل معنا، كانت سوداء أسمها ديانا أسم جميل وابتسامة عذبة، وجسدٌ فتي على الرغم من تعديها الثامنة والأربعين، كانت بشوشة، رقيقة، سريعة البديهة، تضحك وتمزح وتعمل بهمة, فجأة نطقت مس هارييت، نطقت بفصاحة شديدة، وضحكت وعلت قهقهتها عندما هددتها بالاستغناء وإحلال ديانا بدلاً عنها، ضحكت وتدللت كثيراً أوشكت على الرقص، ثم لن تصدقوا.. نطقت باسمي كاملاً من غير سوء، أول مرة في حياتي أسمع أسمي ينطق بتلك اللثغة الظريفة، إسم تنطقه امرأة درداء وبلغة غير لغتي، كان أسمي متموجاً في فمها المطاطي، يا سادة يا كرام يا بني شعبي، لقد شعرت العجوز بالغيرة عليَّ من ديانا "السيئة" كما كانت تسميها.
 نطقت أخيراً مس هارييت السيدة السوداء، القصيرة القامة، الحادة الصوت، العديمة الأسنان، التي لم تتزوج حتى كتابة هذه القصة ولن تفعلها بعد نشرها أيضاً, لأنها لم تجد الرجل المناسب، أخبرتني محدقة فيَّ بجراءة وكأنها قد وجدته ذلك المناسب، قلت مس هارييت التي كانت جميلة ذات يوم، أعني قبل أربعين سنة عندما كان عمرها عشرين،هكذا كنت أماحكها، فتبتسم إذا لم تكن تضع لقمة التبغ في فمها، أما إذا لم تكن في لحظة الكيف، فأنها تتصنع الغضب ولا تكلمني أو تـرد عليَّ، أعني مس هارييت التي تكلم نفسها كثيراً، وتخاف على شنطتها اليدوية الفارغة إلاّ من أوراق لا قيمة لها من أوراق اليانصيب التي لم تربح، والتي تلعب بأنفها وتقوم بتنظيفه أمامنا. مس هارييت الغالية التي تجعلني رائحة فسائها أدرك تماماً ما معنى أن يصل المرء إلى حافة الجنون.
 
 

واقـــــــــــــــــع

تأكد من طعومه وتفقد شباكه وكذلك المحرك الذي يدفع مركبه الصغير بالديزل وأنطلق بعد غروب الشمس، كان برنامجه قضاء الليل بطوله في عرض البحر، وعند الفجر يبدأ حصاد محصوله البحري بعد أن ألقى شباكه أول المساء. ذهب بعيداًَ بإتجاه مناطق تتكاثر عندها أسراب السمك، أوقف المحرك، وألقى بالمرساة في العمق المائي البهيم حتى لا تأخذه تيارات الأعماق بعيداً. ألقى نظرة أخيرة على طعومه وصنانيره وشباكه قبل أن يقذف بها في مهمتها التي يتمنى أن تتكلل بالنجاح، وعندما تأكد من سير كل شيء على ما يرام أخلد إلى النوم. رأى في المنام أنه أصطاد سمكاً ذهبياً كثيراً وأشترى بثمنه مركباً أكبر واستأجر صيادين أشداء، ليعملوا تحت أمرته، كانت الابتسامة ترتسم على شفتيه الجافتين في نومه المزدحم بالأحلام، وعندما استيقظ ملسوعاً بحرارة شمس الظهيرة الحارقة، لم يرى الماء وكأن البحر قد جف مائه فجأة، وعلى مدى بصره وفي كل الاتجاهات لم يكن يرى سوى أخدوداً هائلاً لا نهاية له، وثمة رائحة بحرية عطنة تجتاح الفضاء.
 

 

 

Huge life
 
 صراحـــــــة

كان شيئاً ذلك الذي فعلته شديد السوء، كنت قد أوهمت الفتاة بحبي لها وأن حياتي لا معنى لها بعيداً عنها، "ملكتي" كما كنت أناديها، العينان الزرقاوان، الجسد الوحشي القامة، والشعر المنسوخ منه كل شلالات العالم، كل ذلك كان لي وحدي، البدوي القادم من أقصى ذرة من رمال جزيرة العرب، لحمها شهي وقالت أنها تحبني، من الضروري أن تقول ذلك، وإلاَّ ما معنى نعتى بالبدوي، تركت بيت أمها التي كانت تكرهني لعلكم تدركون لماذا, وأتت لتسكن معي، كنت كريماً معها وهي لم تبخل بمائدة جسدها الحرام، أعني كريماً في الفراش، أما الكرم الحقيقي فقد كانت هي من ينفق على ملذاتنا، "هل ستتزوجني", كأي إمرأة سألت، كانت تبكي حينما طرحت عليَّ استفسارها، "هل أنت مجنونة" أجبت، طبعاً الرد باللغة الإنجلزية أكثر إثارةAre you crazy?  حزنت قليلاً، كانت فعلاً تحبني، لهوت بها كثيراً ثم تركتها، وذهبت أبحث عن غيرها، وأثار دموعها لا تزال ندية على صدري.
 
 فتوحـــــــــــات

محاصرٌ بالتبغ وبخوره المعجون بلعابي، أفتح الشوارع والحانات والنساء، بدوي أخرق ضل في مفازة الفولاذ، وعندما اهتديت في غابة الأسمنت، تلك الغابة الحديدية الكائنات، الحجرية الثمار، وحيدٌ بساق خشبي، التبغ يواصل طريقه المظفرة في رئتيَّ كان ذلك عندما كنت أدخن، وأنا أواصل فتوحاتي المدهشة، وخيباتي الكثار.
 
 Hustler

لم أقصد البتة أن أخدعه، كان سهلاً بما يكفي لأجعل منه مغفلاً، فعلاً لم أسعى إلى ذلك، لكنه وقع في حبالي الأخوية، كان يسأل عني دائماً ويتغاضى عن تحاذقي الممجوج، رغم ضخامته الجسدية وقدرته على البطش بي لو أراد، ما مَنْ عليَّ بجميل أسداه لي، بينما كنت أتصيد أي جميل أسديه إليه واسترجعه منه أضعافاً، كان يستحي من التشدق بأفعاله الحقيقية أمامي حتى لا يحرجني، بينما أتمادى في شيطنتي عليه، لم يكن غبياً، كنت احتاج إليه أكثر من حاجته إليَّ، أعجبني الأمر، أن يكون مثل هذا الشخص المهاب الجانب لقوته أسير صداقتي الكاذبة، لم أكتف بذلك وحسب بل وصل بي الأمر إلى محاولة الانتقاص من قدره أمام الآخرين لأريهم دهائي، حتى ثار ذات يوم في وجهي، كانت ثورة عارمة زلزلتني حتى الأعماق، نفد صبره وأوصلته بذكائي الغبي إلى الانفجار، لم يقل أشياء كثيرة، جملة مقتضبة طعنني بها وذهب "إنك شخص تشبه الطبل جهوري الصوت وليس له عمق"، تاركاً إياي لزحمة الشوارع ووجع لا شفاء منه يسمونه الندم.
 
 رتابــــــــة

"ماذا سأصنع هذا المساء"، السماء نائمة والثلج مقتول يلفظ أنفاسه الأخيرة على الأسفلت، حشرت جسدي في الجينز وخرجت، أدرك وجهتي جيداً، لحم إمرأة وقناني حامضة تصنع العجائب في ذاكرتي الهرمة، الفجر صديقي الذي أخذ بيدي إلى البيت يتعتعني السكر، وعندما يدخلني إلى غرفتي يعود هارباً، فقد كانت مزدحمة بالعطن والوحشة والأوراق والمنيَّ المنثور في كل الزوايا، وبأمنيات مؤجلة من الكمد وبضعة قصائد ودموع وفضائح تنتظر الغسيل.
 
 بسرعــــــة

ضحكت البنت كثيراً عندما سألتها لماذا يجب علينا الخروج إلى البارات، أقعت على طرف السرير تكاد تموت من الضحك، مع أنني لم أقل نكتة "أريد أن أشرب هذه الليلة حتى أنسى نفسي" قالت ملوحة بيدها في وجهي بدلال محبب، "لكننا سنشرب هنا" وغمزت بعينها "ثم..." لم ترد بل واصلت الضحك حتى أضحكتني، وكما هي العادة كانت هي المبادرة ولم أمانع.
مر الوقت مسرعاً مثل حلم خاطف، وها أنا أقف الان في آخر العمر وحيداً مثل شيطان تساقطت أسنانه.
 
 طقــــــــــس

اغتسلت جيداً، حككت جسدي بالليفة حتى أحمرَّ الجلد، دندنت بعدة أغانٍ أعشقها كثيراً، تفرست في المرآة وضحكت "هل جُننت", أسأل نفسي هذا السؤال لأنني كثيراً ما سمعت صاحبة البيت الثرثارة تتشدق بذلك، هل كانت تعني ما تقوله فعلاً أم أنها تمزح معي لا يهمني قصدها, لأنني بعد أن تناولت فطوري أشعلت سيجارة مارلبورو بيضاء اللون، خفيفة القطران، وبدأت في كتابة قصيدة جديدة عن الحب الذي لا خبرة لي فيه.
 
 وحشـــــــــة

وضع المسدس على صدغي مهدداً بنسفي، لم أرتجف كنت قد نسيت هذه المسميات، الخوف، الرهبة، الحب، الفرح، الموت، الألم، مسميات كثيرة أنستني إياها حياتي الفارغة محاولاً أن أرى وجهه البغيض، "الآن" أي حركة سأملأ جمجمتك بالرصاص "كان فصيحاً ابن الزانية". أخذ المحفظة من جيبي بطريقة محترفة، لم أتحرك فليس من المعقول، أن أقتل في مكاني ويضيع دمي هدراً بين الذئاب لقاء لفتة عابرة لن تفيدني في شيء، "لا تلتفت.. واصل تقدمك", رفسني بقوة على مؤخرتي فسقطت على وجهي، قذف بالمحفظة بعيداً عني بعد أن قام بتنظيفها جيداً من بضعة دولارات كانت بحوزتي، وفر هارباً مختفياً في أقرب زقاق. أخذت محفظتي، نفضت عنها التراب، وواصلت سيري باتجاه المقهى العربي الوحيد في آخر الشارع، وعندما حدثت الأصدقاء لم يصدقني أحد، وانفجروا ضاحكين، "كنت سأُقتل.. أموت يا أولاد الحرام، وأنتم تضحكون", لم يدركوا للحظة واحدة بأنني أوشكت أن لا أكون بينهم إلى الأبد أولئك الأغبياء، شعرت بوحشة عاصفة تمزق قلبي وأحسست بأنني لا قيمة لي، مجرد شخص منبوذ في هذا العالم، عندما عدت إلى البيت، أغلقت باب غرفتي وخلعت ثيابي بصمت موشك على القتل، أطفأت النور وذهبت إلى سريري وبكيت.
 
 إضــــــــراب

"نضرب عن العمل، رفض مسئولي الورشة زيادة رواتبنا"، كان صبرنا قد نفد، فقررنا المواجهة، واحد متردد يشكوا كثرة الدين، وآخر يقسم برأس أمه أنه سيمضي إلى آخر الشوط وثالث محايد وعاشر يعلن رفضه في مسايرة الغوغاء، خرجنا إلى الشارع فتلقفنا حظٍ أعور وأبن كلب، مطر وريح وصقيع، كان يومنا الأول قطعة من جهنم "أصمدوا يا رجال", كنا نعزي أنفسنا بالصبر، عشرون يوماً في العراء دون أي تقدم يذكر بين الورشة ونقابة العمال، كانت الهزيمة تصرخ في العيون، هزيمة مُرة زاد من مرارتها وصول رجال البوليس وكلابهم المتوحشة وهرواتهم المكهربة، أخيراً رضخت النقابة، قيل بعد أن أخذت المعلوم، ونصحتنا بالعودة بدون تحقيق أي مطلب، لا خيار إلا العودة أو الفصل، عدنا منكسي الرؤوس، خاويي الجيوب مثقلين بديون ظالمة وبرد قاهر يعوي في عظامنا اليابسة.
 
 اللعنــــــــــة علـــــــــــى .... !

"اللعنة" البرد شديد ولا أحد يريد توصيلي بسيارته, صببت لعناتي على الحقراء والجبناء والأنذال والكفرة والنصارى والبوذيين واليهود... و....! ما دخل كل هؤلاء في الموضوع, كانت عصرية شتوية لأحد الآحاد ولم أجد من يقلني إلى "الآركيدَّ" لقضاء الوقت، وبمجرد أن جلست إلى طاولة الورقة، أشعلت سيجارة وابتدأت اللعب ونسيت تجمد أذنيَّ وأنفي وأصابعي مر الوقت سريعاً حتى أزف وقت العودة إلى البيت، سألت لم يرد عليَّ أحد، خرجت إلى الشارع فقرصني البرد بقسوة، فعاودت صب لعناتي على..........!.
 
 تكــــــــــــــــرار

 في الصيف نلبس الخفيف العاري، وفي الشتاء الواقي الثقيل، يختلف الطقس والثياب، وحدها البرامج تستمر بتكرار يؤدي إلى الجنون، يوم في الحانات وآخر في ملاحقة العاهرات، والتحليق في سموات الكيف وطاولات القمار، وخوض المعارك الوهمية لأتفه الأسباب، تمر الأيام ونحن أجساد خشبية تتقدم ببطء ولكن بثبات إلى الإنهيار.
 
 Suicide

كان انتحاراً مروعاً ذلك الذي صنعناه البارحة، بدأنا أولاً بنسف بضع قناني من النبيذ الإيطالي المعتبر، ثم عرجنا على الفودكا فـ"الهنسي" وعشرات العلب من البيرة الباردة، كنا ستة وثمان فتيات فاتنات، واختتمنا المذبحة بعدة لفائف من الحشيشة الكولمبية المرعبة، دخنَّا حتى أوشكت صدورنا على الانفجار وحلقت عقولنا في سماوات لم تخلق بعد، أتينا النساء بشبق من قصفنا المتواصل، كان هناك محمد عبده، عبدالحليم حافظ، علي السمه، ويتني هيوستن، لبوش، مادونا، توباك، أخذوا يجلدوننا بأصواتهم الباعثة على البكاء والشجن، أخذتنا الحشيشة إلى عوالم لم نطأها من قبل، تقاذفتنا أمواج النشوة وألقت بنا كل في مكانه أعجاز نخل خاوية، البعض أخذ يغني، والبعض أنتحب، وآخرين أفرغوا بطونهم على الأرض، وثمة فتاتين تقبلان بعضهما بسعار مفزع، تجردتا من ثيابهما وتضاجعتا وهما تصرخان من اللذة، لم نتحرك من أماكننا، لم نعر المشهد أدنى أهتمام, ضعنا في كون بهيم يبعث على الاختناق، "يبدوا أن نهايتنا ستكون هذه الليلة", نطق أحدنا لا ندري مَنْ بصوت متلعثم ثقيل اللسان مازحاً، فإذا بآخر يفز من مكانه صارخاً بأعلى صوته"لا اريد أن أموت.. لا أريد أن أموت" وسقط على الأرض، سقط وجهه مباشرة على القيئ المنثور في كل الأرجاء، لم نقل شيئاً أصابنا خرس كظيم عقد ألسنتنا، لا ندري في أي وقت أكلنا لحماً مشوياً وسلطة، لا ندري متى نمنا موقنين بالنهاية, "كان انتحاراً مروعاً ذلك الذي صنعناه البارحة", نطق أحدنا عندما استيقظنا صدفة اليوم التالي، مشققي الرؤوس، ترتسم على شفاهنا ابتسامات باهتة لأشخاص عادوا لتوهم من الموت.

 

 

 


أنا وجدتي.. أحداث ومعارك وعصيد
 
  فضيحــــة

لم أجد كلمة مناسبة أعبَّر بها عن موقفي المخزي إلاّ كلمة "أيوه!" خرجت مرتعشة، تجمدت أصابعي على قفل صندوقها الخشبي أثناء ما كنت أحاول فتحه، كانت صدفة مروعة، أعني لحظة أن أنكشفت، كنت قد حسبت كل شيء بدقة، جدتي في "الديمة" تعد طعام الغداء لجدي العابس دائماً دونما سبب، وأنا عدت التوي من الشارع بعد أن حطمني التعب جرياً وعراكاً, ومطاردة بنات الجيران الصغيرات اللواتي يقاربنني سناً، البنات اللذيذات اللاتي كن يأتينني في الأحلام فنلعب ألعاباً تحمر لها أذني، أعطتني صحن أرز وقليل من الطبيخ "قد شاموت جوع يا جدتي"، قصدت أن أجعل صوتي يخرج مرتعشا كما لو كنت أوشك على البكاء جوعاً، ألتفتت إليَّ بكل حب العالم "جعل لي الطواعين شراء، قدك ميت من الجوع", هززت رأسي بخبث طفلي واجتهدت في جعل عينيَّ تبدوان مغرورقتين بالدمع، حتى أزيد من التياعها وهي المشهورة بحدة العاطفة، أكلت مثل جرو صغير ما قدمته لي ولحست الصحن، ثم مسحتُ فمي بطرفي الكُم، "جده شاطلع أرقد"، لم أكن قد أنتويت شراً بها أو عزمت مكراً، لم تجبني فقد كانت في معركة طاحنة مع العصيدة التي تعصدها، كان الوقت يقارب الثانية عشرة والنصف ظهراً، وهي تحاول جاهدة أن تكون في موعدها بحيث يأكلها جدي العابس أبداً حينما يرجع من صلاة الظهر، وهي لا تزال ساخنة, وكمن تذَكرت "تشتي تطلع ترقد"، كنت أبحث بناظري عن أي شيء يؤكل، موزة، برتقالة, أو بطاطة مسلوقة، أجبت ببرود الموشك على النوم وفمي مفتوح على آخره بتثائبة طويلة "أيوه"، أفرغت العصيد من القدر إلى صحن عميق، وأخذت تمسدها برشاقة "بمحواشها" الخشبي الذي يشبه سيفاً صغيراً، وقالت كما لو أنها تحدث نفسها "أطلع أرقد يا شقاي" ،كنت ماكراً لكنني لم أكن قد أنتويت العيب أو خططت لما سأفعله لاحقاً، الذي حدث هو أنني دخلت غرفتها وقفزت كسباح ماهر إلى سريرها الوثير، حين لاح لي صندوقها الخشبي كشيطان يدعوني إليه، قمت من فوري أعالج القفل لعل معجزة خارقة تفتحه، لكن ما حدث أن جدتي تبعتني لا أدري لأي غرض، وأمسكت بي بالجرم المشهود ثم...!.
صدقوني لا أحد يستطيع أن يتخيل ما حدث لي؟!!
 
 المعركـــة

كان جنوني الصبياني قد وصل حداً لا بد من الوقوف أمامه وردعه بما يستحق، لا أجد طفلاً إلاَّ وبطشت به ولا بنتاً صغيرة إلا وسألتها أن تريني كنزها الثمين, حتى صرت خطراً على أقراني جميعاً، كان وجهي يقطر برائة وأفعالي أقرب إلى أفعال شيطان منها إلى أفعال طفل لم يتجاوز العاشرة، حتى كان ذلك اليوم العبوس، فقد سولت لي نفسي متابعة زميلة من زميلاتي إلى وراء بيتهم، وكان ثمة أشجار قصيرة السيقان تشكل دغلاً يستحق أن يكون مكاناً مناسباً للاغتصاب، تبعتها من حيث لا تشعر، تلفتت يمنة ويسره وحينما لم تجد عيناً تراقبها كما ظنت، وبضربة سريعة مبهرة أنزلت سروالها وأخذت تتبول ورأيت الكنز الثمين، ولأنني بطبعي لا أستطيع صبراً تقدمت ناحيتها بعد أن أجريت حسبه بسيطة، بالطبع كل حساباتي كانت تقع على أم رأسي، مفادها بأن البنت عندما تراني أمامها مباشرة سترضخ للأمر الواقع وتسلمني الكنز الذي لا أدري في سني المبكرة تلك كيف كنت سأتعامل معه، وقفت أمامها مباشرة وعلى شفتي ابتسامة الظفر، وفي أسرع من لمح البصر رفعت سروالها، وبفتحه صغيرة من فمها الوردي أنقلبت المعادلة رأساً على عقب، "يامه....أبن.....يشتي....!!", فجأة أحسست بعناق دموي مع الأرض، فجأة وجدتني ارتطم بقوة بجدار قريب، فجأآت كثيرة ما بين شد شعري ولي عنقي ولطم وجهي، وطبعاً بدون مفاجآت رفعت عقيرتي بالنواح وعلا بكائي بينما البنت اللعينة، التي طالما آذيتها تشد من أزر أمها لمحوي من الحياة وقد فعلت ذلك على أكمل وجه، كانت مجزرة مروعة تلك التي ذقتها وعشتها من يد الديناصور الآدمي، الضربة القاضية كانت بقسمٍ عظيم منها تلك الهائلة البنيان، بأنها في المرة القادمة ستقتلني إن عدت إلى التعرض لابنتها، كان انكساري مروعاً شرخني حتى العظم أمام البنت التي كنت استعرض عليها عضلاتي صباح مساء، كان انكساراً أصابني بذلٍ أشهر طوال قبل أن أعاود جنوني. عدت زاحفاً مثل سحلية إلى البيت وأنا بين الحياة والموت، واتجهت مباشرة صوب "الديمة" حيث جدتي منذ أول التاريخ, تعصد العصيد لزوجها العابس منذ بداية الخليقة لسببٍ لا أدريه حتى الآن، صرخت حينما رأتني محطماً والدماء تسيل من كل مكان في وجهي "يا نهوبي نهوباه أو شيء سيارة فحستك"، أخبرتها بالحقيقة كاملة باستثناء محاولة الاغتصاب التي أودت بي، حينما عرفت قاتلتي أخذت ستارتها متوعدة بالويل والثبور تلك المرأة التي تجرأت بمد يدها على ملاكها الصغير كما كانت تسميني، وبعزمٍ لا يلين أنطلقت إلى الحرب، اقتحمت بيت جارتها المقابل لبيتنا مثل الإعصار واتجهت صوب الديمة، فالوقت وقت إعداد طعام الغداء، وبدون أي مقدمات سحبتها من الخلف بشعر رأسها بقوة حتى أوقعتها على الأرض وأخذت تكيل لها الرفسات والصفعات، كذلك مزقتها عضاَ بأسنانها وخنقاً بأصابعها حتى أوشكت فعلاً على قتل المرأة، وأنا من ورائها أولول بحقد وحشي "موتيها يا جدة.. أخنقيها.."، ولأن الضخمة قد فوجئت بهجوم جدتي الماحق، لم تستطع الدفاع عن نفسها، فرفعت عقيرتها بصراخ الغوث وطلب النجدة، فإذا بثلاث عذراوات نواهداً أبكاراً، يهبطن من غرفهن العالية، كذلك البنت الصغيرة التي حاولت اغتصابها, كنت أعرفهن جيداً فهن بنات المرأة الضخمة، فهجمن على جدتي وأنتزعنها من فوق أمهن بقسوة، أدركت بأن جدتي في موقف صعب فهي تقاتل الآن أربع نساء، كيس بشري محشو بالأمعاء واللحم والعظام والخراء، وثلاث فتيات شابات فاتنات شديدات القسوة، بدا وأن جدتي قد غُدر بها فأخذت تتقهقر أمام هذا المدد المفاجئ، فعمدت إلى تغيير خطتها من هجومية إلى دفاعية، لكن الكثافة البشرية كانت من الكثرة بحيث إن إمرأة عجوز في مثل سنها لا تستطيع مقاومتها، كُن يناوشنها من كل مكان، أدركت جدتي بحسها العسكري أن مقتلها سيكون في تلك الديمة اللعينة بدون شفقة وبدون رحمة وأيضاً بدون شهود، فغيرت خطتها تبعاً لتغيير موازين القوى وفي اندفاعها باتجاه الباب غير معولة على ستارتها, وما سوف يقوله جدي بوجهه المتكدر عندما يعلم بأن حرمه المصون قد مشت في الشارع بدون ستارة، أخذتني في طريقها مثل عاصفة فقد ظللت واقفاً مكاني ولم أحرك ساكناً، فيبدو بأن كرة اللحم اللعينة قد كسرتني من الداخل ولم أهب لنجدتها، وبقيت مشلولاً وهي وحدها تواجه مصيرها الذي كنت سبباً فيه، خرجت إلى الشارع والأم وبناتها ورائها، قذفتني على الأرض وقالت كلمتها الشهيرة "اذهب إلى الجامع يا ابن الكلاب وأخبر جدك بالأمر", الرعب جعل جدتي تنطق بالفصحى يا خلق الله، لم أنتظر حتى تنتهي من كلامها، وأنطلقت كالسهم باتجاه المسجد فحياة جدتي الغالية تعتمد على مدى سرعتي، بينما البنات ووالدتهن يواصلن هجومهن المعاكس حتى استطعن حشر جدتي في زاوية ضيقة بجوار أحد الأبواب المغلقة وأمطرنها بالحجارة وبـ"محواش" لعين أسال الدم من رأسها، وحينما أدركت بالمنية قد أزفت قفزت قفزة يائسة مفاجئة أخيرة، وأمسكت برقبة الأم وأسقطتها أرضاً "أموت أنا وأنتي يا ملعونة يا بنت الملعون", وربضت فوقها بينما الكواعب الأترابا يلهبن ظهرها بكل ما تصله أيديهن، حاولن رفعها من فوق أمهن، لكنها رفعتها معها حتى أوشكت على خنق المرأة الضخمة التي كانت تصرخ صراخاً وحشياً صراخ الموت، ولأن المعركة كانت شديدة فقد طار الغبار وعلا الصراخ والغرغرات والسباب والشتائم، فأخرجت نساء الحارة رؤوسهن من النوافذ، وعندما أدركن خطورة الموقف هرعن جميعاً إلى الشارع، ويبدو أن وقوداً جديداً قد انصب على نار المعركة، فقد أنقسم النسوة إلى فريقين، فريق يؤيد جدتي، "يا قحاب أربع نسوان كل واحدة تشتي حمار يكرضها على عجوز.. والله ما يوقع هذا", وشمرن على سواعدهن وغطسن في المرجل الكظيم، أُنتزعت الضخمة بصعوبة من بين براثن جدتي وتقهقرت إلى الوراء مع بناتها، فأخذت الحمية الفريق الآخر"يا قليلات الخير كانت المرة عتموت وعادكن جيتين تتعصبين" ودخلن المعركة، كانت موقعة مروعة لم تهدأ وتخمد نيرانها إلا بعد خروج الرجال من الصلاة ليجدوا نسائهم في قتال ضار، وحينما شعر بعضهم بأن زوجته قد أُوجعت ضرباً، اعتدى بالضرب على آخريات فصرخن بدورهن بأصوات تفطر الأكباد، "يا زوجي زوجاه.. ويا جملي جملاه", فأُمتشقت الجنابي والتحمت الرجال، أتصل بعضهم بالشرطة العسكرية فأتت سياراتهم تحرث الأرض حرثاً، كانت العواقب وخيمة، فقد أٌسعف البعض وحبس البعض الآخر أما النساء فقد طلقت ثلاث والبقيات ضربن ضرباً أهتزت له الحارة أياماً عدة، أما أنا فقد وصلت إلى المسجد والصلاة في بدايتها فقعدت انتظر، ويبدو بأن النوم قد أخذني، ولأن جدتي شديدة الذكاء فقد عادت إلى البيت مسرعة بعد أن رأت خروج الرجال من الصلاة لإعداد العصيد لزوجها العجوز الذي حينما علم بدور جدتي في المعركة أحال البيت إلى جحيم فوق رأسي ورأسها.. أتدرون ماذا صنع بجدتي المسكينة.....
افتحوا أذانكم واستمعوا............................!!!.
  المأتــــــــــم 

لم أكن قد رأيت جدتي تبكي من قبل لكن ذلك اليوم كان مختلفاً، وصلها الخبر بعد العصر، كانت قد جهزت مداعتها ووريقات القات لأخذ استراحتها اليومية, بعد أن أنهت كافة واجباتها تجاه زوجها المتبرم، كان حنوناً معها تلك العصرية على غير عادته، كنت أشعر أنه يود مصارحتها بشيء خطير، عندما عاد إلى البيت بعد الصلاة لم يطلق أوامره المعتادة, "يامره لتي التتن وجهزي المداعة وأدي طاحون القات و....و....", كان رقيقاً تعلوه مسحة حَزن عميقة، كان عظيماً في صبره، لم يأكل كثيراً سألته جدتي ما به "أيش فيك اليوم يا حاج", لم يرد بل نظر إليها مغرورق العينين وقبلها على جبينها، أول مرة أراه يفعل ذلك، بعد صلاة العصر ذهب إلى غرفتها، خمس دقائق بالضبط حتى سمعت صوت جدتي يشق عنان الصمت، كان صوتاً محروقاً كما لو أنها تهوي من حالق، وسمعت تلك الكلمات التي جعلتني أبكي حتى قبل أن أدرك ما الذي حدث بالضبط "ياولدي ولداه.. يا حيدي حيداه"، وبكت كان بكاءً مريراً، خرج جدي من عندها عابس الوجه لم يهتز إيمانه شعرة واحدة "أتقي الله يا حجة وأحمديه على كل حال", لم أفهم الحكاية جدي يدخل إلى حجرة جدتي، جدتي تطلق بكاءً يهز الحارة، نساء الحارة يتوافدن لذرف دموع المجاملة، ومن خلال البكاء وثرثرة النساء علمت ن ابن جدتي الوحيد قد مات، مات شاباً مخلفاً والدين عجوزين وأربع أخوات، لم أعرفه أبداً، كان يعمل وراء البحر في بلاد يسمونها مريكن، كان شمس جدتي والقمر وكل رأس مالها. أنتهيت من البكاء وخرجت إلى الشارع للتسكع بينما صوت جدتي الجريح يحاصر الحارة من كل الاتجاهات.
ديربورن – خريف 98
 

 

حكايــــــــــة الحــــــــــرب


     فجأة قامت الحرب من مكانها وأصبحت الورشة ساحة ملائمة للعراك، أخذ عبدالله يكيل الضربات إلى زميله الأسود حتى أوشك أن يقتله, مستعيناً بلوحٍ خشبي مليئ بالمسامير الصدئة، ولأن الضرب قد يؤدي إلى قتل الرجل الضخم الجثة، فقد تدخل صراخ النسوة القريبات من موقع الحادث ليجعل بقية العمال في المواقع الأخرى يدركون أن ثمة شخص يوشك على ملاقاة حتفه، فهرعت الأمة السوداء وأثناء ركضهم إلى الموقع الذي يصنع فيه الفتى عبدالله بجنون أحمق مشروعاً صغيراً للقتل، استيقظت أحقاد الشعوب فعقدوا العزم دون تفاهم مسبق على فعص الولد عبدالله وهي فرصة جيدة كذلك لتمرين عضلات الشحم التي يرتدونها، وأيضاً لإظهار مدى بأسهم أمام عشيقاتهم، ولأن الحظ دائماً أعور فقد تدافعت أمة أخرى باتجاه الموقعة، تجلدهم مرارات الغربة وتاريخ عريق من القهر في تلك الأوطان التي لفظتهم، وعقدوا النية دون اتفاق مسبق أيضاً على الدفاع عن اللعين عبدالله الذي أدخلهم دون رغبة في معمعة معركة لا يريدونها.
والتقى الجمعان بينما الوغد عبدالله لا يزال بهمة يحسد عليها عاكف على إتمام مشروعه الصغير لتحطيم الضحية التي علا صراخها، بالطبع استخدمت واستحدثت أسلحة متعددة الأغراض، قطع أخشاب، ألواح معدنية، قوارير زجاجية، حتى أوشك الرجال على استخدام السكاكين وربما مسدساتهم التي كانوا يحملونها خفية، والنساء يولولن ويصرخن ويلطمن خدودهن اللماعة، لم يشددن شعورهن، لأنهن انفقن مبالغ باهظة للعناية بها وجعلها تلالاً غريبة من شعرٍ اصطناعي.
هرع مسئولي الورشة الكبار عاقدين العزم هم أيضاً أو ليسوا مسئولين, على إظهار مدى شدتهم مع عمالهم، لكن لم يلتفت إليهم أحد، بل أن أحدهم قد حاز على لكمة غادرة هشمت أنفه وأسالت دمه الغالي.
حينئذً لم يعد بُد من استدعاء البوليس الذي حضرت منه أمة مدججة بلوازم قمع الفتنة، عاقدين العزم هم أيضاً ولم لا على الرفس في المؤخرات والضرب بهراواتهم الحكومية في الأعناق وهكذا كان، لكن هذا لا يعني بأنهم خرجوا سالمين فقد أقعدت أحدهم رفسة محكمة أصابته في خصيتيه وأطارت الشرر من عينيه، حتى أنه فكر للحظة بأنه سيقدم استقالته من سلك البوليس وينتحر لو أنه خرج بخصيتين معطوبتين.
سُحب عبدالله الفأر الشرس من قفاه ورُكل في مؤخرته إلى قلب زنزانة ضيقة وبقي ليلتين، وأُخذ الموشك على الموت إلى المستشفى وطرد بعض العمال من العمل وأوقف آخرين، وتوقفت النسوة عن شد شعورهن، كُن قد أقدمن على فعل ذلك عندما طال وقت المعركة رغم تدخل البوليس، وفقد البعض أسنانهم، وتهشمت بعض الأنوف ولاحت بشائر القتل.
هدأ الوضع تماماً وأُستأنف العمل وكل يلعق جراحه، مقسمين برؤوس أمهاتهم بأن المعركة القادمة ستكون أشد هولاً ورعباً، ولا رحمة فيها حتى وأن أقدمت النساء على نزع أطقم أسنانهن ورموشهن الاصطناعية.
 
 

أعني .. عفواً أهذا هو أنتي كاثي

وحدث الأنهيار الكبير، أطلقت كاثي مفرقعاتها في وجوهنا دفعة واحدة،كاثي المرأة الوقورة التي لا تتكلم إلاّ من أنفها إذا كان مزاجها رائقاً، أكثرت من إرتداء إلـ"ميني جيب" والسترات القصيرة الكم، القصيرة جداً حتى أننا كنا نرى أثر الحلاقة في الأبطين، أما عندما تجلس وتضع رجل على رجل، فيا للكارثة، كنا نرى بكل وضوح سروالها الداخلي فنعوي بالضحك، "أوه GOD" يا إلهي، أرفع صوتي بقصد لعين، كم أنتي رائعة يا كاثي، لا ترد، تبتسم، ترمقني بنظرة ماكرة، نظرة لا أدري لها معنى، لا أستطيع تحمل كل هذه الفتنة، تنظر إليَّ بريبة وكأنها تسأل نفسها هل أعني ما أقول!
كل يوم تأتينا بصبغة شعر جديدة، مرة باللون الأصفر الغامق، أو الفاتح ومرة بالبني أو الأسود، ترتدي ثياباً ضيقه حتى أنها لضيقها لا تكاد تقوى على المشي، سراويل جينز من تلك التي ترتديها الفتيات المراهقات، تنورات ملونة، تذهب عميقاً جداً جداً داخل الفخذين، الذي يراها من بعيد يصاب بالجنون،لكنه عندما يقترب منها مندفعاَ للغزل يصاب بحرج عظيم فيتلعثم ويناله دش بارد, عندما يشاهد وجهها وقد مزقته أنياب السنين، فكاثي إمرأة جادة في التقاط طرائدها التي قيل بأنها تسكرهم أولاً قبل أن تسلمهم جسدها المكرمش، فمن هو ذلك المجنون الذي يذهب إلى تلك التخوم بوعيه. كثيراً ما اصطدم بها زملاء عدة في طرق الورشة التي نعمل فيها فيعودون محمري الوجوه من شدة الخجل بينما أنا أنعب بكذبي الدائم، أوه يا إلهي كم أنتي مغرية يا كاثي!!!.
 
 

الأعمــــدة

زمان عندما كنا أقصر أجساداً، أقبل رجال ترتسم الجدية على وجوههم، وقاموا بحفر بعض الحفر وزرعوا فيها أعمدة صفراء، كانت أربعة أعمدة وفي رأس كل عمود، وضعوا ثلاث شموس ملونة، حمراء وصفراء، وخضراء، زمان عندما كنا أصغر أعماراً، حطت الطيور عليها تلك الهامات الملونة، وفد الآباء لمشاهدتها وازدحمت الناس، وحُددت الأوقات، من الصباح الباكر وحتى الظهر للأطفال, ومن العصر وحتى وقت الغروب للنساء، وبقية الوقت للرجال. كانت أربعة أعمدة مدهشة غيرت تاريخ حارتنا، وبدأ الآباء يقسمون بالأعمدة، وبدأت النساء العواقر يقدمن العطايا للأعمدة لفك السحر عن أرحامهن، وكذلك العميان كانوا يتمسحون بها طلباً لإبصار جديد. تغيرت أجندات التاريخ وصار لحارتنا تاريخان، تاريخ قبل الأعمدة وتاريخ ما بعد الأعمدة، هطل المطر بغزارة، هربت ناجية العوراء مع عبده الأدوع، حبلت امرأة عاقر بعد انتظار طويل، شفي مجنون عندما أتته الأعمدة الأربعة في المنام وطهرته بأشعتها الملونة، نطق الحديد والبهائم، رتعت الوحوش في أزقة الحارة يرتسم السلام على وجوهها الحيوانية، صار للغراب ريشاً ملوناً وللحمير أصواتاً جميلة، تنافست الأمهات في أطلاق الأسماء على مواليدهن، أسماء الأعمدة، تخصص البعض في كتابة سيرة الأعمدة، أنتشرت الأنهار، كانت أربعة أنهُر، أرتًّد خلق كثير عن ديانتهم الأم، وتحولت إلى عبادة الأعمدة، فزاد الخير ورخصت المهور، لم يعد ممكناً الدخول إلى الحارة إلا لأصحابها وسكانها، ومنذ ذلك العهد ونحن نعيش زمن الأعمدة.
 
 

المجنــــــــــــون

أقبل بقامته الشاهقة، رأسه كانت بين السحاب حيث يسكن المطر، المطر المختبئ في شعره والبروق والصواعق، في قدميه تجلجل قيود حديدية وفي يديه وعنقه، تلاحقه الطيور كما لو كان أحد أفراخها، وثمة عسكري قميء يسوطه من الخلف، "أمشي يا مجنون". كان يتقدم ببطء تحرقه ضحكات الناس، هرعتُ لمشاهدته، ولرؤية وسامة المجنون فيه، كان شاباً أخذت "صياد" عقله، أسرعت تجاهه أريد رؤيته عن قرب، ومن فرجة صغيرة بين جمهرة الناس المحايدة، نفذت، وجريت صوبه، تعثرت ووقعت عند قدميه، سكت الناس عن ضوضائهم وخرسوا عن الضحك، تجمد العسكري مكانه، ومن عاليه البعيد هبط المجنون إلىًّ، ثلاثمائة عام استغرق هبوطهُ، رفعني عن الأرض، أزال عني التراب صامتاً محزوناً، عندما التقت عيوننا ببعضها، رأيت في عينيه مروجاً واسعة وسواقي وعصافير، ورأيت ما يسمونه البحر.

 
 
   

  

 

أشياء خاصة


 
تلك  الأيام

كم كان الماء منعشاً في تلك المواجل ( )، خصوصاً بعد هطول المطر مباشرة, حينما كُنا نغطس فيه بأجسادنا الصغيرة التي تشبه أجساد الأرانب البرية, التي كثيراً ما قمنا باصطيادها وسلخها وشيّها بعد أن نضرم النيران بين الأحجار. كانت تلك الأيام لا تأتي إلاَّ مرة واحدة في السنة، أيام العيد الكبير، كنا نخرج جماعات لرعي أغنام العيد، لم يكن هناك مدرسة أو غيرها، مجرد أطفال يستقبلون العالم بضوضائهم البريئة. الوقت علاّن( ) والناس منشغلون بالحصاد ومنذ عرفت نفسي والحصاد حنطة بيضاء ليس غير ذلك أو ذرة صفراء. كنا جياعاً لا نكاد نشبع ومع ذلك كانت الحياة تعني لنا الشيء الكثير، لست أدري ما هو ذلك الشيء على وجه التحديد.
كانت "جُبْنْ"( ) تبدو مثل عروس من قصب طري، محاطة بالاخضرار من كل جانب، وكنت أعجب بنفسي عندما أتسلق تلك الجبال الشاهقة لأستمتع بمشاهدة مدينتي الصغيرة من علٍ، وعندما تهلُ ليلة العيد نكون قد أعددنا كل أدوات الاستقبال، ونبدأ بالصياح والتهليل والتكبير بعد صلاة المغرب مباشرة، "عيدنا باكر.. عيد العساكر.. يا هيييه".
في ليلة عيد تلك السنة البعيدة لم يكن منتصف الليلة المشئومة قد انتصف بعد، حتى سمعنا دوي انفجار يصم الاذان حطم زجاج النوافذ، وجعل كل من في المدينة يهرع لمعرفة مصدر الصوت, لم أحزن عندما وجدت نفسي في مكان الحادث، لا أدري أي قوة قذفت بي إلى هناك، جثة صديقي مسعد كانت مشوهة تماماً هو ووالده، لم أعرف أنه مسعد إلاّ من كلام الناس الذين ربطوا ما بين لحم الحمار الممزق، وبعض العلامات في جثة الأب وجثته. كان علاناً محزناً تلك السنة فقد فقدنا أحد زملائنا وهو المشهور بالمكر والشقاوة، كان مهرج الشلّة وهو الوحيد الذي كان يمتاز عن البقية بالجسارة والإقدام، فهو صائد الثعابين رقم واحد، وهو الذي كان يوقع بالثعالب في شباكه، "..تقولوا من الذي وضع اللغم لمسعد ولأبوه يا رجال"، كنا نتساءل ببراءة الصغار وخوفهم، فيأتي الجواب واضحاً "هُم"، لكننا لا نستطيع ذكر أسمائهم, "مَنْ", يسأل أحدنا بشغف غاضب يود معرفة الفاعلين، ننظر في عيون بعضنا وكأننا نتفق على إجابة واحدة مسبقاً، "ما فيه غيرهم.. المخربين"، كانت كلمة المخربين تعني لنا الناس القساة الذين يزرعون الألغام في كل شبر ولا يعرفون حتى أمهاتهم، كنت بعد تلك الحادثة كلما حاولتُ تسلق الجبال وصعودها تنهرني أمي "لا تصعد إلى الجبال يا حمار والإ فسوف تلحق بصديقك مسعد". أصبحنا محاصرين في كل تحركتنا وتجمعاتنا، فلم نعد نرعى الأغنام كما كانت العادة، وبدأنا نسمع الكبار يتحدثون عن "المقاومة"( ) ورئيستها حليمة، تلك المرأة التي لم أرها أبداً والتي صارت أسطورة تتناقلها الألسنة عبر الأغاني، "مقاومة والريسة حليمة". ذات ليلة أتاني مسعد في المنام وأخبرني بأنه في الجنة وأنه يلعب مع بنات الحور، وحينما أخبرته أنني أريد أن أذهب إليه، رد خائفاً "لا... أولاً يجب أن تموت، والموت موش سهل"، فأخافني ذلك. كانت الأيام التي تلت الحادث رتيبة مملة لا جديد فيها، حتى العيد لم نخرج فيه "دوره"( )ولم يطاردنا "النمير"( ), الجميع كان خائفاً حتى أتى ذلك اليوم الذي أطبقت فيه حليمة ورجالها على المدينة وحاميتها الحكومية الصغيرة, كان هجوماً كاسحاً ومقاومة شديدة، لا أدري كيف وجدتني أهيم في الشوارع بين لعلعة الرصاص. كانت الجثث في كل مكان والدم يخضب الجدران وأنا أبحث عن حليمة لأسألها لماذا قتلت صاحبي مسعد!!!
 
 

قصة شارع منسّيْ

من هُنا تخرج الجنائز المنسية سلفاً وفرسان السبت، ورجال الليالي المشرعون للقتل وجلسات القات المهرب والجاف، ونساء الشوارع الرخيصات اللواتي يتصيدن المسنين بعد ذهاب الشمس، وأولئك الذين يتصنعون الجنون بأكلهم لبرازهم أو النباح مثل الكلاب، والصراخ بأصوات وحشية لا معنى لها إلا تأكيد صفة الجنون عليهم، إطلاق اللّحى الكثيفة ولبس الممزق من الثياب، كي ينالوا رخصة التقاعد عن العمل، واستلام معاش المعاقين عقلياً والعيش بما تبقى من عقل بعد ما سلبت أدوية الأطباء أغلبية مداركهم بقية العمر.
الجميع يحترف حرفة الكذب، الشباب منهم أتوا المواصلة العلم والدراسة، يقسمون على ذلك برؤوس جداتهم، لكن سرعان ما يتجهون إلى أقرب مطعم للعمل في غسل الصحون، أو إلى ورشات الضنك الحديدي التي لا تصل أجورها إلاّ بالكاد إلى سقف الستة والنصف من الدولارات في الساعة. وحده مقهى الشارع المفتوح ليلاً ونهار سيتقبل الجميع, بائعي المخدرات ذوي السلاسل الذهبية الضخمة والأساور وخواتم الألماس، والعاطلين عن العمل وفتوات آخر الليل، وصائدي الفتيات الساذجات بدعاوي الحب، ثم فضحهن أمام الأصدقاء وغير الأصدقاء. أربع وعشرين ساعة والباب مفتوح للعب الورق والقمار، وبيع المخدرات والمسروقات وشرب البيرة، والمعارك الضارية التي تنشب بين الحين والاخر لأسباب تظل مجهولة، "أعرني صديقتك وسأجعلها تنساك من أول طعنة"، تَحَدًّ مكرور يتلفظ به الفتيان حليقوا الرؤوس، على طريقة الملاكم مايك تايسون، فينساب مخلوق الضحك في أزقة الشارع الموحلة مثل مارد ضرير لا هوية له، "كلهنّ عواهر ولا يمنع من الاستفادة منهن في أوقات الأزمات"، أحاديث يرددونها فيما بينهم وهم يواصلون اللعب، ويكوّمون الدولارات أمامهم تلالاً صغيرة خضراء اللون لصاحب الحظ الوافر, في إحدى الزوايا العارية ثمة دكان تطرقه الأقدام كثيراً قبل الساعة السابعة مساءً موعد إغلاق آلة القمار, أقدام الباحثين عن حلم الثراء في ضربة حظ قد تأتي ذات صدفة، ضربة الحظ التي ينتظرها المسنّون قبل غيرهم والذين يقضون أوقاتهم في الصلاة ولعب القمار، ومراقبة كائن العُمر المتسرب من بين الأصابع، وتمني العودة إلى ذلك الزمان البعيد الذي تركهم وحيدين على أعتاب القبر.
الزمان المستحيل العودة لإنقاذهم من رتابة الخاتمة والقهقهات الجوفاء والأفواه النظيفة من الأسنان ورائحة التبغ وحموضة الكحول في الأكباد. كانوا أكثر شغفاً بالحياة وتمسكاً بها، ولذلك لم يكن مستغرباً أن تكون لأحدهم خليلة صغيرة تعيد الشباب إلى جسده المكرمش وروحه المتصدّعة رغم وقاره وتدينه، أو أن يضبط أحدهم بالجرم المشهود في ناد ليلي بعيد لا تدري من دلّه عليه، أو...،أو.....،! أحداث سريعة التتابع مذهلة الإدهاش، "ألعب لك جني معمم من هونج كونج", يتماحك المسنون أثناء لعبهم للورق بخبث قديم. البصاق في كل مكان والفتيات غاليات المهور، يتأوهن من غرفهن المغلقة كلما تخيلن قامات زملائهن شديدي الوسامة والنظارة، في الجامعات أو الهاي سكول. وتيرة رتيبة لحكاية شارع منسي، حتى يأتي وقت تفر فيه إحدى الفتيات مع أحد عشاقها,حين ذلك تشتعل الألسن بالسباب والشتائم على رؤوس جيل لا تعرف الفضيلة طريقها إلى قلوبهم تفرح قلوب، وتتحطم أخرى، بعضهم غلاً وتشفياً وآخرون يتمنون لو أن لأرض تنشق وتبتلعهم بعد ما حدث، ثم يأتي دور النسيان ليَلْتَهم الحكاية من أولها إلى أخرها مبقياً نتفاً صغيرة تظل عالقة في الأذهان للذي حدث لزوم الذكرى، يشب الأطفال سريعاً عن الطوق... فإذا بهم يملأون الشارع ضجيجاً وحروباً.
 تأتي الجثث إلى المسجد تباعاً، جثث أشخاص صادفتهم بغتة المنية، فخلق الموت منهم أعجازاً خاوية وكأنهم لم يكونوا ذات يوم مضى وانقضى؛ ذلك الذي خانه قلبه وآخر كان محظوظاًَ ولم يصب سوى بطلقة بين عينيه أثناء مداهمة القتلة للمحل الذي يعمل أجيراً فيه من أجل بضعة دولارات، وبعضهم بلغ به العمر عتياً حتى أكرمه الموت بزيارته المتأخرة.
"فؤاد" يلعلع بصوته من سيارات فارهة "تم الجميل يا جميل"( ). يقودها فتيان الليل والصفقات السرية، والمسدسات تحت الأحزمة والأجساد الضخمة و"واتسب براذه"( ), وسلام الأصابع الخاطف. شارع تلفه غلالات دخانية خفيفة لها رائحة كبريتية حارقة، تنبعث من "فورد"( ) المنتصب في آخره مثل قلعة مهجورة، وأيام لا لون لها، فقدت البهجة، ونفوس مضغوطة توشك على الجنون شوقاً وقهراً. شعور مريع بالفقد يجتاح الرقاب، والنساء العجائز يمرّنّ أقدامهن مع نسمات الصيف وبلل الخريف قبل أن يدفعهن فتى الثلج وكآبة الشتاء إلى بيوتهن المزدحمة برائحة المرق والفساء. فقد هائل لا يُمسّ ولا يدرك لكنه يضج في الأحداق، أرض تصنع حكاياتها بطريقة أخرى لم يألفها سكان الشارع في وطنهم البعيد، حكايات الصعود والهبوط للناس في مصارعهم وأقدارهم العبثية التصاريف، وقصص المغامرين والساعين إلى المال بأي الطرق الممكنة وغيرها، وحدهم القادمون الجُدد يتملكهم شعور مصطنع برفض ما يجري أمامهم، وبرفض الأرض والتبرم من أبناء جلدتهم الذين لم يكتشفوا من أمريكا بطولها وعرضها إلاَّ زريبة الدجاج هذه، لكي يشموا رائحة ضراط المرحوم هنري فورد، مع أنهم صنعوا المستحيل وأراقوا ماء الوجوه وباعوا الغالي والرخيص، لأجل الوصول إلى أم الدنيا كما كانوا يسمونها، ويبدأون في طرح نظرياتهم العديدة، "حيث الخبز يكون الوطن". كلمات كبيرة ينسونها بعد أول سنة حينما تنهشهم ديدان الحنين إلى أرض بعيدة لا تمحو غبارها من رئاتهم أمطار التاريخ، رغم النساء الرخيصات اللاتي يتم اصطيادهن من شوارع اللذة وأرصفة البيع والشراء. يحدث أن لا يعود أحدهم ويصبح في عداد المفقودين إلى أن يموت، يحدث أن تظل أم قروية ساهرة ليالٍ عديدة قاهرة الطول في قريتها النائية، تنتظر عودة فلذة كبدها الذي لن يعود، تناجي النجوم والقمر والليل الطويل وتسأل الله أن يحفظ الغائب، ولا شيء في الكون يطفئ نيران الخوف والشوق الأبدية بين الضلوع. وحدهم مجانين الشارع الذين كانوا زينة الشباب ذات يوم وفتوات عصرهم، يمضون إلى حيث لا يدرون لا يلوون على شيء كثيرو تناول القهوة ومج لفائف التبغ لا تلتفت إليهم عين، أثناء مشيهم بين الناس ذهاباً وإياباً وهم يحدثون أنفسهم، ويمشون مشيتهم الغريبة لا يؤذون أحداً، يحركون أيديهم ورؤوسهم بإشارات غير مفهومة على مدار السنة لا يتغيرون، نفس السحنات، نفس الإنكسارات المرتسمة في العيون. رجال لم يعودوا كما كانوا أول الدهر.
"من كان يصدق أن ذلك العجوز الطيب سيموت بين فخذي عاهرة ألتقطها من الشارع وهو العاجز وكبير السن و....الحاج"، حكاية أخرى من حكايات الشارع التي لم تعد تثير الدهشة أو الاستغراب "وقف قلبه وهو يرهز وتركته القحبة ميتاً شاخص العينين فاغر الفم، وهربت ولم تُكتشف جثته إلا بعد أن فاحت رائحتها الكريهة وزكمت الأنوف، وملئت كل غرف الفندق الرخيص الذي كان يسكن فيه". كانت صدمة موجعة اجتاحت الشارع، عن ذلك الذي كان يصلي الفجر حاضراً ثم مات مثل كلب عجوز بين يديّ عاهرة قاسية الشبع. كانت حكاية الموسم حتى أتت حكاية الكنج، وهو شاب لم يبلغ العشرين، ضخم الجثة تبدو عليه رقة متكلفة، يتقلد السلاسل والخواتم الذهبية الغالية مثل أمراء العصابات الذين نشاهدهم في الأفلام. كان يأتي بقصة شعره الغريبة، شعره البُني الذي كان يعقصه إلى الوراء مثل فتاة عذراء، لا ينظر إلى أحد ولا يلقي السلام. كان موضع حقد وحسد كل أهل الشارع بسبب كبره الشديد. كان ملعون السيرة مهاب الحضور، عندما يجلس إلى مائدة القمار لا يهمه أن يخسر بضعة مئات أو آلاف من أوراق أونكل سام الغالية لزوم التسلية ويركب عدّة عربات حديثة الصنع. كان شديد الذكاء والمكر يلعب ببطاقات الإئتمان والادخار بمجرد أن يشاهد الرقم، وبعد ذلك تأتي الألوف المؤلفة، أسطورة حديثة السن كانت تسير على قدمين يرافقنه فتيات رائعات الجمال يشبهن لعب الأطفال، فتيات تخرج التأوهات محروقة من صدور الرجال حينما يرونهن معه، حتى أتى اليوم المشهود وأقبلت حشود البوليس إلى المقهى وأخذوه مكبلاً ذليلاً تلاحقه عيون الشامتين الذين بالكاد لا يعرف أحدهم، لكنه لم يبك أو تبدو عليه إمارات الجزع أو الخوف.
علم الشارع بأكمله بقصة القبض على الكنج، حتى سادت على غيرها من الأحداث والأخبار والقصص، وأنقسم الشارع إلى قسم يتحدث عن استحالة خروجه من السجن إلى يوم يبعثون، وقسم آخر أقسم بشرفه وحياة أمه الغالية أنه سيخرج قريباً. حدثان ناقشهما الشارع باستفاضة وإسهاب، حكاية الكنج المقبوض عليه وحكاية كلينتون وهل سيقوم بضرب صدام حسين مجدداً, أم أنه بنزواته الرئاسية التي تدفع هيلاري إلى الجنون مشغول بما هو أهم من صدّام وقصفه وحصاره وسقط مغشياً عليه أمام سطوة مونيكا التي لا طاقة لأعتى الرجال قداسة وتديناً بصدها.
مات المُسن موتته المخزية التي لم يقصدها وهو الذي كان قد تزوج بفتاة في عمر أصغر بناته، والتي كان يقضي معها شهوراً معدودات، ثم سرعان ما يفر منها قبل أن تهلكه وهي الشابة الفائرة الرغبة والجسد. "هرب من تعب الحلال ومات موتة الحرام", جملة مشتركة ترددت على شفاة الجميع، دفن العجوز ودفُن عاره معه إلى الأبد واللعنات تشيعه.
في حياة الليل المدهشة لعل رجال الشارع الصغار بحكم صغر سنهم كانوا الملعونين أكثر من أقرانهم الوافدين، حينما يدخلون الشارع في فتوحاتهم اليومية بعشيقاتهم الحسناوات، اللواتي يُضربن بوحشية إن تعكر المزاج وأمام الملأ، ويزداد كرمهم حينما يأخذهم سلطان السُكر، فيتبرعون بنسائهم الصغيرات للأصدقاء فيتمنعن وهن الشبقات، لكنهن يرضخن في الأخير. "قحبه بدولار واحد... يا بلاشاه"، لا يُعرف الكثير عن أولئك الذي أدركتهم نكبة الأيدز، فينطوون محطمين وحيدين في غرفهم مثل الممسوسين وكأنهم لم يعد لهم وجود, حتى عندما يدركهم الموت في زياراته المتكررة، يتم شحنهم في صناديق خشبية صقيلة باتجاه الأبد حيث تتولى الحكومة المحلية نفقات دفنهم، والمحظوظ فيهم من وجد من يصلي عليه ويسير في جنازته.
"يا خلقه الله... إحنا جينا للبحث عن حياة كريمة أم أتينا لنموت مثل الكلاب؟!" يقولها أحدهم حينما يتعتعه السُكر بحكمة مهترئة الفصاحة، وينساها صبيحة اليوم التالي حينما يواصل دورة العناء المعتادة. شارع يصنع حكاياته كل يوم ولا يتوقف، سيدة تحفظ القرآن بدأت تفك مربوط السحر وعمل الأحاجي الشافية والحارسة من العين، بعد أن استغرقتها معجزة مفاجأة فصارت مزاراً لذوي العلل، الباحثين عن خيط أمل ولو كاذب. قراءة المستقبل, قراءة الكتاب، جمع المحبين ليس ضرورياً أن يكون بالحلال، علاج الإدمان والأيدز والبهاق، وقراءة الكف، وكثير من الفتوحات الإعجازية نظير مبلغ زهيد من المال وكل زبون هو وكرمه. فتاة تترك بيت العائلة المحافظة شديدة التدين وتمرغ وجه الأب الفاضل بين الضفع، الذي يمتلك "ليكر إستور"( )، لكي تعيش حياتها العصرية وتذهب للعمل في نادي محترم للعرايا الفاتنات يدفع جيداً، ويقدر كل التقدير مجهود عاملاته المكافحات، تعري جسدها الأسمر كل ليلة حتى موعد ذهاب والدها إلى صلاة الصبح، وهو الذي أقسم أن يزوجها بأكبر مهر زُوجت به فتاة في الشارع كله والشوارع المجاورة.
"أيوه بنت عرب رأيتها بصحبة شاب أسود قبح الله وجهه، وحينما عرفتها بنفسي تركت "النايت كلوب" وغابت مع عشيقها، كدت أموت من القهر، عربية مع عبد.. يا عاراه"، كان الفتى يحكي لأصدقائه قصته وهو يوشك على البكاء.
كبُر أطفال الأمس وشبوا عن الطوق، وأنخرطوا في الليل الطويل وتسكع النهار الممل، زاروا السجون مدداً متفاوتة، هتكوا الأعراض وانتشوا بالكوكاين وما تجود به حقول كولومبيا من حشيش ليس له شبيه, تقوم برعايته "كارتيلات " ثورية الصويا وشيزوفرنيا التانجو  وتماسيح السامبا. كانوا رجالاً جوف شكلوا عصاباتهم ليواجهوا بها عصابات الشوارع والأحياء الأخرى، تساقط قتلاهم وقتلى الآخرين، كانوا قساةً إلى حدٍ جارح ومبكي يبدون أكبر من أعمارهم الحقيقية، معدنتهم حياة القتل والسلب والنهب حتى بدؤوا  يتناقصون فرداً فرداً. "أين ذهب الرجال؟"  كانوا يختفون مثل فصوص الملح بين بياض الثلج ولا يعودون، وحدهم كبار السن يراقبون الأحداث لا قوة لهم، يثرثرون عن الماضي الذي لن يعود وعن صدام وكلينتون، يقسمون بالطلاق والشرف والأولاد، تنتفخ عروقهم المتهدلة تأكيداً لما يقولون وأيهما سيسحق الآخر صاحب أركنساس أم يتيم العوجة؟!!
97 -كل الفصول - ديترويت
 
 

الطوفان

واستل عنترة العبسي سيفه الخشبي وأخذ يقارع الأعداء ويجندلهم وأحداً تلو الآخر، وصهيل الأبجر البازلتي أسفل خصيتيه المريضتين يدوي بصوت نكير أفزع به الزوار بقاعة العرض، أكثر من صوت راكبه نعيقاً. ثم تحدث العربان قال الراوي:"قيل أدلاء المتحف المهيب حليقو الوجوه ذوو الابتسامات الناعمة , وعلى حين غرة أصاب سهم قاتل قلبه الضخم فأرداه قتيلاً، بينما وفي مكان آخر من مضارب القبيلة، انْتُزعت بكارة عبلة من بين فخذيها القمحاوين، عنوة.
ملاحظة:
علق أحد الزوار ـ كتابةً ـ في دفتر الزيارات :"إن مشهد الاغتصاب كان بحق مشهداً مبهجاً حقاً ويبعث على السرور".
كالبرق أخذ الصمت يزحف جاهداً فوق الأشياء ( ) التي تنتظر بفراغها الهائل، متسلقاً قامة الليل متجهاً إلى حيث أتى باستدارة قطرها لا يُحد. من جلبه هلامية لا ترى، له صوت مكتوم يسيل مروعاً في الأذان الحية كالزيت المغلي إلى درجة الصفر، وأذناه الطويلتان تتراكضان في مكانهما ببراءة واستسلام وسذاجة، القمر لم يكن بدراً والنجوم عيون رمداء تشع ببريق معدني منطفئ، وبجوار أذنيه ثمة أذان طويلة أُخرى منتصبة بتحفز، وذيله بين فخذيه ملتو كان وعيناه الكلبيتان فيها يسكن اللاشيء من المبالاة والحذر والذكاء.
***
الرماد بلونه الميت يتربع داخل كل الشقوق والمنافذ في غرفتها( ) المطفأة النور, إلاّ من أمنية تسكنها في أن يتغلب فارسها على موته ويعود إليها من جديد. [يُقال ـ قيل قديماً في زمن القبيّلة( ) - بأن الضوء الوحيد الذي كان يشع في غرفتها، كما تحدث السلف الصالح ممن سبقوا قريباً بعد أن بسملوا وحوقلوا وتفلوا بوجه الشيطان ما شاء لهم ـ قيل ـ أنّه كان يأتي منهمراً من شلال وجهها الشفوق ويغمر بسناه ظلام حجرتها، ومدينتها كثيرة الكلاب والبواليع المكشوفة والنساء مهجورات الأزواج وراء زرقة البحر البعيد، الشرفاء القليلون، والأطفال الذين عادة ما تثقب مؤخراتهم قبل أن يبلغوا الحلم]. ثمّة دكة حجرية مرتفعة مقدار شبر عما تحتها, هكذا أفاد البنَّاء الذي قام ببناءها قبل وفاته بعدد من السنين مضت, لا يتعدى طولها الأربعة أذرع أتخذتها كسرير تنام عليه بقية عمرها الذي لم تعشه، في انتظار الفارس مبقور البطن، تنهشه الهوام في إحدى المغاور الموحشة. وقال أيضاً البنَّاء لابنه الذي بدوره خبّر عنه: "إذا ما كُتب على أحدهم النوم عليها ـ الدكة ـ فلن تؤذيهَ أرَّضه الأرض ولا ثعابين الشقوق"، وقد كانت هي وليس سواها من أشار إليها دون أن تدري، بينما بعد وفاة البنَّاء بسنين تتعدى عدد أصابع اليدين والقدمين بأرقام كثيرة, نافذة مغلقة منتصف الضياع تُقذف بحصاة صغيرة كإشارة متفق عليها لفتح الباب الموارب، حتى يتسنى لذيّاك الرامي بحصاته وشهوته نافذة المرأة المُغفلة( ) المشتعلة بالحنين وحمى الرغبة والخيانة، أن يشبعها من معينة الحارق وشفتيه الضامئتين للعق والفحيح.
***
كانت "صياد"( ). في منفاها العالي قد اشتعلت نواحاً على الجميع دون استثناء، حينما رأت الوقيعة توشك على الاشتعال ـ مرات كثيرة اشتعلت ـ [بالعودة إلى الأساطير الشعبية نجد أن "صياد" ماهي في حقيتها إلا...؟!!
هكذا قيل في الزمن الماضي وهكذا سكنت صدور الناس هذه المقولة].
***
أُصيبت ذئاب الصحراء بالتخمة، من جراء أكلها للحم الفارس ذبيح القلب، بوخزة سهم انطلق خطأ ـ لم يتفق المحدثون على أصل الحكاية ـ من قوس أحد أفراد قبيلته المظفرة، ولم تعد تستطيع الحركة الذئاب فقد كان لحم المرحوم شحيماً ومشبعاً بالكليسترول, وحتى هذه اللحظة لا زالت عظامه مطمورة في قلب الرمال الساخنة تصفر بثقوبها ريحٌ عاصفة، بينما ظل سيفه غاطس حتى منتصفه في بركة من بول بنات آوى.
***
تقدم مع مجموعة الذيول المشدودة والأعناق المنتصبة إلى اقرب زقاق مظلم، لا يدري بعينيه الساجيتين ماذا سيقابله هناك, سبقهم بهرولته المستأنسة وأقدامه الأربع إلى جوف العتمة، وما أن وطأت قدماه الأماميتان أول الخط الفاصل ما بين آخر الشارع وأول الزقاق حتى ابتدأت مراسم الاستقبال، مراسم لا يدري عنها بجمجمته الكلبية وشحمها النيئ شيئاً [ويقال بأنها كانت تقلد سيرة فارسها العبسي بحذافيرها وتحذو حذو الرجال في كل صغيرة وكبيرة.]
- حاشية:
[لم يشر البنّاء الذي لم يمت في الأصل كما يتقول المغرضون كاتب السيرة ومؤرخها (أُطلق عليه هذا اللقب لحرصه/ طمعه الشديد على تدوين كل ما يدور حوله قبل وقوعه ليتناقل الناس حكاياته، ويتداولون أسمه بحرص) إلى عرجة قدمها اليمنى خوفاً من انتقاص قيمتها أمام العامة، مكتفياً بشرح وصفها الخشن القريبة فيه إلى الرجال منها إلى النساء]
لذلك نُبذت من الجميع، وكان ذلك يفرحها ويؤلمها في ذات الوقت دون أن تدري لماذا؟!!
- معلومات ليست مهمة:
قيل ـ قالوا ـ أن المؤرخ لم يرى العذراء( )" معذرة هكذا كان العامة يسمونها" مطلقاً، لأنه مات قبل ولادتها بزمن ليس ببعيد. انتهى.
- معلومات على المعلومة:
في الحقيقة أن الراوي نفسه كان يتهرب من مقابلة العذراء لسبب لا يدريه، وهذا لا يمنع بأنه كان قد تنبأ بموتها قبل رؤيته إياها، بزمن لا يدريه الراوي؛ أكان ذلك قبل ميلادها أو بعد وفاتها، لهذا لزم التنويه.
***
ولم يخرج ـ قال الراوي ـ قاذف حصاة الليل من بيت الغائبة الزوج حتى الآن، فقد التصقا ببعضهما كما تلتصق الكلاب بمؤخرات بعضها البعض بعد الجماع، وبالتالي فقد كان لقاؤهما عاصفاً له حرارة الجمر، فلم يستطع منها فكاكاً.
- معلومة أخرى:
كان هو الآخر ـ القاذف ـ قد ترك ورائه امرأة تضطرم الشهوة داخلها مثلما الرصاص حين انصهاره، وتغرّب داخل حدود وطنه الضيق بعد أن رفضته الحدود، والتهمت الصدور الجائعة حلمتي صدر امرأته السخية. عندما رفضته الحدود الغربية، وعبست شموس الآفاق في وجهه ـ أفاد بعض الثقات مصحّحاً الجملة ـ أنحدر صوب الداخل عميقاً باتجاه الجُرح، وغادر داره متجهاً صوب الوجع الذي لم يتوقّف، وأناخ راحلته وهمومه بجوار صمت الغربة ونوافذ الراغبات في البكاء على أزواجهن الغائبين، حيث لا يدرين بين ذراعيه الحنونتين ماذا يصنعن .. يبكين أم يطلقن شهيقهن في فلوات الليل.
***
- يا جميلة مَنْ هم في سنك...؟!!
كان الاسم الوحيد المناسب الذي أُطلق عليها قبل أن ترى النور، ولم يورد الراوي في صحائفه واقعة معينة أو سبباً يدلل به على المناسبة التي فيها وقع الاختيار على هذا الاسم دون سواه.
- قد تزوجن وأصبحن أمهات، فمتى( )....؟!!
- لن أتزوج فكل من حولي نساء!
دوماً كان جوابها يأتي قوياً كقوة حبها للقتيل الذي أصبحت عظامه مكاحل للعيون، وصار سيفه قطعة حديد صدئة يُصنع منها حداوات لحوافر الأحصنة المخصية، فكتب عليها ما كتب.
- توضيح:
لم يكتب عليها الشيء الكثير، فقط وحدة طويلة ملطخة بالرماد والوحشة، ووجه مضاء بانتظار الآتي.
***
لا زالت الذئاب تعوي بالتخمة ـ أفادت المصادر الطبية أن سبب العواء النهم هو إصابة الدواب بالكليسترول، لأكلها دون حرص من لحم الفارس المنهوش الملطخ بالنفط ـ ولا تكاد تستطيع حراكاً، لكنها ما نسيت قط مكان جثة المرحوم المنخورة حتى النخاع، وسيفه الذي عضته مراراً ولم تطحنه أسنانها، لا زال بدوره مغروساً في بركة من خرائها الحامض ذي الشعر.
***
مزق عواؤه( ). ستارة الصمت الثقيلة، وأربكته الخديعة والأسنان الحادة بانسعار، أثناء توغلها ـ تمزيقها ـ في شعره الخشن ولحمه المُصمت. قبل أن يخر معضوضاً حتى الموت، تمنى لو أن الأيام تعود به إلى الوراء[لا يعني الراوي هنا "أورية" الأطفال المثقوبة مبكراً، لكنه يعني شيئاً آخر كما قال كتابياً في إحدى قراطيسه التي فقدت كغيرها مع تقادم الأيام]، ليعي معنى الأزقة المظلمة والأذان المنتصبة والأفواه المخروطية واللعاب المسعور يسيل منها، لكنه قبل أن يتم أمنيته كان الموت قد دهمه برائحته القديمة اللاتُرد.
***
مر العمر( ) سريعاً وشاخ أقرانها، وافتتح أبناؤهم وأحفادهم مواخير للثرثرة، وازدادت كثافة رماد السنين العجاف مكتسحة ما أمامها حتى استقرت ذراته الميتة في حدقتيها، وازداد القلب وجيباً والحجرة برودة وعزلة، والندم على انتظار الذي لن يأتي طعناً وتشفًًّ، والجسد نوراً وضياءً، ... لكنها ما انكسرت ولا إلى داخلها تسلل اليأس.
***
كان أنيناً حاداً ذلك الذي كانت الصحراء تقذفه في الوجوه، لم ينتبه إليه أحد، فالسبات كان يغشى بصائر الجميع.
***
عندما وجدوها العذراء نائمة عند الظهيرة  وقارعة حلمها الأثير، ويديها مضمومتين إلى صدرها الضامر وعمرها قد ذرته رياح السموم في سموات ليس لها أبواب  نومتها الأخيرة، بعد تشبعها بتعب الانتظار اللامُجدي، وجدوها مغمضة العينين يمتح الرماد منها ما تبقى من ضياء الجسد، وعلى شفتيها اللتين لم تنقطعا ثانية واحدة عن اللهج بأسم الحبيب الأبدي اللايُرى، أرتسمت بشفافية المطر حين لا يأتي بحزنه المفرح في مواسمه، ابتسامة لم يفقه سرها أحد.
- ما قبل الخاتمة:
الحكاية( )لم تبدأ بعد والظلام لا يزال يغتصب وجوه الأشياء، ونهر القهر مستمر بمائة الصلد يتدفق بغزارة.
- خاتمة الخاتمَهَ:
أغلق الراوي( ). كتابه وقذف به بعيداً، والصمت اللزج في مسيرته المروعة يكمم الأفواه، وفي انتظار ما يأتي لم ينم.
- معلومة مستعجلة:
سُمع الراوي من حيث لا يدري وهو يفسر سبب حرقه لأوراقه، أن الذي دفعه لذلك الفعل الجبان هكذا نعت تصرفه هي تلك العادة البغيضة بحب قذف الآخرين بسوء التأويل والقصد، انسل بعدها هارباً إلى حيث لا يدري، قبل أن تدركه أيدي العبسيين.
- خبر قيل سابقاً:
اعترف الراوي ذات مرة في أحد مجالسه الخاصة بأن كل ما رواه ويرويه ما هو إلا ......؟!!!
فاتحة جُبَنْ 90
                 

 
هل تستطيع القفز عالياً..جان؟!!

كما لو كنا في ثكنة عسكرية نتسابق لإفراغ حشواتنا، ونقف طابوراً متداعياً يمزقه ألم البول بانتظار من سيخرج من الحمام أولاً، مطلقين التوسلات الموجعة للمحظوظ الذي استيقظ باكراً، فيقهقه الجميع بالضحك بعد فهم المقصود، بينما من دخل أولاً لا يعير البقية سمعاً، لم يكن واحداً بعينه، كنا كلنا نفعلها رغم معرفتنا المسبقة بطابور الانتظار. كان بيتاً غريباً يعج بالطوابير، طوابير الطبخ، طوابير الحمّام، طوابير النمل، الفئران، الصراصير تلك المخلوقات المزعجة والجيران المتكبرين، والمشاكسين الذين ينشرون ذرقهم الجامد في كل مكان تطأه مؤخراتهم اللعينة. يأتي جان بقامته الفارعة يمشي ببطء ثقيل مقيد الحركة، "ما الذي أصابها" أسأله بعد تردد طويل، "الحياة جميلة وموت العصب شّل قدميَّ" أجابني وهو يجاهد في تصنع عدم المبالاة، لكنني كنت أرى إنكساراً عارماً في عينيه الزرقاوين، يمشي متثاقلاً بالكاد يسحب قدميه."أتبرز مثل الأطفال في حفاظة تحت سروالي، لأنني لا استطيع الأنحناء، هكذا منذ عشر سنوات، لا شيء جديد، لكن الحياة حلوة رغم ذلك" يطلق حكمته في وجهي ويبتسم عندما أرى الكذب موارباً في رعشة شفتيه حينما يضغط بقوة على كلمة الحياة. البنت اللذيذة ترمقني بعينيها المشاكستين وتبتسم، هل كانت تقصدني بخبثها الأنثوي المحبب, كل صباح نستيقظ فريق منهك عظيم اليأس، ونبدأ في تحريك عجلة اليوم المعتادة بالتسابق إلى المطبخ، كل يحاول أن يجهز طعامه قبل الآخرين، وتبدأ رائحة البصل المحروق تزكم الأنوف، وتجعل الشارع الذي نسكن فيه له رائحة طبيخ لا تطاق، بينما أصوات المطربين تلعلع في سماء البيت المحشورة تحت الخشب المتآكل الموشك على السجود فوق رؤوسنا، كانت أصوات متنافرة، صوت يغني للحبيبة الخائنة والزمن الغدَّار، وآخر يندب ويلطم ويتوجع من نار الحب وسهر الليالي، وثالث ينتحب شوقاً للوطن وراعيات الجبال، كذلك يستمع أحدهم إلى صوت أنثوي متشنج لا يفقه لغته. كنا مثل قطيع في مهب عاصف يواسي بعضنا بعضاً بالكلمات وطبطبة الأكتاف والعناق في الأعياد، التي لا طعم لها ولا بهجة.. "قرفت من هذه العيشة، حياة بلا معنى", جملة تقال في كل وقت. هل هناك ثمة جدار ندق عليه بجباهنا وأرواحنا، كي نجد يداً تنتشلنا من هذا النفق المليء بالصراصير والفئران والضياع."كنت مهندساً معمارياً لمدة ثلاثين عاماً،.."، "والآن.."، أسألة دون أن أرفع راسي إليه يصمت بدوره قبل أن يجيبني مطلقاً تنهيدة سريعة، ثم يحدجني بنظرة زرقاء جامدة لا احساس فيها "كما ترى..رجل آلي"، يسكت فجأة كمن خانه اللفظ، مشيحاً بوجهه بعيداً عني, كنت أدرك بأنه يبكي لكنني لم ار له دموعاً. معارك كثيرة كانت تنشب في بيتنا المليء بالأمم المختلفة والكائنات المرئية والمجهولة, معركة القمامة وتنصل كل فرد من إلقائها في صندوقها، مقسماً أغلظ الأيمان بأنه قد فعل ذلك لمرات عديدة، بينما الآخرين لا يفعلون شيئاً، "وأنا مش عبد أبتكم"، معركة الحمّام والتسابق عليه "لعنك الله أيش من رائحة". في العادة تكون معركة طاحنة خصوصاً إذا ما تخللتها السخرية، "اهلكتنا بالحليب والبيض وهذه هي النتيجة، رائحة تصل إلى آخر الشارع الثاني". بالكاد نَفُضُّ المذبحة، وما هي إلا ساعات أو أيام معدودة حتى تعود المياه إلى مجاريها لكي نختلف ونتعارك مجدداً. معارك مستمرة ووتيرة تدفع إلى القنوط وأيام متشابهة لا حراك فيها أو تجديد. معارك مستمرة، لا حياة حقيقية فيها إلا بما تحمله من مفاجآت تكون في الغالب غير سارة.
كانت لنا ميول مختلفة وطبائع متنافرة، نحاول أن نوفق بينها, أحدنا يعود كل ليلة مهدماً يتعته السُكر، يتصنع المقدرة على المشي دون ترنح، وبالكاد يدخل غرفته المبعثرة الأشياء متصلب الوجه شارد النظرات، دقائق معدودة ثم يعلو النشيج المعتاد، نشيج يحاول أن لا يسمعه أحد، نشيجٌ عميق تقشعر له أبداننا، نشيج مجرد يعبر عنّا جميعاً. نلوذ بالصمت، ننسحب مطأطئين الرؤوس كلٌ إلى غرفته ونحن نتصنع الجلد. هي تدري وأنا أدري أن نظراتنا لم تكن أبداً بريئة، كانت خلفها نيران هائلة من الرغبة من أن ينهش كل منا جسد الآخر بأسنانه حتى الموت. كانت بنت حلوة مليئة بالشهوة التي تسيل من عينيها العسليتين، رغم وقار الحجاب العربي الذي ترتديه، اسأل نفسي متى سوف أنالها  دون تفكير في عواقب الأمور لو ان أمرنا أنكشف لا شك أن مذبحة مفزعة سوف تدور، لذلك كنا حريصين على كتم رغباتنا التي تفضحها العيون ما استطعنا. يقف جان شامخاً أمامي في شكله الذي يبغضه وأنا في ضياعي، مثل رفيقين في درب مظلم لا يعرف أحدهما الآخر،"كنت في شبابي قوياً لا شيء يقف امامي، أجمل النساء زُرن سريري..", أنتظر تتمة الحديث لكنه يتوقف عن الكلام، فأعود إلى عملي لا أتفوه ولا أنبسُ، والأيام تزحف بطيئة لا نحس بها. نفس المشاكل في بيتنا المزدحم بنا نحن المتعبين حتى العظم وجان زميلي في العمل ونظراته المكسورة إلى أشياء تتخذ صفة الخصومة عن عمد وكأن هناك من يقصد ذلك، وحدها نظرات الفتاة المشاكسة كانت تجعل لليوم الذي اراها فيه معنىَّ آخر. نظرة واحدة منها تجعلني أجد سببباً مقنعاً لهذا الشيء الذي أحمله على عاتقي والذي يسمونه العُمر، كنت مثل ترس صغير في آلة ضخمة لا أستطيع التوقف وإن فعلت فسأسحق بلا شفقة. "ذات يوم سأنالها ولتنطبق السماء على الأرض", عقدت النية وقوّيت العزيمة، عرفت اسمها وعرفت أسمي, تواعدنا وكنت جمرة من نار وحين أتى اليوم الموعود، لم تأت فانكسر قلبي وزاد الحرمان من هياجي."هل تستطيع القفز عالياً... جان" سألته جاداً، ابتسم وأخذ ينظر إلى مكان غير مرئي، "ما الذي جعلك تسألني هذا السؤال", كان صوتاً عميقاً الذي استفسرني به "ربما لأنني مؤمن بأنك شخص قوي وقد تفعلها", بذلت جهداً كبيراً في جعل كلامي معقولاً بعيداً عن الشفقة والعطف، أطرق كمن يفكر"من يدري..ذات يوم في المستقبل...ربما", التفت إليَّ بكل قامته وأطلق ضحكة عالية, "ربما ذات يوم", وعاد الضحك. كانت ضحكة قوية صادقة فيها مرارة واضحة. في إحدى الليالي عدت متأخراً إلى البيت، كنت نصف صاحٍ ونصف سكران بعد أن سكبت جمر جسدي في جوف أمرأة تعرفت عليها في ملهى ليلي.
كانت حفلة مذهلة تلك التي أستُقبلت بها في تلك الليلة, أحدهم كان يطبخ طعام غداء اليوم التالي ورائحة الزيت تعم البيت، وثان في الحمّام يحلق ذقنه قبل زحمة الصباح المعتادة مدندناً بأغنية هزلية غير مفهومة، البعض جلس في الصالة يشاهدون قناة الجنس وآخر يؤدي الصلاة، ومن غرفته ذلك الفتى الذي يدركه البكاء كلما أفرط في الشراب كان يعلو النشيج الأليم، لم أنطق بشيء، أسندت ظهري إلى الباب مثقلاً بالهزيمة وأخذت أراقب المشهد في صمت.
ديربورن – صيف 2000
 
 

علاقة

"اعترف يا ابن الساقطة". كانت جملة تجعله يفز مذعوراً من نومه، وحده في الزنزانة الباردة لا يدري له تهمة، يضمد جراحه ويعد أوجاعه، يحطمه شعور عاصف بالضياع, "سامحنا نحن نقوم على حراسة الوطن من المتآمرين، وأنت لا تريد مساعدتنا". كان يستمع إليه بأمل الغريق، صوته يبعث داخله ثقة متناقضة، صوت جلاده الهادئ، ذو الرنة المعدنية العميقة جلاده الذي يتمنى لو أنه يأكله بأسنانه، لكن الصفعات والركلات حينما تتوالى على وجهه وأضلاعه ولا يفيق منها إلا في النزنزانة، كانت تجعله مثل مهبول لا يستطيع التميز بين كرهه وآدميته المهدورة، وبين عدوه الذي يعصف به كل يوم. "رغم كل ما لاقيته على يديك إلا أنني احترمك وأريد مساعدتك فعلاً، لكنني لا أدري شيئاً، صدقني، توقف عن ضربي أبوس رجلك". يستعطفه، يبكي بين قدميه، ويقبل الأرض لعله يرحمه. "وأنا كذلك" وهو يشده من شعر رأسه بقوة محدقاً في عينيه المتورمتين، وبصوت يشبه القتل, "أصدقك لكن الوطن من يدفعني، فحبه أكبر من حبي لأمي ولن أتخلى عنه كما فعلت أنت". لا يستطيع الرد.. أوشك أن يُجن "هل الوطن هو العذاب والسحل"، يسأل نفسه لكن علامات الصدق كانت تبدو واضحة في عيني قاتله, كان صدقاً محترفاً خليقاً بجلاد يداعب ضحيته، لكن عيناه كانتا ميتتين كما لو أنهما قدتا من زجاج. "أشعر بالخجل لكنه الواجب", يقولها في وجهه ببراءة عالية، ثم ينصرف غامزاً لأعوانه بأداء المهمة. "ارحموني جعلت فداء لنعال أمهاتكم", يصرخ بهم مسترحماً قبل أن يحطموه, "إنه الوطن"!!!
شريط القتل اليومي يمر في ذاكرته مثل جنزير من فولاذ على لحم حي، ورغم التعذيب والسحل المتواصلين كان يفتقد وجه عدوه المحقق, كان يحن إليه، ولا يشعر بالأمان إلا بين يديه، مع أنه أقساهم وأشدهم فظاعة وإيلاماً.
والآن في هذا الفجر الذي ليس له اسم، ها هم يأتون إليه، ويجرونه جراً إلى قدره المفجع، وكأنه ينتظرهم منذ أمد بعيد، يأخذونه على وجهه إلى غريمه كمن يساق إلى ساحة الإعدام.
"صباح الخير", يقولها في وجهه دون أن يطرف له جفن، كما لو أنه سيدعوه إلى كوب من القهوة أو أنه سيثرثر معه قليلاً مثل صديق لصديقه، كما لو أنه لن يحدق فيه مثل جزار يتأمل أين سيضع سكينته في الجسد الممزق الذي يرتجف أمامه.
"صباح...!!" لم يستطع النطق بها كاملة، خرجت مبتورة واجفة، لثغاء بعد أن فقد أسنانه, يود البكاء ويأس ما يحرق كبده.
"ألازلت مصمماً على الإنكار؟!!"
"وشرفك...!!" حاول أن يهادنه، أن يجعله يصدقه، هذا الذي بيده مفتاح حياته أو فنائه، لكنه لم يكد يتفوه بكلمته المبتورة حتى ثار جلاده مثل كلب أصيب بمس, "سأريك كيف تظلل العدالة أيها الحشرة الوضيعة"، رغم ثورته وجنونه إلا أنه لم ير عينيه تكدرتا أو رمشتا، كانتا هادئتين مثل كرتين صغيرتين من فولاذ ملون بالبني، جامدتين وكأن صاحبهما قد مات منذ زمن بعيد. نالته الأيدي والهراوات من كل جانب وصراخ بهيمي يدوي في أذنيه، لم يقف هذه المرة بل أنه قاوم بكل الموت الذي كان يعتمل داخله، وأخذ ينوش بيديه العاريتين في الوجوه حتى دهمه خدر صاعق تبعه صمت لا يطاق.
 
 

جــدي

أتذكر تلك الأيام التي كنت فيها أزعج جدي بأسئلتي الكثيرة، خصوصاً بعد تناولنا لطعام الغداء البائس في تلك العصاري البعيدة التي استرجعها الآن كما لو كانت حلماً بعيداً أكاد لا أستطيع إمساكه، كان طويلاً عريض الكتفين، له لحية بيضاء صغيرة كانت إحدى أهم مميزات وجهه الوسيم الذي لم تغضنه عاديات الأيام رغم بلوغه التسعين. كان من عادته أن يتكئ بعد تناول الغداء ويأخذ قيلولة قصيرة، هرباً من إرهاق ساعات الضحى والظهيرة، ومن مشاكل الرعية الذين يقصدونه لحل مشاكلهم المتشابكة، فنسارع نحن أحفاده بنين وبنات، إلى تسلق قدمه الطويلة، لكي نتمرجح عليها, "واحد واحد يا عيال أصلحكم الله", يرفع صوته منبهاً إيانا حينما نوشك على القتال فيما بيننا، كل يريد أن يسبق الآخر. لا تفارقه الابتسامة إلا حينما يحلف بالنبي "والنبي"، فنعرف حينها بأن جدنا قد انتابه الغضب، وهذا لا يدركه إلا في الاشياء الكبيرة التي لم نكن نفقهها، فنلزم الصمت سواءً سمعنا هذا القسم في البيت أو بين الناس، وحينما تكون نفسيته صافية يأخذ يحدثنا عن ضرورة تعلم الصلاة كي يحبنا الله. "جدي هل الله طيب"، "نعم" يرد علي بأناة وصبر، "ويمكن يكون صاحبي؟!!", "أيوه إذا سمعت الكلام ولم تؤذ أحداً". أسئلة كبيرة وطفل لا يمل الثرثرة، ومع ذلك كان جدي يجيبني بيقين. "قال جدي أن الله صاحبي وسيعطيني حلوى"، أخبر رفاقي الصغار مفاخراً بصديقي الذي يمتلك كثيراً من الحلوى.
"جدك كذاب", كانوا يماحكونني ويشككون في صدق كلامي، فأثور في وجوههم بكل صوتي "أمك هي الكذابة يا حسد يا ابن الحسده، جدي لا يكذب والله صاحبي غصباً عليك يا وسخ". كثيراً ما كنت أتعارك مع أقراني حينما آخذ في الثرثرة معهم بخصوص الله. "الله ما يصاحب إلا المصليين وأنت عادك( ) صغير", "أيش الفرق", ابتعد عن المماحكة واسأل جاداً عن هذا الشيء الذي يجعل الله لا يصادقني، "الفرق أنه الله وأنت آدمي مثلنا"، "يعني قصدك أن الله ليس مثلنا" أسأل ذلك الصغير المماحك، "لا", يجيب، "ليش"، "لأنه الله"، ومع ذلك فقد كنت أحب الله الذي يحدثني عنه جدي، فقد كنت أتخيله يمتلك جراباً هائلاً بحجم السماء ممتلئاً بالحلوى، ولذلك فقد كنت أصلي له كي يحبني ويعطيني من كيسه الكبير. كنت أعتقد بأنه يحبني ولا يمكن أن يؤذيني، حتى عندما كان بعض أقراني الذين يكبرونني يقومون بضربي، كنتُ أهددهم بأنني سأشكوهم إلى الله ليدخلهم النار. كنت أذهب برفقة جدي إلى المسجد ليعلمني أصول الوضوء والصلاة، وذات مرة تزحلقت بطحالب البركة ذات الماء الأخضر وغطست في الماء مثل حجر صغيرة, لأول وهلة لم أدر ما أفعل، ظننت بأن الله سيرسل أحد ملائكته لينتشلني من تلك البركة اللعينة، وحينما أمتلأ جوفي بالماء، صرخت بجدي الذي أنتبه لصراخي، فقفز بكامل ثيابه لإنقاذي، ولم أدر بنفسي إلا وأنا في حضن أمي التي كانت تبكي بحرقة. فتحت عيني لأرى جدي يبتسم لي بحنان" كم مرة قلت لك أن لا تقترب من البركة وحدك يا شقي", أخذني بين ذراعيه وقبلني على وجهي فأجهشت بالبكاء.."كان الله شايشلني( ) يا جد وأنت الذي قلت لي أنه يحب الجهال". لم تفارقه ابتسامته المطمئنة "لو أراد أن يأخذك لفعل لكنه أراد أن يحذرك من البركة". كنت قد عرفت بأن الحلوى التي كان يعطيني إياها الله كما كان جدي يخبرني بذلك، تذهب حلاوتها بمجرد أن يشاهد المرء وجه الموت، فصرت أخاف الله أكثر من حبي له.
كنت أنمو ببطء بينما ظل جدي كما هو منذ عرفته لا يتغير، وكنت أتساءل هل يقدر الموت عليه، وهو الرجل القوي الذي يصادق الله ويطيعه. كنت أرمقهُ بعين الإعجاب والحسد،.. "جدي لا يموت" أغيظ أصدقائي خصوصاً الذين مات لهم قريب. "من قال لك هذا"، كما هي عادتهم كانوا لا يقرون ولا يصدقون ما أقوله لهم أبداً, "أنا", أجيبهم بتحد وعناد "كل الناس يموتون حتى جدك سوف يموت". ما كنت اسمعه منهم يصيبني بالرعب، "جدي يموت مستحيل". ذات مرة في تلك الأيام وكنت لا أزال أحب الله مثل خوفي منه، قرّر جدي المضي إلى مكة لأداء فريضة الحج، لست أدري لماذا شعرت بالخوف، شعرت بأن سفره سيطول وقد كنت أحبه كثيراً، فتمنيت بأن لا يسافر "ليش باتسافر يا جد"، سألته في رجاء "لكي أحج ياصغيري"، "تحج"! سألت نفسي في نزق، "حج هنا يا جد". لأول مرة أسمع جدي يقهقه بصوت عال، "أصلحك الله يا بني لكن هذا لا يجوز", كم حاول أن يقنعني بضرورة الحج في البقاع المقدسة كما كان يسميها دون أن أدري ماذا تعني بقاع أو مقدسة، لكنني كنت غير مصدق أنه لا يمكنه الحج إلا في مكة، وليس في بلدتنا. "ليش.. كله حج"، قهقه ثانية وأخذني بين ذراعيه، "أنا ذاهب لملاقاة الله" لم يكد يذكر اسم الله حتى بادرته "شاتلقى( ) الله هناك؟!", سكت برهة، "ليس الله بالضبط فقط بيته" إجابته جعلتني أوشك على الجنون "يعني الله معه بيت؟!", في ذلك اليوم رأيت جدي فعلاً عاجز عن الإجابة, "وهل يسكن فيه؟" حاولت أن استرسل في أسئلتي، لكن كثرة المودعين لم تعطني فرصة لذلك، لكنني لم أنس, "سلم عليه وقل له أني أحبه، وقل له يرسل لي معك حلوى كثيرة".
سافر جدي ومكث طويلاً في تلك الأرض التي يسكنها الله، وكنت أسأل نفسي في كل وقت "ترى هل سيتذكرني الله ويرسل لي الحلوى التي أحبها؟!". مرت ثلاثة أشهر تقريباً أو أربعة لم أعد أذكر, وأخيراً عاد جدي مجللاً ببياضه وبتلك الابتسامة التي تشبه الماء، والتي لا تفارقه. كان قد وصل في الليل وأنا نائم وحينما استيقظت في الصباح، ومثل كلب صغير شممت رائحته فاسرعت إلى "المفرج"( )حيث كان ينام، أنهج بفرح لا يطاق "وين حلوى الله يا جد.. هو ذكرني؟!!" كنت أول من بادره بالكلام من أحفاده، أخذني ووضعني على حجره وقبلني في جبيني, "نعم لقد أرسل لك حلوى وملابس"، "لي وحدي بس..صح!!" كنت أظن بأن الله لا يحب سواي، "لا.. لك ولإخوتك", حزنت كثيراً لأن الله ذكر أخوتي مع أنهم كانوا كسالى، ولا يصلون باستمرار ومع ذلك فقد أشركهم في هديتي، لكنني حينما رأيت هدية الله الذي أحضرها جدي معه فرحت ونسيت حسدي لهم، ولطالما رفعت رأسي الصغيرة في سجودي اثناء الصلاة خلسة علّني أراه وهو يراقبني لأشكره، لكنني ما رأيته, كنت اتمنى أن أقبّله على ركبته اليمنى كما كنت أفعل مع جدي، ولم تتح لي الفرصة لذلك, مع أنني كنت أتعمد الذهاب مبكراَ إلى العامرية"( ) علّني أجد الله وحده فأقفز لمعانقته ولكن دون جدوى. حينما عاد جدي من الحج فتأكد لي تماماً بأن الموت لن يقدر عليه ولن يجرؤ على أخذه كبقية الناس، لأنه قد ذهب إلى حضرة الله وعاد محملاً بالهدايا للأهل والجيران والفقراء، "كم هو طيب هذا الله"، كنت أحدث نفسي عن صديقي الذي كنت أحبه وأخافه، لكنني قررت أن أحبه فقط دون أن أخاف منه، "فلو كان مخيفاً لما ذكرني بهداياه"، ولذلك فقد صممت على العودة إلى حبه. ذات مرة مرض جدي وقد كان مرضاًَ شديداً ألزمه الفراش بعد عودته ببضعة أيام من مكة، ولأول مرة أرى جدي القوي مهزوماً يهده المرض، بل انني سمعته في مرضه يريد أن يكتب وصيته خشية أن يقابل الله دون أن يبرأ من ذمته، "إذن فحتى جدي يخاف الموت مثل بقية الناس!!!". كانت حقيقة مؤلمة، جدي الذي لا يخيفه أشجع الرجال كان يخاف الموت, "حتى أنت يا جد!" سألته وأنا أوشك على البكاء "إنها إرادة الله يا صغيري", وطأة المرض لم تنسه إيمانه "وهل الله يميت الذين يحبهم؟!!" كان سؤالاً مصيرياً بالنسبة لي، أجابته تحدد علاقتي بـ"الله" برمتها، "يميت الجميع لكي يذهبوا إليه", "يميت الجميع!!" دوَّت في رأسي هذه الجملة" الجميع دون استثناء", "وهل يجب علينا أن نموت لكي نذهب إلى الله، لماذا لا يأتي هو إلينا بدلاً من أن يميتنا". سكت جدي وضمني إلى صدره وأخذ يدعو لي بالهداية والصلاح، وأن يبعد الله الشيطان عني. كان صدره يعلو ويهبط والعرق يتفصد منه، وجسمه شديد السخونة لم تنفع معه كمادات الماء البارد، وكلما اشتدت عليه نوبة الحمى، نادى ربه بضعف وصدق" لطفك يا ألله". في تلك الليلة صعدت خلسة إلى سطح بيتنا وأخذت أدعو الله أن يأخذ ملابسي الجديدة، والحلوى التي أعطاني أياها مقابل أن يستجيب لدعاء جدي ويشفيه من المرض "لا تموّته ياألله أنا فدوك علشان خاطري". كان الليل بهيماً وأنا وحدي على سطح بيتنا القديم أدعو الله ضارعاً، يمزقني الخوف من "صياد"( ) وتلهب جسدي ريح باردة، "إذا كنت تحبني يا ألله أبق لي جدي". ويبدو أن الله قد استجاب لتضرعي فلم تكد تمر بضعة أيام، إلا وجدي قد تعافى وعاد كما كان، صحيح البدن كأنه لم يمرض. كبرت وكبرت معي تساؤلاتي وظل جدي رمزاً أبدياً في ذاكرتي لا يموت. وذات يوم عدت إلى البيت بعد أن تعاركت مع بعض رفاقي الصغار، ولأنهم كانوا أكثر مني فقد أوجعوني ضرباً، عدت باكياً يسيل الدم من أنفي قاصداً جدي لأشكوهم إليه، كي يخبر الله أن يموتهم ويدخلهم النار، لأنهم ضربوني بدون شفقة, دخلت البيت باكيا بصوت مرتفع كي يسمع جدي ويهب لنجدتي، كنت أغتصب الدموع اغتصاباً وأضع قطرات من لعابي على خديّ لأجعل الدموع تبدو غزيرة، وبدلاً من أن أسمع صوت جدي الذي تعودت عليه "من الذي ضرب ابني"، رأيت أمي وأخوتي( ) وجدتي يبكون، للحظة شعرت بخيانة لم يكن مقصوداً بها سواي، وبتلقائية خائفة سألت "وين جدي؟!!", لم يجبني أحد منهم، أسرعت إلى "المفرج" وقلبي يرتجف بين أضلعي، وهناك في مكانه المعتاد رأيته نائماً بإطمئنان، وتلك الابتسامة التي طالما أحببتها مرتسمة على محياه الذي كان مجللاًًَ ببياض هادئ، "جدي" ناديته مبهور الأنفاس, لم يجبني فأرتميت على صدره بكل ثقلي فلم يتزحزح، أو ينطق بشيء, فقط كان مغمض العينين والابتسامة لم تفارقه. لم يكن يتنفس أو يتعرق، جسد بارد ممشوق القامة لا حياة فيه "جدي"!! همست في أذنه وأنا أغالب دموعي، كنت مثل مجنون صغير لا أريد أن أصدق بأن الرجل الذي أشترى لي حلوى بالأمس قد مات اليوم ولن يضمني إلى صدره مرة ثانية، ويدعو لي بالهداية، أو أن يقرصني بأذني حينما أضرب أختي التي تصغرني في العمر. ألتفتُ يمنه ويسرة، فرأيت أمي لا أدري متى حضرت ورائي مباشرة "ما به لا يرد عليّ", سألتها واليقين قد أحرق كبدي بأن الله قد طلب جدي للمثول بين يديه, "إنه ميت يا ولدي", لم اسمع ما قالته كنت في لحظة عمى جارحة، تأخذ جسدي رجفة لا قبل لي بها، "ميت لكنه يبتسم، وسوف يفتح عينيه الآن". ظلت صامتة تبكي دون صوت, "ليش مت اليوم يا جد..ليش جعلت الله يأخذك؟!", كنت أناجيه وأنا أبكي كل لحظة قادمة سأفقتده فيها. شعرت بالخوف من رفاقي حينما يعلمون بموته، ومن أمي وأخوتي، ومن نفسي، حتى من الله، لقد أنهار الجدار الذي كان يسندني، مات جدي، "ليش يا جد مت.. ليش؟!"، كان ممدداً مكانه صامتاً مبتسماً لا يرمش له جفن، فقط رجل ميت لا يجيب وطفل تطعنه وحشة خائفة ليس لها حدّْ.
 

 


ما قالته السيدة عذبة وآخرون

ما قالتهُ السيدة عذبة في يوم النار الذي يسبقه شهر الثلج

 مطت شفتيها من شدة الحرارة مع أنها كانت ترتدي"الدرع"( ) وتضع طرحة خفيفة على شعرها الأشيب، إلا أن العرق كان يتفصد من وجهها العجوز الذي كان فتياً ذات يوم، "ويش مريكن هذه يا غارة الله نصها نار ونصها ثلج"، في عصارى الصيف في تلك السنة البعيدة كانت "أمي"( ) عذبة قد قضت سنتين كاملتين بعيدة عن بقرتها، التي كانت تحتفظ لها بصورة ملونة تناجيها كل حين، بقرة عادية حمراء اللون، تدعو الله أن يعيدها سريعاً إلى قريتها النائية في وطنها المنسي لكي تطعم "سعيدة" بيديها، كان الوقت يمر بطيئاً عليها فتقضي ساعاتها في شرفة البيت تحنَّي قدميها، "قالوا يا وليدي ان الحنّاء مبرّد أيام الحَمىَ".
لها وجه صغير فيه حنان قديم، وجسمها قصير وأمومي يصلح للبكاء بين يديه، " شي وصلتك رسايل من البلاد؟!" تسأل ولا تنتظر إجابة، كأنما لتقطع الصمت النابت بيننا، ثم تأخذ في التحدث عن شبابها الغارب، وتحن إلى نومة هانئة تحت شجرة "بلس"( ) حيث توجد بقرتها، وحينما تتعب من الجلوس تسأل عن الساعة مستعدة للدخول إلى البيت لأداء الصلاة "يا وليدي.. أدّ( ) حق الله يدّي حقك", وتنصرف قبل أن أجيبها عن الوقت الذي سألتني عنه.


 
 ما قاله الولد المقتول قبل أن يموت

هجموا عليه صامتين، كانوا من بني جلدته، "واتسب كازن ( )" ،فتح لهم باب المتجر، لم يكن ليصدق بأنه فتح الباب لِِقَتَلَة، لم يكن يظن بأن هؤلاء "الكوازن"( ) قد يقتلونه.
 وضع الشرطي مايك تقريره عن الحادثة, كان لا بد من إيراد اسم الشرطي، ليبدو الوضع منطقياً, وكان آخر سطر يقول "وبعد أن أحضرنا مترجماً يجيد لغة القتيل، علمنا أن ما كان يتمتم به المغدور وهو يحتضر كلمة واحدة كان يرددها باستمرار "أمي ..أمي.. أمي".
 
ما قالته السيدة أم جاسم
................،
وتربعت على الأرض بعد أن أتعبها الوقوف متلفّعة بسوادها، تحدق في السيارات والبشر وخضرة الصيف الشاحبة "شنو هذا" تنظر في عيني العجوز بحنق "شنو هذا الله يهديك يا بو جاسم" ، لم ينطق بينما بصره يحدق في البعيد، "ترى مليت هذي القعدة، مشتاقة لداري وحلالي"، قالتها موشكة على البكاء، "يعني يا بنت الحلال آنا المستريح"، خرجت كلماته متهدجة مع الدخان المتطاير من فمه وأنفه، "خلاص نعود على بلادنا"، "هَمْ( ) ما نقدر" ، التفتت بحدة تجاه رفيق العمر العاجز "ليش؟!" صمت وتنحنح "الله يهديك يا أم جاسم..". لهجته البدوية كانت شديدة العمق، كانت مثل لهجة حكيم خذله قومه ولم يعد معه سوى زوجته الفانيه, "كافي إلليْ صار، ما فيه حاجة تستحق الرجوع.." سكت برهة بعدما داهمته غصة قوية علمته الأيام كيف يداريها "الأولاد كلهم قُتلوا في الحروب، يعني ما فيه....!", لم يقدر أن يكمل، صمت كمن مات, "والله .. والله.." قالتها أم جاسم من بين دموعها "وتربة جاسم الغالي ما فيه أحلى من قعدتي بداري ولا أجمل من عصارى البصرة و ....!" وأجهشت بالبكاء.

 
ما قاله رجل الأربعين المجنون

وقف أمام المرآة، كان قد انقضى وقتٌ طويل قبل أن يفعلها بعد فقده لأهمية الوقوف أمام الزجاج المشروخ العاكس للصورة، كان وجهاً ضامراً، مطعون بإنكسار مروع ذلك الذي رآه أمامه، لم يتحرك، بل استمرّ يحدق في صورته كمن وجد شيئاً بعد فقد طويل، شيء ما تحرك داخله، شيء أهتز بين جوانحه وكسر زجاج عينيه، لدرجة انهمرت معه دمعتين كبيرتين، لحظة صاعقة لم يتوقعها. مفتول العضلات، وسيم الوجه، رشيق القوام ذات يوم "هل هذا هو أنا؟!" نطقها بخوف ورعب، سنين طويلة مرت، لا يدري لها عدداً، قبل أن يدهمه جُرح البُكاء بتلك الوحشية، بذلك الضعف، بكل ما في الضياع من ضياع.
 
 ما قالته السيدة عذبة في مناسبة أُخرى
جسمها الضئيل ووجهها الذي كان جميلاً قبل أن تجعّده الأيام والأحداث التي لا يدريها أحد، يقفان أمام شمس يوليو الحارقة محايدين، كانت صامتة كمن يصلي للنور القادم من الفضاء البعيد. كل عصر تقف وحيدة في الشرفة تتلفت حواليها بغربة، الشارع مقُفر والأشجار عالية لا تسأل عن أحد، والحشائش ساكنة تلون الشارع الطويل بخضرتها اليانعة، وأصوات أطفال يلعبون تأتيها لا تدري من أين، تذكر أنها دخلت الطائرة على أساس أنها ديوان كبير ستنتظر فيه موعد السفر، وحينما وطأت بقدميها أرض"جون كنيدي"( )، لم تظن أبداً أن البلاد التي تقع وراء بحر الظلمات قريبة إلى هذا الحد، تذكرت أغاني الفُرقة والأشواق واللوعة والانتظار لأولئك المنتظرات الأحبة الغائبين في مفاوز الماء والكهرباء. الأخضر الشجري يحيط بها من كل مكان في حرّ يوليو الخانق، تململت في كرسيها وأطلقت تنهيدة طويلة "شوقي شوقاه( )، أن بقرتي هانا حتى ترعى من هذا الشجر!".
 
ما قاله عويس الصعيدي وهو يحتضر

كان مؤدباً رقيقاً لا يغضب احداً، يداوم على الصلاة مثل صوفي خرج من أحد كتب التاريخ، له صوت أليف تجعله محبباً تلك اللهجة المصرية القادمة من عُمق الصعيد الجواني، كما كان يفاخر أمامنا. "شايف حضرتك", الجملة التي كان يباشر بها حديثه والتي كنا نقوم بترديدها أمامه مازحين، وحينما نتمادى ينهرنا بصوته الهادئ "بس كفاية يا اخوانا.. هي شغلانة", فنضحك ملء أشداقنا، كان رجلاً ناجحاً ذاق المرارات حتى أتم تعليمه وأصبح مهندساً, "أزّيّك يا هندزه" نماحكه قاصدين، وقد كان على دماثته سليط اللسان إذا تمادينا "يا أبني خليك في حالك أحسن أبهدلك", كان لم يبلغ الخامسة والثلاثين من عمره ولم يتزوج بعد، "يا مهندز..هو صحيح جدك الصعيدي إللي اشترى التروماي". حينما يسمع هذه الجملة كان يضحك حتى تدمع عيناه "والله العظيم إفترا" ثم يستدرك "ثم أنت مالك ومال التروماي ما تخليك في العصيدة والبسباس والبلاوي اللي بتطفوحها ما عرفت بتجيبوها منين". كانت مشاريعه كثيرة حتى أتته المنية، كان حادثاً مروعاً أودى به بعد أن خرج من الصلاة، ذلك الرجل العصري الجميل، أسمر الوجه، ضخم الجثّة كمصري حقيقي، كان احتضاره طويلاً، لم يبك، وكنا نحن إلى جواره وهو الوحيد إلاَّ من حُبنا له، "مش عاوز أموت هنا.. رجعوني بلدنا" مات عويس الصعيدي وهو يتمتم بأسم وطنه البعيد.


 
 ما قاله الوقت قبل الزوال

تك ... تـ...ك...
يدخل النوم وعالم الرعب الليلي مستسلماً كمن يساق إلى حتفه. تغيب الشمس في نفس موعدها الدهري، وتأوي الطيور إلى بيوت القشّ المحاطة بالثعابين. ينزف قليلاً من العرق في نومه الضطرب، وهوام الليل تمارس شعائرها القديمة، والناس في الهجوع المؤقت، والنساء يرفعن السيقان ويمنحن تأوهاتهن للذين يحرثونهن ويبتسمن بالرضاء بعد كل جولة. يستيقظ كل صباح مفزوعاً أسياناً شديد الحزن كمن أضاع شيئاً ثميناً لا يدريه، يعاود السيلان في نهر اليوم الطويل، فرد نكرة يخشى أن تطأه الأحذية، رأسه مطأطأة وقلبه جامد الخفقان، وجسده عود ناحل بذرت على هامته ذرقها الغربان. تك...ت..و....ك...
يعود مساءً إلى أول الشوط، يخلع ملابسه، يستلقي على سريره، بعد أن يعب خمرته الرديئة، ويُصلي رئتيه تلذّذاً بتبغ رخيص، مغازلاً نوماً لا يجيء، يغمض عينيه ويبدأ عراكه المعتاد كل هجوع، قال الوقت (...،.....!!).
استيقظ اليوم التالي لأنه كان يجب عليه أن يستيقظ، وغطس في النهر البشري الكظيم بنفس المعالم المحايدة الأحاسيس... تك...... تـ ك!!
 
 ما قاله الفتى طيب القلب ساذج الفعل

مثل بركان انفجر في وجوهنا، كنا نضحك نحن زملاؤه في العمل من غضباته المتكررة وتهديداته بالمغادرة وعدم العودة إلى الأبد, "لو منكم رجل واحد فليلحقني إلى الخارج وسأريه يا مكالف(1)"، دعوة سخية يوجهها إلى لا أحد وهو ذو العمر العشريني وحسب. أرتدى معطفه على عجل وأخذ يزوم مثل ثور ذبيح "كرهت العمل والدنيا وكرهتكم يا أبناء القحاب". بعضنا يأخذه الغضب ويسعى إلى البطش به، لكننا نمنعه من ذلك ، مات مخلوق الضحك على شفاهنا، كان جاداً هذه المرّة وكنا في حرج مما تفوه به، نتركه يهذي أو نجعله يأكل خراءَهُ، سكتنا نكظم ضحكات مدوية، فهو فتانا طيّب القلب ساذج الفعل. هدأت ثورته كما هي عادته بعد أقل من خمس دقائق، خلع المعطف، خلد برهة إلى الصمت، ثم رفع صوته عالياً "سامحوني يا أخواني", وانفرج فمه عن ابتسامة كبيرة شديدة الطيبة والصدق.


1- مكالف: جمع مكلف , نساء

 
 

هنري الصغير

النجمة الكبيرة التي تتوسط صدره بسلسلتها الضخمة المعلقة على رقبته السوداء النحيلة، جعلته يبدو كما لو كان مشعوذاً مع قصّةْ شعره القادمة من الخلف إلى الأمام
- أنظر من يركب هذه الموستنج؟!
- زنجي ابن عاهرة!!
- أعرفه جيداً فقد كان مساح أحذية يقف أمام الحانات!
"اقذفها عالياً يا هنري لتحصل على نقطتين رائعتين"، كان ينطلق بطوله الفارع والقاعة تضج بالتصفيق "أوه كم هو بارع"، ويضع الكرة في السلّة العالية، لكنه كان يعود وحده بلا رفاق، تتساقط على مسامعه صرخات الإعجاب..."يا إلهي...أنظري، إنّه ينقض على الكرة مثل الوحش", "يا لعينيه الساحرتين"، يركض بعيداً عن كل ما يصادفه ويهز كتفيه هازئاً ويمضي للبحث عن لقمته مثل جندي مجهول، إبن أم مفرطة البدانة ولا أب له، ولا أنسى أنه كان عندما يرى شخصاً متجهم الوجه يلمزني بكوعه ساخراً "أنظر..لعله أبي". في تلك الأيام كنت ألحظ علامات الإرهاق على وجهه الأسود، وكان سريع التأثر، يبكي لأتفه الأسباب، بالطبع لم نكن نحن الذين نصنع له أسباب بكائه، فمن ذا الذي يجرؤ على ذلك، ولكنها والدته تلك المرأة البدينة التي تشرب سبعة ليترات من البيرة المثلجة في الساعة, كانت مروعة حينما تناديه بسخريتها التي توشك على البكاء "هنري أين انت ياصغيري المشاكس؟!". وعندما ينام تأتي, وهو يرتجف من البرد على سريره، وتبكي عندما ترى أصابعه مشققة ومزرقة من أثر الثلج أثناء سعيه الطويل في البحث عن أحذية تحتاج إلى تلميع. كان ولداً مدهشاً عندما يبدأ عمله، أذكر أنه كان يغني دائماً الأغاني التي لا يفهمها سواه، وعندما أسأله ماذا تعني هذه الأغاني ذات الألحان الغربية، كان يبتسم وتلمع عيناه شديدتا السواد "إنها من تأليفي هل أعجبتك!"، فأجيبه ساخراً "قبّل مؤخرة أمك أيها الزنجي القذر".
نعم كان صديقي وكنت أحاول أن لا أجرح شعوره بشيء، لكنني عندما كنت أنعته بالزنجي كان يتغير لونه, وأشعر بأنه يوشك على الانفجار في وجهي، ومع صداقتي له كنت أجعله يمسح حذائي وأنقده بضعة سنتات حقيرة، كنت أشعر براحة عميقة عندما كان يعكف على تلميع الحذاء، ويأخذني في ثرثرته المعهودة مثل كلب وديع. أحياناً كثيرة سألت نفسي كيف أمكنني مصادقة هذا الشخص، لا أخفي أنني أحياناً كنت أحس ناحيته بالازدراء وبهذا الشعور وحده، كنت أراني مختلفاً عنه كلية، فعلى كل حال هو الذي يربض عند قدمي وليس أنا. وجهه عندما أخذه الغضب كان قبيحاً زاد من قبحه وعيده الذي أطلقه في وجهي عندما فلتت مني كلمة نابية, "بإمكانك أن تنعتني بما شئت من النعوت أوحتى بإمكانك أن تقول بأن هنري له أمٌّ عاهرةٌ كما تتهامسون فيما بينكم، لكن لا تعد إلى تبشيري بسوادي، فلا يوجد زنجي قذر وإنّما القذارة هي أمهاتكم". غمزني بعينه وذهب بعدما ظننت أنه قد يضربني. في تلك الأثناء كنت قد شرعت في تعميق الحفرة بتصميم أدهشني، فقد بدوت مصمماً على دفن القذارة إلى الأبد، ولذلك لطالما قضيت فترة ما بعد المدرسة في تعميقها تلك الجب الرائعة. عندما استرجع في ذاكرتي تلك الأحداث البعيدة استغرب شدة حسدي لهنري مع أنه كان فقيراً معدماً لا يمتلك حتى سترة تقيه غائلة الشتاء، إلا أنه مع ذلك، كان حريصاً على دروسه وأبرزنا جميعاً في كرة السلة، بل لقد وصل إلى قيادة فريق المدرسة، وكلما تقدم خطوة أشعر أمامه بالاضمحلال والدونية, عندما اختفى فجأة من حياتنا وكأنه لم يكن، لا أنسى أيضاً أنه قبل أن يختفي وبعد أن صار رئيساً لفريق المدرسة ازدادت شخصيته قوة بشكل أذهلني، وأصبح أكثر ثقة بنفسه لم أعهدها فيه وهو الذي كان لا يرفض لي طلباً، بل لقد غدى هو الآمر مع أنه حاول أن يشعرني بأنه يمزح معي، وذلك ما لم أطيقه ولا أصبر عليه.
مرت الأيام وتخرجت من الثانوية والتحقت بالجامعة، تخرجت بعدها محامياً وكل شيء كان يمشي بوتيرة هادئة ومملة أحياناً، بددها ذات مرة علمي بأن والدة هنري قد جُنت بعدما أخذتها الحياة في دوامتها، لكنني لم أنسى هنري الصغير الفتى الذي كان يسلينا، ويقوم أمامنا بعمل حركات بهلوانية مضحكة وحركات مدهشة لا نستطيع تقليدها، مع أنني حاولت نسيانه نهائياً لكنني فشلت فقد كان يملأ ذاكرتي ضجيجاً. في أيام صبانا تلك كانت لنا مغامرات ساذجة مع فتيات غبيات كُن خائفات من أمهاتهن، وحده هنري لم أعرف له علاقة جنسية واحدة، مع أنه كان معبود فتيات مدرستنا، لكنه كان يبدو خائفاً محتاراً لا يدري ماذا يفعل، كان ينمو كما ينموا أي طفل من أطفال الشوارع على الخشونة والشظف، وكلما تقدم به العمر ازداد تمرداً حتى على والدته التي كان يهابها كثيراً والتي تركها آخر المطاف وذهب إلى حيث لا تدري. كثيراً ما كنت أسأل نفسي، ترى لو أن هنري اتّخذ طريق الرياضة التي يعشقها أكان ينجح؟!
أعتقد أن نعم، فالحياة متسعة بما فيه الكفاية لتحتوي أكثر من شخص ناجح. لست أدري ما الذي جعلني أتذكر زميلي القديم هذه الأيام تحديداً، ربما لأنني سمعت بأنه قد عاد أخيراً إلى الظهور مرة ثانية، ولكن هذا مستحيل، أعني فهنري الذي أعرفه كان فقيراً، بينما هذا الهنري الجديد يرفل في النعمة, سلسلته النجمية الضخمة، سيارته الفارهة، من أين له كل هذا مع أنه لم يعد موجود أصلاً. إنّ هذا يدعو للرعب. في البداية بدأت أسمع عن تحركاته وأترقب أخباره، لكن الذي أرعبني أنه كان يحوم حول نقطة محددة، هذه النقطة أو المحور كان أنا دون غيري، حتى وقعت الواقعة ذات صباح عندما دهمني صوته الذي لم أنْسَهُ رغم تعاقب السنين ودوداً معاتباً فيه قسوة مبطنة "أنا هنري يا صديقي هل نسيتني". تجمد الدم في عروقي، ما هذا المحال الذي أسمعه، حاولت أن أنكر معرفته ، لكنه هجم عليَّ بسيل جارف من ذكريات لا تنسى، "والحفرة هل نسيتها" جملته تلك جعلت قلبي يفر مذعورا من الفزع، "رباه"، أغلقت سماعة التلفون في وجهه، فقد كنت أقرب إلى الموت مني إلى الحياة، "ما هذه اللعنة التي حلت بي" , لكنه عاود الاتصال مجدداً. عندما رن التلفون للمرة الثانية كان الجحيم قد بدأ فعلاً، فاللعين أخذ يطاردني في كل مكان، حتى في نومي كان يأتيني مبتسماً يوشك أن يدهمني بسيارته التي لا رقم لها، وكل مرة أراه فيها أجده جاهداً يحاول ملامستي كمن يود حرقي "أنا هنري ألا تذكر صديقك يا عزيزي؟!".
لم يعد يأتيني مبتسماً، فقط تمثال من سواد بغيض وصوت يدفعني إلى الجنون"أنا هنري...", كان يرددها مثل ببغاء بليد فأصرخ من الهلع "لا تلمسني..، لا تلمسني أيها الزنجي اللعين!!" لكنه ما تركني قط كدت أُجن فهنري لم يعد موجوداً على كوكبنا هذا, أذكر أن صديقاتنا كُن يعجبن به وبدأن يغازلنه فهو قد أصبح النجم الأول في المدرسة وكل الفتيات يطلبن وده، كان فقيراً ذلك اللعين تفوح منه رائحة البيض المقلي في زيت رخيص ومع ذلك كان الأكثر شعبية, كدت أموت من الغيظ. في عصر أحد تلك الأيام التي أحاول نسيانها، دعوته إلى نزهة قصيرة خارج البلدة، كنت قد أعددت كل شيء بحرفة لا أمتلكها الآن، حفرة بعمق متر ونصف أو مترين, لم أعد أذكر على وجه التحديد, في طريق جانبية غير مطروقة على الأقل حتى أنتهى من مهمتي، كنت أسأله باهتمام الصديق عن والدته، فيجيبني منكوداً "إنها لا تزال تلك المجنونة التي تعرفها". كم كان طيباً وساذجاً ذلك الهنري، أوشكت أن أتناسى ثأري تجاهه، الثأر الذي كان يتأجج كلما رأيته يغمز بعينه تلك الغمزة الساخرة، لكنني عندما تذكرت ما قد يسببه لي مستقبلاً, تراجعت وواصلت ما كنت قد صممت عليه منذ البداية. كان مطيعاً على غير عادته، حتى أنني عندما أريته الحفرة مازحته "ما رأيك بها يا هنري هل تصلح قبراً لك", أجابني وهو يغمز بعينه كما هي عادته, "بل تصلح قبراً لمؤخرة أمك الطيبة", وقفز إلى داخلها. أذهلني تصرفه فلم أكن أتوقعه مطلقاً، لكنه كان قد أسدى لي خدمته الأخيرة على كل حال، ولثانية واحدة لم يصدق أنني أشهر مسدسي في وجهه،" أبعد هذا الشي عن وجهي فإنه يؤلم حينما يغني"، "فعلاً يا عزيزي وعليك الآن أن تغني أغنيتك الأخيرة", أجبته وضغطت على الزناد فأصبته في كتفه الأيسر, صرخ بأعلى صوته عندما رأى دماءه تفر من جسده، صرخ بكل الموت الذي كنت أصنعه له بحقد دفين شعرت بحدته وأنا أرى دمه يخضب وجه القبر. "جَسْ .. هل جننت، إنك تقتلني يا ابن العاهرة". كان مصعوقاً لا يدري ماذا يفعل غير مصدق ما يجري، لم أجعله يتعذب كثيراً ولم ألق بالاً لصراخه، ففي تلك اللحظة نسيت كل شيء وغدوت أصم لاَ أسمع ما حولي، فقد كنت أراه وهو يضع الكرة في السلة مزهواً فأزداد غلاً. أفرغت المخزن بكامله في رأسه وقذفت بالمسدس على جسده المثخن بالثقوب والملفع بالدم الذي كدت أتقيأ عندما وصلتني رائحته الحارة وقمت بردم الحفرة جيداً، وعدت أدراجي أسأل نفسي "هل كان من الضروري أن أفقد مسدسي أيضاً؟!". والآن وبعد كل هذه السنين الطويلة يأتي هذا الشخص ليخبرني بأنه هنري الصغير بعينه، بل ويصرخ فيَّ برعب لا أحتمله, "صديقك الذي لن يتركك أبداً". كان يقولها وأنا أتصعّد في موتي، والدم ينز من بين أسنانه والنار في عينيه وضحكته المدوية تصم الآذان!!!
        
 
 

ملامسة الأشياء البعيدة

"ما الذي تعنيه لي هذه الأشياء والروائح الملتصقة بها". يحدق فيما أمامه وكأن شيئاً لا يعنيه وثمة جرح غائر في أعماقه. جرحٌ لا يستطيع أن يمنعه من الإتساع داخله, "تلك الجثة المسجاة في ثلاجة باردة، أهي فعلاً من كانت سبباً في يوم من الأيام في وجودي ولماذا كانت هي وحدها دون غيرها، الجثة التي تحركت كثيراً وضجت بالآمال، ترى كم مرة بكت وكم صادفت في طريقها من مصاعب؟!". الصمتُ يلف المكان بجنائزيته المهيبة والناس يتوافدو عليه للعزاء، "ما الذي يفعله المرء حينما يفقد عزيزاً عليه، هل من الضروري أن يحزن ويتصنع الجد، أو أن يذرف دمعة أو دمعتين كي يبدو شديد الحزن واللوعة". اضطراب صارخ يعوي داخله وسلاسل هائلة تكبله وتحد من اندفاعه إلى حيث لا يدري, "إلى متى سأظل جامداً مكاني هكذا مثل تمثال أخرس، هل هذا ما يفعله الموت بالناس العدم والضجر، ثم ألسنا كلنا سوف نموت، إذن فما الداعي لكل هذه الطقوس والرسميات(1).".
أحدهم يربت على كتفه وآخر يضغط على يده بطريقة يشعره معها بالأسف الذي تفترضه المناسبة، "لقد كان صالحاً لا تنسه من الدعاء"، نصف الجملة لم يفهمها ولم يدر بما يرد، كأنما موت الشخص الذي أتى من جله المعزون لمواساته أيقظ بداخله أسئلة لم يهيئ نفسه للإجابة عليها, "من أنا وما صلتي بهؤلاء الذين أتوا ليقنعوني بأنفسهم تعلو وجوهم غبرة تبعث على الحزن, هؤلاء القادمون من أرض بعيدة أحدهم كان أبي". صوت القرآن دهم المكان فجأة، محطماً جدران الصمت الكئيب, كان صوتاً عذباً شعر معه بالحنين إلى شيء لا يدريه، وبعذوبة تجتاح جسده, عذوبة رقيقة شفافة كانت تسمو به إلى أعال بعيدة وتنتشلهُ من الموقف الذي فُرض عليه أن يقفه "أنت رجل من بعدًي لا تنسى أن لك أرضاً ووطناً هناك وراء البحر، لقد كنت وحدي يتيماً وتكالبت عليَّ الدنياء بأسرها، فهربت إلى هذه الأرض وسرقتني السنين عمري وها أنا اليوم رجلاً عجوزاً قد أموت اليوم أو غداً، ولم أستطع العودة، لكنك تستطيع فلا تترك حقك إن كنت رجلاً". كلمات الجثة التي كانت ذات يوم أباً له ظلت ترن في رأسه، أرض، مال، "ماذا عن هذه الأرض التي ولدت وترعرعت فيها، أليست هي وطني؟، هنا لعبت وفرحت وبكيت، أليس لي من كل هذا شيء، ثم هؤلاء البشر لا أشعر معهم بأي انتماء ولو لم تتزوج تلك الإيطالية التي أكاد لا أذكرها من هذا الرجل ما كنت في هذا المكان". للحظة من اللحظات فكر بالهرب من التفكير ومن المعزيين، ومن الجثة المجمدة في ثلاجة منسية إستعداداً للدفن، ومن نفسه ومن الماضي كله.
كان يود الصراخ، صراخ الوليد الذي أنقطع عنه الحبل السري وبهتته الحياة بضجيجها، "إلى أين أذهب؟!", سؤال خانق أوشك أن يؤدي به إلى الجنون، كانت النار تضطرم في داخله مع أنه يستطيع أن ينسى كل شيء بمجرد دفن أبيه "لكن من يستطيع أن ينسى عمره وحياته، من يستطيع نسيان أب نذر عمره لأبنه الوحيد وكان له الأم والأب والصديق والذكريات المشتركة". يواصل المعزّون مجاملاتهم وهو في ضياعه الذي لم يكن يتوقعه في حياة والده أبداً ولا خطر على قلبه, "عليك أن تكون رجلاًَ كما كان أبيك وكلنا إلى هذه الطريق". كانت تلك الكلمة "الرجل" والإصرار عليها يضايقانه وتجعلناه يشعر كما لو كان مطعون الرجولة مع أنّ التسميات لا تعنيه، لكنه كان يتساءل عن معنى الرجولة وكيف تكون، وماذا ينبغي عليه أن يفعل كي يكون رجلاً حقاً، على الأقل في نظر ناس أبيه. هل الرجولة تعني المسجد أم المكوث في هذا الحي القذر أم مضغ القات وأخبار الوطن البعيد، أو لعلها بيع المخدرات وتحصيل الدولارات بأي طريقة كانت والعيش كما تعيش الفئران،.. "أذهبوا إلى الجحيم"، ما يدريه فعلاً هو أن أباه قد مات، وقد كان رجلاً طيباً آخر العمر، أما أوله فقد عُرف بكرع قناني الويسكي في ضربة واحدة، وملاحقة العاهرات ولعب القمار، وحينما دهمته الشيخوخة عاد كالبقية إلى الله، لكنه لا يستطيع أن ينسى بأنه كان أباً عطوفاً، ومع ذلك  ومع كل الحب الذي أولاه أياه، لم يشعر بأبوته كما لو أنه ليس أباه، فكل شيء فيهما مختلف، الأحاسيس والمشاعر والطموح، ولولا شعر رأسه الفاحم السواد والفم والأنف وشامة خضراء على خده الأيسر لظن بأن هناك غلطاً ما أو إلتباساً، في قضية الأبوة، أما العينين الزرقاوين، وضخامة الجسم والتصرفات، فقد كانت أمريكية صرفة، وكم كان يشعر بالغيظ من زملائه أيام المدرسة الثانوية وهم يعايرونه بأبيه وطريقة لبسه غير المتناسقة، "أنظرَوَا كيف يبدو هذا الرجل مثل مهرج عجوز". غمزات أصدقائه جعلته يكن حقداً عظيماً على ذلك الأب الذي أتى من أرض بعيدة ليضاجع أمرأة شبقة ويكون أباً له. لكنه حينما كان ينظر في عينيه كان يدرك حباً جارفاً أيضاً يركض داخله تجاهه. كانتا عينان بنيتان تشعان بالصرامة والطيبة، وثمة نبل غريب فيهما يجعله يشعر بالفخر به رغم هيئته المتداعية، مما جعله يشعر بالحيرة من جراء هذه المشاعر الصارخة التناقض بين الحب العميق والكره الذي ليس له وصف."ياولدي نحن لم نأت إلى هذه البلاد لكي نلبس الجديد، لقد أتينا لنعيل نساءنا وأطفالنا، أتينا لكي نعيش بقليل من الكرامة". مرات كثيرة أراهُ فيها صوراً لبعض أهله في الوطن المنسي, "هذه عمتك وهذه أختك الصغيرة وبجانبها أختك الكبيرة".
"وهذه التي تلبس السواد؟!!" يقاطعه متسائلاً، فيطرق برهة مطلقاً تنهيدة عميقة ويواصل حديثه كما لو أنه يحادث نفسه, "ظلمتك يا غالية وعذبتك معي سامحيني يا بنت عمي"، لكنه سرعان ما ينتبه لسؤال ولده، "هذه زوجتي وأم أختيك، المرأة التي طال غيابي عنها فماتت كمداً".
يرن الصمت ثقيلاً وأشباح الذكريات البعيدة تنهض من موتها أشد سطوعاً وقسوة، فيسترسل الأب في رواية ماضية المجروح, "عشت حياتي بالطول والعرض ونسيت أهلي وناسي، كنت شاباً مجنوناً كل ما كنت أجمعه من مال أنفقه على ملذاتي، لذلك لم أستطع العودة خالي الوفاض، بعدها قابلت والدتك وتزوجتها فقد كنت أبحث عن أمرأة تنتشلني من ضياعي، لكنها غادرتني إلى غير رجعة، ملقية بك في وجهي ولك من العمر ست سنوات". حياة والده كانت تمر أمامه كما لو أنه يشاهد شريطاً سينمائياً، كان حنوناً وعطوفاً وكان قاسياً حينما يغضب.
"...الله ربنا.."
كل يوم كان يعلمه كلمات جديدة عليه حفظها كأسمه.
- "..الله ربنا"
- "ومحمد نبينا".
- "ومحمد نبينا". ذات يوم سأله عن محمد، فابتسم في وجهه بفرح "محمد هو نبي المسلمين وقد سمّيتك بإسمه"، وقد أحب محمداً كثيراً حينما كان يتخيله بلا أم مثله. وذات مرة شتم أحد زملائه النبي أمامه، فأحس كما لو أن الشتيمة موجهة إليه، ولو لم يتدخل المعلمون لفض العراك لكان قتل ذلك الفتى. يتذكر كل ذلك فيشعر بالحب يكبر وبالأسى يحز في نفسه لذلك الذي سوف يدفن في اليوم التالي، كان حباً جديداً لم يشعر به من قبل.
حب قام من جموده لفقيد غاب ولن يعود، ذلك الرجل الذي علمه أن يكون صلباً وشديد الانتماء لأرض لم يرها, ولو لمرة في حياته إلا عبر بعض الصور السياحية، كما لو أنه قريب جداً بل ومشارك في تاريخ والده الشخصي حينما كان هناك في بلاده، عبر ملامسة بعيدة لا تحس بها الأطراف لكنها متجذرة في أعماقه, ومع ذلك فقد كان الشعور الحاد بالتمزق والغربة بين أبناء جلدة أبيه يؤلمه ويحز في نفسه، على الرغم من أنه عاش بينهم وفي كنفهم، لكنه ما شعر أبداً أنه واحداً منهم، "هذا ابن الإيطالية، فعل أبن الإيطالية، هذا ولد مشاغب، إبن حرام، لأن أخواله كفار"، كلمات لم يكن يفهم أغلبها لكنه كان يحس بها من نظرات العيون، وحده والده صلة الربط الوحيد بينه وبينهم. والآن هاهي العروة قد انفكت، والحبل قد انقطع والأب قد مات فما الذي يبقيه بينهم الآن، في هذه اللحظة التي يتذكرون فيها أباه، ويشيدون بطيب أخلاقه وكرمه وأيضاً رجولته.
"الرجل يامحمد ولدي هو من لا يعطي لأحد فرصة للانتقاص من قدره أو احتقاره أو قهره، وهو على قيد الحياة، والذي لا يترك عرضه وماله نهباً للكلاب". مرات كثيرة سمع كلاماً وأحاديثاً لأختيه وعمته، عبر أشرطة الكاسيت، التي كُنَّ يرسلنهن إلى أبيه للسلام والاطمئنان، "أهدي سلامي وتحياتي لأخي محمد، الله يحفظك ويطول عمرك، إحنا بخير ليس لنا سؤال إلا عن صحتكم الغالية التي هي غاية القصد والمراد، وإحنا مفقدين لك، نشتي نشوفك قدامنا، يا حيدنا( ) الغالي ويا ظهرنا الوافي"، كلمات غريبة بالكاد وبمساعدة أبيه كان يفهمها، لكنه يشعر فيها بصدق العاطفة ودفء القُربى. غدت علاقته بعمته وأختاه علاقة معرفة وتقارب وإن كانت عن بعد، وقد كان والده ينمي هذه العاطفة في قلبه، "إذا مت يامحمد فليس لهن سواك، صحيح انهن متزوجات ومستورات، لكن تظل رجلهن الأول قبل أي شيء". كانت حياة أبيه رتيبة عادية ليس فيها أثر للطموح، خصوصاً في سنواته الأخيرة. رجل ينتظر لقاء ربه، من البيت إلى المسجد، وأحياناً إلى المقهى ليلعب الورق مع زملاء شبابه."لكنه ما قصر في حقي" قالها لنفسه كمن يود تأكيد حقيقة لا شك فيها. كان يستيقظ كل فجر ليعده للذهاب إلى المدرسة، سنوات طويلة مرت لم يتغير فيها نمط حياته، أو تقاعس في الاهتمام بوحيده، حتى تخرج من الجامعة، هذه الجامعة التي أصر عليه أن يكملها مهما كان الثمن، "العلم يا محمد هو رأس مالك في الحياة فلا تكن مثل أبيك ينتظر صدقات الحكومة آخر عمره".
لم يتغير نظام والده حتى بعد أن تخرج من الجامعة والتحق بإحدى الشركات الاستيقاظ باكراً ليعد له طعام الفطور، كان أماً وأباً وقد كان يحبه خصوصاً بعد أن تعدى مرحلة المراهقة وحساسياتها، وأصبح أكثر افتخاراً بنسبه، "أنا عربي", كان يقولها بثقة لا حد لها، مع أنه لا يدري على وجه الدقة ما الفرق بين أن يكون عربياً أو أمريكياً. ومع إحساس أبيه به وبأنه قد أصبح رجلاً يعتمد عليه حاول تزويجه، "أريد أن أراك وقد تزوجت في حياتي قبل أن يخطفني الموت"، مرات كثيرة صارحه برغبته تلك وألح عليه لكنه تمنع, "لقد تزوجت أول مرة وعمري خمس عشرة سنة، هذه عادتنا في بلادنا، الزواج المبكر من أجل النسل", ومرات كثيرة أراه صوراً لبنات عمته، تلك الصور التي كانت تصله في المناسبات لكي يختار واحدة منهن، لكنه كان يرفض بإصرار، وقد خلق هذا غصة في قلب العجوز, "الحرام دمار والنساء مكارات ليس لهن أمان، تزوج يا ولدي لكي يسترك الله وتفرح قلبي".
كان صامتاً والماضي كله يمشي بطيئاً في ذاكرته إلى الوراء، امتلأ المكان بالناس، كلهم كانوا يبدون الأسف على الفقيد، لكن لا يدري لماذا شعور طاغ بالاختناق والوحشة يفت في كبده، لم يستطع أن يحدد كنه ذلك الشيء الذي يعتريه، هل هو الشعور باليتم، مع أنه قد بلغ الثلاثين من العمر، أم أنه الحزن لفقد إنسان كان يفهمه ويحبه، ذلك الإنسان المسالم الذي لن يستيقظ باكراً مرة ثانية إلى الأبد ليعد له القهوة ويدعو له مثل أرملة تدعو لوحيدها، أم أنه من هذا الحشد الذي لم يكن يتوقعه، أم تراه من كثرة النصائح التي تهل على رأسه في أن يكون رجلاً. أشياء كثيرة كانت تنتابه، ولا يجد لها جواباً.
إذن فقد مات والأشياء باقية على حالها، أشياء أبيه البسيطة، سريره المرتب وملابسه ذات الرائحة العطرية العادية، ومسواك أسنانه الأخضر وكتب الأحاديث النبوية، وقبعة الرأس بنيّة اللون والمصحف، والعصى التي كان يتوكأ عليها وصورة ملونة ثُبتت على جدار غرفة الجلوس تجمعهما معاً يوم تخرج من "الهاي سكول". كل شيء على حاله لم يتغير ولم يتبدل، شيء واحد فقط تغير، وفاة أبيه صانع كل هذه الأشياء ومرتبها. أبوه الذي أُسعف إلى المستشفى في غيابه، حيث فارق الحياة دون صخب ودون ضجة، فقط رجل انتهت أيامه ومات. مرة واحدة بكى في حياته بتلك العاطفة المشبوبة حينما أخبرته إحدى الممرضات، أنه قبل أن يموت، كان ينادي ويتمتم باسم محمد. شعر أنه لزاماً عليه أن يبكي، وقد بكى وفرت الدموع من عينيه غصباً، خصوصاً حينما أزاح الطرحة البيضاء عن وجهه الميت ورآه ساكناً مطمئناً في أبديته كأنه لم يكن، "ترى أي حياة كانت هي حياتك يا أبي؟!".
قبّله على جبينه، عانق جسده الضامر الذي نهشه الموت، وقبل أن يخرج من غرفته، أقبل الأصدقاء سراعاً إلى المستشفى, لم يصدق عينيه حينما رأى بعضهم يبكي، "رحمك الله يا أبا محمد رحمة الأبرار"، عندما سأل عن سبب الوفاة، قيل له أنه مات نتيجة لهبوط حاد في الدورة الدموية أدت إلى أزمة قلبية أودت به. كان كل شيء قد توقف عن الحركة، وما يحدث أمامه ويتحرك كان يتخيله ويراه بطيئاً رتيباً خانقاً كأنه في حُلم، شيءٌ ما أنكسر في نفسه أكبر من فقده لأبيه، إنه الشعور بتمزق ما كان يربطه بأهل بلاده وبعمته وأختيه وأقرباءه. وفاة ذلك الرجل تركه على غير توقع أمام ما كان يفر منه دائماً، فما زرعه فيه كان كافياً لأن يجعله يشعر بضرورة الانتباه والالتفات إلى كل الأشياء التي حدثه عنها، لكنه لا يدري كيف يبدأ ، فلقد حدّثه عن أشياء كثيرة إلا عن حالته بعد وفاته كيف ستكون.
انصرف المعزون وبقي وحده في البيت الذي اشتراه بعيداً عن تجمع جالية أبيه، ذلك البيت الفسيح الذي كان العجوز يشعر فيه بالضيق كما لو كان في حبس، البيت الذي أصبح فارغاً إلا من أشياء الذي مات، وروائحه وضوضائه الخافتة كل فجر حينما كان يستيقظ لأداء الصلاة. حاول أن يخلد إلى النوم، تقلب في مكانه ينهشه الأرق وصور أبيه تلاحقه، نهض واتجه إلى الغرفة التي خلت بالموت, أضاء النور، كان السرير مرتباً كما هي العادة، سجادة الصلاة ممدودة أمامها ينتصب مصحف على كرسيه الصغير، وثمة مسبحة متكومة بجوار الكرسي، وآيات قرآنية معلقة على الجدران، كان يراه أمامه مكتمل الصحة يبتسم له بتلك الابتسامة الحنونة التي يعتورها الحُزن. تقدم بعمره الثلاثيني وجسده الأمريكي مفتول العضلات، فاره الطول، وبرك على ركبتيه بجوار السرير الخالي مثل طفل يتيم ليس له أحد وأخذ يبكي.
 
 

الآلة

- "علي...".
هاهو الكلب ينعب ثانية...!!
أمامه بكل البلادة والقرف وقفتُ، وبغضب عظيم أكظمه داخلي بشق النفس، لو تسربت ذرة واحدة منه لحولت المطعم إلى كومة من رماد. هكذا كنت أرى نفسي جباراً بإمكانه صنع المستحيل، وبهذه الصورة أعني بالتخيل كنت أصبّر نفسي, على تحمل مضايقات العاملين والعاملات وغطرستهم الفارغة، وغضب "اللوح" الواقف قبالتي مثل بالونة توشك أن تفرقع، دقيقتان كاملتان وقفتهما أمامه ذلك الوغد الأزرق، شتمني فيهما بلغته التي لا أفهمها. سوف تسأليني كيف عرفت أنه يشتمني, كلماته وزعيقه المبحوح كانت شتائم حتى ولو لم يفعل، ومع أنني قد أبديت له أسفي على شيء لا أدريه، إلا أنه وقد صار وجهه أحمر مثل جزرة أشار بيده باتجاه الباب، متوعداً, طبعاً عرفت ما يقصده فلست حماراً ولا.. "آس هول"( ) كما يدعي، عليه لعنتي مدة غربتي "أخسّ" الرجال، فأغرقته ثانية باعتذاراتي وبلعابي المتطاير، وبأنني لن أعود إليها مرة أخرى, كنت أشعر بالمهانة والاحتقار كلما أستسمحته وزدت في تذللي إليه فأكره نفسي، وألعن الساعة التي أتيت فيها إلى هذه البلاد, وسوف أغسل الصحون أكثر من مرة، عشرات المرات إن أراد، وأمسح كل زاوية من زوايا المطعم وكذلك حمّاماته، وسأنفذ كل ما يطلبه مني, كنت أحدثه وأنا أشير إلى المكنسة محركاً يدي في الهواء بالمنشفة حتى يدري ما الذي أعنيه، بل وسوف أبتسم في وجوه العمال وهم يلوحون متوعدين بأيديهم ويتلفظون بكلماتهم المبهمة، أولئك الشُقر الأوغاد الذين يكرهونني ويصفعونني كل يوم بأحتقارهم مع أنني لم أُؤذ واحداً منهم ولا اغتصبت واحدة من أخواتهم أو نساءهم، بل أنني في كثير من الأحيان حاولت مصادقتهم لكنهم كانواً ينفرون مني. أدري بأن رائحتي ليس طيبة لكن ما ذنبي وهم يرونني غارقاً حتى أُذني في ماء "الجلي" والغسيل, ثم أن هذا العذر عار من الصحة؛ فلماذا زميلي الأمريكي الذي يعمل معي في غسل الصحون والمقالي يتحدث معهم ويمازحهم ولا ينفرون منه!!
على كل هذا لا يهمني في شيء، فالذي يهمني هو أن لا أُطرد من عملي وكما أخبرتَك يا صديقتي أشعر بالعيون تلاحقني في كل الزوايا، بنظرات أخفها أنها ليست ودودة على الإطلاق, وحدك أنت من قبلَ أن يصادقني ويمد لي يده.
ما علينا من كل هذا الثرثرة فأنت ترينه وتسمعينه كل يوم، لكن الموضوع الذي وددت أن أخبرك به يتعلق ببقائي في العمل, فأنت تعلمين أنني في هذا المطعم قد تجاوزت الثلاث سنوات والنصف، مجرد "دشواشه"( ) لا أكثر ولا أقل والراتب لم يرتفع ولم ينزل، وأنا لا تهمني الفلوس بقدر ما تهمني المعاملة، لكن لا المعاش زاد ولا المعاملة تحسنت، مكانك سر.."يامضيع أبرة يا مدور شريم"( ). دائماً يهينونني مستغلين غبائي في عدم الفهم للغة التي يمضغونها مثل الحذاء في أفواههم، ويكلفونني بأشق الأعمال وأحقرها, وإن حاولت مرة أن أرفع صوتي للمطالبة بحقوقي أجد الباب دائماً في نهاية اصبع مدير العمل، فلو فرضت مثلاً أنني قبلت تهديده وحملت نفسي وغادرت المحل تاركاً العمل وحقارته، سوف تقولين بأنني سوف أرتاح من هذا المدير ومن طبعه الكريه وهذا هو الصحيح, لكن هل بإمكانك أن تخبريني من هو الذي سوف يمد لي يده بعد أن أترك "الست والستين"( ) ورائي وأخرج، من سوف يسأل عني ويطعمني حتى أجد عملاً آخر. أنت تعلمين كل العلم أنني آتي إلى هنا سيراً على الأقدام، فأجرتي التي أحصل عليها من الصحون والمقالي بالكاد تكفيني كإيجارٍ للحفرة التي أسكن فيها والمأكل، وفي السنة أشتري لي "بشطور" أو "بشطورين"( ) مستعملين أستر بهما عورتي، حتى أوفر أقل القليل لأرسله إلى"الألقاف"( ) المفتوحة في بلادي تشتي مني"سبار"( ), إذن فكرة ترك العمل غير واردة بتاتاً، على الأقل من جهتي، فمعنى ذلك العودة إلى الشارع وملاحقة "القصع"( ). والآن وقد أصبح الشتاء على الأبواب والعمل هذا الصيف لم يكن كما ينبغي كما يتحجج المدير، فقد سمعت بما لا يدعو مجالاً للشك أنهم هذه المرة، سوف يستغنون عني في أقرب فرصة ممكنة، بمجرد هطول الثلج، طيب وأهلي في بلادي البعيدة من لهم، من الذي سوف يقتر على نفسه ويعيش عيشة الكلاب ويقتصد من معاشه ليرسل لهم ما يكفيهم حاجة الناس. وأنا من سيفتح لي صدره ويقف بجانبي حتى يذهب الشتاء وثلوجه، لا أحد، ومع ذلك فسوف يستغنون عني، لا يهمهم من سوف يسدد عني ديوني الكثيرة, وأنت من لك بعدي، من سيسمع صوتك الهادر وأنت تفرمين البقايا باتجاه البالوعة. من لنا جميعاً..الشيطان إبن الحرام!! لكل هذا وذاك فقد واتتني فكرة صعبة بعض الشيء، وتنفيذها يعتمد على مدى تعاونك معي، وهي خدمة لن أنساها أبداً، وكل الذي ستقومين به هين وبسيط، وهو أرجو أن لا يسوؤك ذلك أن تقومي بقضم أصابعي. ستسأليني عن كيفية ذلك، الجواب بسيط وسهل، فسوف أقوم بإدخال يدي اليسرى إلى داخل حلقك ذي الأسنان الفولاذية، بعدها أضغط على مفتاح دورتك الكهربائية فتدورين بسرعتك الخارقة المألوفة وهوووب، تأخذين أصابعي في دورتك الخاطفة. صحيح بأنني سوف أتألم ويعلو صراخي، وقد يغمى عليَّ، وربما أموت، لكن كل هذا لا يهم، مادمت سأقبض مبلغاً من المال كتعويض عن أصابعي من جهة، وأضمن البقاء في المطعم على الأقل سنة كاملة يأتيني فيها "الشيك" إلى البيت وأنا جالس, صحيح أنها فكرة خطرة وغير مجربة، لكنني ما دمت سأرجع إلى بلادي بقليل "بُقش"( ) فكل ذلك يهون، ثم ما باليد حيلة في حقيقة الأمر، فهم سيطردونني على أية حال، فلا ضير إذن من القيام بهذه المغامرة. ها أنني الآن قد فتحت الدورة الكهربائية التي تدير محركك المعدني، استعدي يا صديقتي، ها أنني سوف أدخل يدي، فلا تأخذك بي شفقة...الآن!! 
 
 

لاري العزيز

كان ذلك في الصيف حينما ألتفتُ، كان ذلك إلى الخلف، مغلغلاً في ذُل لا أطيقه، وأنا أرتب صناديق فارغة بعد أن أفرغت محتوياتها، في صناديق أخرى. الحرارة كانت في سقف التسعين، يا له من جحيم، رأيتهُ يحدق بي، شخص أبيض في الثلاثين، كما يبدو له لحية بنية، وفوقها نظارة "قعر كوب"، وشعر كثيف من الخلف، خفيف عند الوسط، لعله سوء توزيع, كان أسمه "لاري"، عامل جديد أنضم إلى قافلة العُمال، والأربعة دولارات في الساعة والتعب المضجر، والرطوبة الخانقة، وذُل الأوامر البغضية. كان يبدو قنوعاً بما هو فيه من عمل، وصموتاً إلى درجة قاتلة وكنت ثرثاراً لا يُطاق ، كثيراً ما أولول بأغاني أحفظ بعض المقاطع منها"مشتاق لك أسأل عليك الأطيار"( ), أجأر بصوتي والقهر يكاد يرديني ومع ذلك لم أحبه هذا "اللاري"، فقد ارتبت في أن يكون شاذاً جنسياً، وأنا أكره هذا النوع من البشر البهيمي. مرة اكتشفت في صباي البعيد أن أحد أقراني الصغار كان طيباً مع الآخرين ويمكَّنهم من نفسه، وحينما سألته نصيبي رفض ذلك، وذات مرة صممت على أن أناله بالقوة، لكنني تراجعت في آخر لحظة بعد ما رأيته يبكي ويعلن استعداده لإعطائي نصيبي شريطة أن لا أوجعه، أذكر أنني تقيأت عندما رأيته يبكي، ومع ذلك رفسته على مؤخرته حتى آلمتني قدمي. من ذلك الوقت صرت لا أطيق هذه النوعية من الناس. كان يرتدي قبعة"كوول" لم يغيرها أبداًَ، حتى بدأت تتآكل من الحواف، ومع أنه أُلحق بجماعة غير جماعتي، التي أعمل معها، إلا أننا كنا متقاربين، ويصدف أن تلتقي أعيننا ببعضها، فيبادر مسرعاً إلى تحيتي، "هالو" ترتسم على شفتيه ابتسامة غبية. كثير من الأحيان لم أكن أرد عليه تحيته، "أذهب إلى الجحيم" كنت أقولها بتحد ساذج، فلا يقول شيئاً عندما يراني أحدق فيه بكره وإزدراء ويعود إلى عمله مثل كلب، فكانت حركته الذليلة هذه تزيدني حنقاً عليه، "لماذا، "لماذا أكرهه"، لا أدري لماذا، "شكله لا يعجبني وهذا يكفي". ذات مرة سألته أمام مجموعة من الفتيات اللواتي يعملن معنا، "هل تحب النساء يا لاري"، قصدت إحراجه، لكنه عاجلني بجواب قاطع"طبعاً يا صديقي. من يكره النساء"، وعندما أُسقط في يدي باغتني سؤال حاد، "ماذا عنك أنت؟!"، كان سؤالاً موجهاً بدقة وتحد. التفتُ صوب صاحبة السؤال الاستفزازي، كانت سوداء تسيلُ أنوثة مشتهاة، وقد كنت ضعيفاً أمام هذا الصنف من لحم النساء، ليغفر الله لي، حيث كنت أنزو على كل فتاة تعجبني، فقد كُن طيبات، ياله من ماض ملطخ بالسواد. "مارأيك". سألتها وأنا آكلها بعينيَّ، "لن تفوتني هذه الليلة" كنت قد صممتُ عليها في داخلي، حاولت التهرب من نظراتي التي حاصرتها بها، لكنني ما أرجعت طرفي عنها. "فقط أردت سؤالك" قالت، فبادرتها بسؤال آخر وكأني لم أسمعها، "ما هوا أسمك يا عسل"، "أويدا" أجابتني بصوت مبحوح لذيذ، يا لها من "أويدا"؛ جسدٌ مثل القوس، وثديان نزقان، وفتاة تتفجر أنوثة ورغبة، "كم أنت رائعة"، "شكراً" أجابتني بدلال، لقد غمزمت الصنارة، كم عمرك يا أويدا، "ناينتين" قالت"رائع"، ثم ابتسمت عن أسنان مثل الحليب، بعد منتصف الليل بساعة واحدة بالضبط كنت ألتهم ذلك الجسد القوس، بكل جنون الصحاري التي تسكنني.
"لذيذة هاه"، باغتني بها لاري في يومنا التالي، "ماذا تعني" سألته محتداً، "الفتاة.. أويدا"، "يا للعنة كيف عرفت"، لم يجبني بل مشطني بنظرة فاحصة، ثم استدرك "لنقل أنه سر من أسرار المهنة"، لم ابتسم وواصلت عملي صامتاً." إنه ليس شاذاً"، هكذا اقتنعت بهذه النتيجة. كان يأتي إلى العمل بدراجة هوائية يقطع بها مسافة تقدر بتسعة عشر ميلاً ونصف تقريباً، تستغرق منه قرابة الساعتين والربع، وحينما يصل إلى الورشة يكون قد أصبح أحمر مثل جزرة لشدة الحرارة التي كانت الشمس تصليه بها، حينما يسوق دراجته. أحياناً كنت أشم رائحة خمر تنبعث من فمه، ومع ذلك يظلُ هادئاً "اني أراك صامتاً"، "أنا أشرب لأخلد إلى الهدوء!!"، اللعين عرف مقصدي سريعاً، كان عليَّ الحذر في التعامل معه، فهو ليس ذلك الغبي الذي كنت أتصوره.
مرت الأيام ولاري يقف أمامي في إجلال وذل لا أستحقهما، وهذا هو أحد أهم أسباب حنقي عليه, جبنه الكبير، ومع إحساسه الأكيد بازدرائي له، إلا أنه كان يتودد إليَّ وكان ذلك يغضبني، لكن هذا لا يجعلني أيضاَ أنسى أن احترامه لي كان قد زاد بعد مشادة حامية كادت تتسبب في معركة طاحنة مع "بيل"، وبيل هذا عامل أسود مفتول العضلات فارع الطول، يكثر من مزاحه الذي باطنه التهديد، وذات مرة انفجرت في وجهه غير مبال بالعواقب بعد أن كاد يوشك على صدمي بعربة نقل فولاذية كان يقودها, "أنظر أمامك أيها الحيوان" قلتها بكل صوتي وبتحد سافر, "هل تريد العراك"، قالها وهو يحدق بي باحتقار، فقد كان شعوره بعضلاته وبجسده كفيلاً بجعله يخوض ألف معركة مع واحد مثلي. "نعم.. والآن إن كنت رجلاً", كنت ممسكاً بحديدة في طول الذراع، وكنت أحدث نفسي أن أضربه على رأسه لكي أقضي عليه من الضربة الأولى، فلو وصلني الكلب لأكلني بأسنانه, "انتبه لنفسك فأنا الآن مستعد للقتل فلا تظن عكس ذلك" قلتها صادقاً. لم يفه بشيء، للحظة بدا أنه قد تردد، "هؤلاء العرب مجانين، ظننته سيخاف مني" خُيل لي أنني سمعته يحدث نفسه، مع أنني لم أسمعه ينطق، ولم أدر ماذا يدور بخلده، لكنني كنت على أهبة الاستعداد للعراك. كنتُ مجنوناً كبيراً، وقفتي أمامه وذراع الحديد في يدي جعلته يغادر بعربته، يلوك بين أسنانه مصاصة عصير بلاستيكية من الغيظ. كان عليَّ أن أتبعه بنظرات متصنعة من الكُره والحقد, عليَّ أن أجعله يشعر بالخوف مني، وإلا فاتت الفرصة في تصنع الشجاعة الخائفة مرة ثانية، فلوا أدرك للحظة واحدة بأنني أرتعش من الداخل تهيباً من ضخامته، لما رحمني. كنتُ كل يوم أصل فيه إلى الورشة كما لو أنني مقاتل بليد يُساق إلى حرب خاسرة، وقد كنت أكره ذلك الشعور العدواني الذي كان ينتابني، لكن ما باليد حيلة، فلو رأى أحدهم بارقة خوف في عين أحدنا، فالويل لنا من قبضتهم الجبانة.
كنت أتمختر في ردهات الورشة مستعرضاًَ شجاعتي المعدومة، وجنوني المصطنع وأنا أتمزق من داخلي, أشعر برغبة في البكاء، ورغبة في التقيؤ، ورغبة في القتل، أو في الفرار لا أدري إلى أين. القوة كانت مطلوبة كغرض استعراضي، وإن لم أكن قوياً أو على الأقل إن لم يعتقد الآخرون هذا، فسأُسحق تحت الأحذية، وهذا ما لا أقبله مطلقاً ولو كلفني ذلك حياتي. نظراتي التي لاحقته بها عملت مفعولها سريعاً، وإذا به ذلك الـ"بيل" يأتي ليعتذر, "أحياناً يتفوه الإنسان بما لا يُعقل" كان يتحدث إليَّ والخوف بادٍ في وجهه الضخم, لو بصق في وجهي مجرد بصقة لقتلني، لكن "أدكمه يعرفك"( )، "وأنا آسف إن كنت قد أزعجتك بما لا يجوز قوله" هكذا مثل طفل صغير كان يقف أمامي، "أنس الأمر"، قذفت بجملتي تلك في وجهه وذهبت متصنعاً أيضاًَ التجهم. كنت أتمنى أن أقول له بأننا بشر وكلنا يتحامق أحياناً، و"يغلط" على الآخرين لكننا نظل بشراً قابلين للعفو و...؟!، كنت أريد أن أحكي له قصة طويلة مملة عن الصفح وحُسن الزمالة وما شابه ذلك من الكرم الفارغ، لكنني كنت متأكداً تمام التأكد أنني لو لنت في القول معه، لصغرت في نظر ذلك الحيوان، ولعدنا إلى المماحكة والتربص الواحد بالآخر دون فائدة من جديد، لذلك كانت القسوة هي الحل الأمثل لإزاحته عن طريقي، وقد نجحت وإنْ كان نجاحاً حقيراً لا يستحق سوى البصق عليه. تلك الحادثة ظلت مرتسمة في مخيلة لاري وغيره، "هذا الفتى صاحب النظارات يبدو مجنوناً"، قال لاري لنفسه بصوت مسموع ولم يكن يدر أنني قد سمعته، وأيضاً لم أشعره بذلك، فأنا أعلم تمام العلم أنني بتصنعٍ الغضب والجنون، إنما استعدي عليَّ أمريكا كلها وأجعل منها ومن أهلها أعداءً لي، لكنني ما تراجعت قط عن العملقة الكاذبة، وعدم الشفقة، حتى صرت أسطورة، كانت أسطورة منخورة من الداخل. لم يكن هناك أحد يعلم بأنني أحياناً كنت أبكي وحدتي ووضعي الظالم، ما من عامل جديد إلا ويعرفني قبل أن أعرفه ويتهيب من مواجهتي وأنا المشروخ حتى العظم، يا له من مجد تافه. تمنيت أن يغدو جميع العمال أصدقاءً لي، لكن يبدو بأنني كنت فاشلاً في ذلك، نجاحي كان مع النساء، النجاح معهن مكان مبهراً، لينداء، نيكول، ليزا، ماريا، إبريل، لدانا، أويدا، أندريا، ريجينا، جسيكا، فرانكا، و... وقائمة طويلة من الفتيات اللواتي مزقت أجسادهن بأسناني، حياة بائسة وضياع لا حد له. "اتق الله" أكلم نفسي حينما أرى وجهي في المرآة،"ألا تفكر في الموت،"، وكنت كذاباَ كبيراً، وسكيراً لا يرتوي، ومجنوناً بالنساء إلى حد السعار، السُمر والشقر، الجميلات والقبيحات، من مختلف الجنسيات، وما ارعويت، حياة ماجنة وذنوب أشعرها تنهمر على رأسي مثل المطر. مّمن أنتقم، لم أجد لي غريماً إلا نفسي فأصليتها بانتقامي وكأني أنتقم من كل شيء ومن كل الناس لسبب لا أدريه. أتذكر أوجاعي وجعاً وجعاً وأحس بطعم دمي في لساني لكنني ما شبعت من نواح النساء بين ركبتيًّ، قتلتني الأماني ولم أصل إلى شيء, مجرد حاجز من سراب كلما أوشكت على اجتيازه هرب مني.
 رجل يكره المشاكل، هذه هي الصفة التي أطلقتها على لاري مؤخراً، بعدما شعرت أنني ربما أكون قد ظلمته، ومع ذلك كنت أشعر أن مجرد التهرب من المواجهة هو ما يجعله مسالماً مع أن ثمة شيء فيه يوحي بعكس ذلك.
انقضى الصيف بجحيمه ونسائه اللاتي أوشك على التقيؤ حين أراهن، فخف العمل قليلاً في الورشة، ونَتَيجة لذلك تم تسريح الكثير من عملهم وتم دمج بعض المجموعات في بعضها البعض توفيراً للعمال وللوقت، فكان لاري بحكم قربه من مجموعتي ضمن الأفراد الذين أنظموا إلينا، لكنهم سرعان ما أخذوا يتغيبون عن العمل حتى صار لاري الأمريكي الوحيد بين ثلاثة من العرب أحمد الذي كنت أراه شارداً باستمرار في أفكار لا يدري بها أحد سواه، ذات مرة هجم على أحد الزملاء شاهراً في وجهه قطعة هائلة من الخشب كاد أن يقتله بها، سألته عن سبب ثورته المفاجأة وهو الصموت، "قلت له مائة ألف مرة يترك المزاح معي لكنه حمار ما بيفهم" أجابني وعيناهُ تغرورقان بالدمع، كان مقهوراً حتى أعماقه، "لكنك سوف تقتله بهذه الطريقة يا صاحبي". حاولت أن أنبهه إلى غضبه المبالغ، "في ستين ألف داهية" قالها بجنون أخافني، فقد شعرت أنه قد وصل إلى قمة اليأس والإحباط، وكان يؤلمني بحالته تلك، "ليتني ما تزوجت في هذه البلاد, "يا خطير", فرد مسرعاً "لا لا القصة مش هكذا، بس أشعر أنني مقيد، قتلتني الديون، لا المرأة أحبتني ولا أهلها رحموني ولا أصحاب الدين صبروا عليَّ حتى يفكها ربك، وأهلي في البلاد يهلكوني برسائلهم، ولد فلان تزوج، ولد فلان بنى، ولد علان فتح دكان، ولد زعطان اشترى سيارة، وأصبحت أنا الضايع الذي لا فائدة منه، مصايب يا أخي من كل ناحية، صدقني لو لا الصبر لكنت جننت من زمن بعيد". جملة طويلة سنة ونصف تقريباً وهو يرددها على مسامعي، وكنت أتألم لذلك، "ما باليد حيلة يا صاحبي عليك بالصبر وأنت لا زلت شاباً وأمامك العمر بطوله لتقضي ألف دين، كل الناس هكذا يا أحمد"، لكنه كان يغطس قليلاً قليلاً في اليأس. وذات يوم تغيب عن العمل وعندما سألت عنه، قيل لي أنه قد وجد عملاً في محطة بنزين لأنها تدفع أكثر بفارق بسيط، لست ادري لماذا أنقبض قلبي حينما سمعت كلمة محطة، وفعلاً كما حدست لم يمر سوى شهر حتى كنت أحد المصلين في جنازته، فقد قتل في المحطة التي التحق بها في حادث سطو, "أشتهي أفك الدين عن رقبتي، أشعر وأني مثل المخنوق، كل يوم إهانات يا أخي الموت أشرف من ذل أبناء القحاب". كان الدين يكبله ويجعله يشعر بذل لا يطاق، خصوصاً وأن دائنيه لم يكونوا كُرماء معه أبداً، بل أن أحدهم هدده بتحويله إلى المحكمة إذا لم يسدد ما عليه خلال فترة بسيطة، وهم الأهل والأقرباء وأبناء القرية الواحدة. كل الزملاء ودعوه الوداع الأخير، منهم من قبله على وجهه ومنهم من أكتفى بالمشاهدة، قبل أن يوارى في التراب، إلا أنا لم أقدر على ذلك، فقد كان البكاء يخذلني, كنت أحس بغلّ حارق تجاه هذه الأرض التي تسرق منّا زهرات العمر مقابل الفُتات. بكيت وبكيت وبكيت بما أسعفتني به الدموع, بكيت ضحكاته وآماله العراض، وشبابه واعتداده بنفسه, بكيت عمره الذي لم يتجاوز الثانية والعشرين وحياته التي ذهبت وكأنها لم تكن، "حتى المرأة التي أحببتها ذوقتني المُر أيش هذا الحظ يا ربي" , كنت مستودع أسراره والصدر الذي يحتضن حزنه الكبير، والآن ها هو قد مات ودينهُ لم يقض بعد، وما هي إلا ستة أشهر إلا وقد تزوجت زوجته وكأنه لم يكن, أي بلاد هذه وأي مصير ينتظرنا فيها نحن التعساء. كان عليَّ أن أفر من الجحيم الذي يحاصرني لكي أنسى النار التي تأكلني من الداخل. هربت إلى النساء وقناني الخمرة التي يشبه طعمها بول الحمير، وما استطعت فكاكاً من ذلك الضياع الذي كان يعصف بي. وكان معنا أيضاً "علي" الذي لا ينقطع عن الغناء لحظة واحدة في حزنه وفي فرحه.. "خطر غصن القناء…". كان لاري يخاطبني بـ"مستر أبدول" كان احتراماً كاذباً، أحسه بجواري مثل زيت كريه الرائحة, "لماذا لم تمت أنت"، صرخت بها في وجهه حينما سمعت نبأ اغتيال أحمد في محطة البنزين "ألا يكفيكم إذلالنا يا أبناء الزواني", أوشكت على خنقه بيديّ على الرغم أن الذنب لم يكن ذنبه، لكن بلادته جرحتني، "مات أحمد.. وجد مقتولاً", هكذا أخبرته وأنا أتمزق، "أي أحمد تعني", أجابني ببرودة متشفية جعلتني أرى كل شياطين الأرض أمامي، "الذي كان يعمل معنا يا أبن الكلب", فعلاً أوشكت في تلك اللحظة على صفعه، وقتله، لا يهم "تومني برابلم إن ذس لايف"، فقط هذا كا ما قاله، وكأنما كان يشعر بنفسه كما لو كان نبياً ينطق بالوحي، "الحياة مشاكلها كثيرة", طيب وأحمد الذي مات بالمجان هل تهمه هذه الفلسفة البليدة. عاد إلى عمله وكأن شيئاً لم يحدث كان قاسياً، قسوته تلك لم تجعلني أنتبه إلى تلك الـ"سوري" التي نطقها بسرعة، اي أسف وأي "مخراطة"، "فما فات فات والله يستر على الباقيين".
دخل الشتاء ولاري كما هي عادته يأتي على ظهر دراجته غير مبال ببرد أو ريح، "سيقتلك الصقيع يا لاري" أمازحه بخبث، "لا تخف فجسدي قوي بما فيه الكفاية"، ولم يتأخر يوماً قط عن عمله. أذكر أنه ذات مرة قام بتوزيع بعض قطع الشوكلاته بحجم رأس الأصبع علينا واستمرت هذه العادة فترة طويلة حتى أنه حدد لذلك الخامسة مساءً من كل يوم، وذات مرة أخبرني بأن كيس الشوكلاته "بدولار فقط"، فعرفت مغزاه، فانقدته دولاراً ليقوم بشراء كيس لنا جميعاً، وفي الأسبوع الذي يليه، أخبر أحمد ثم أخبر عليّاً، الذي كان يحب الدولارات كثيراً ولا يفرط فيها أبداً إلا عند الضرورة القصوى، وأيضاً يحب الصمت ويكره الكرم إلا فيما ندر، إذا لم يكن يغني فإمّا أن يغني وإمّا أن يلوذ بالصمت. أذكر أنه ذات مساء كان قد أخبرني عن عزمه على العودة إلى "البلاد"، وظل طوال اليوم يحدثني عن مشاريعه التي سينفذها هناك، لكي لا يضطر للعودة ثانيةً إلى "هذه الأمريكا"، وبينما نحن في السيارة في طريق عودتنا إلى بيوتنا بعد انتهاء ساعات العمل، وخلال ثرثرتنا في مواضيع شتى، نطق علي فجأة.. "ليش يا أخواني ما فيش نجوم ي هذه البلاد مثلا بلادنا؟!" سكتنا برهة حتى استوعبت عقولنا السؤال، وأخذ الرفاق يتسابقون في الإجابة كل يدلو بدلوه, وحدي أصابني هذا الاستفسار في مقتل، فغصتُ عميقاً في نفسي وأغمضت عينيَّ يأكلني صمت بليد لا أدري ماذا أقول، كُنا ضيّعٌ في مهب الريح، لا سماء تظللنا ولا نجوم تضيء لنا ظلمة الدرب. كان أحمد هو من يسوق السيارة، لا يدري بأنه سيقتل بعد ذلك بأيام معدودات خنقاُ بسلك تلفون في محطة بنزين منسية، بعد أن تكبل يداه وراء ظهره، وأن جثته ستقذف في صندوق للقمامة، وأن ثمة كلب لعجوز مسنة سيكتشف جثته صدفة.
بقيت على بهيميتي تلك لا أتهاون مع أحد أصرخ في وجه كل من يعارضني لأتفه الأسباب, صرتُ لا أُطاق حتى نسائي أصبحن ينفرن مني، فقد كنت في الفراش مثل حيوان مسعور أُطلق من قيده, أحسُ داخلي يتمعدن شيئاً فشيئاً، حتى أوشكت أن أتحول إلى آلة للدمار. هكذا كنت أشعر بنفسي في تلك الأيام المحزنة المليئة بالضجر والقنوط والشعور الفاجع باللاجدوى, "يا بلادي" اصرخ بها بكل صوتي أمام زملائي في الورشة، ولولا معرفتهم الأكيدة بي، لظنّوا بي مَسّاً من الجنون، "ألم أجن بعد؟".
استمر لاري يوزع علينا شوكلاتته، حتى أتى ذلك اليوم الذي سمعنا فيه بخبر مقتل أحمد بعدها لم نعد نراه أبداً، حتى أن الشكوك ساورتني في قضية غيابه المفاجئ، خصوصاً أنه أتى بعد مقتل صاحبنا، لكنها كانت شكوك عقيمة لا تستند على حجة أو منطق. كان يوماً تاريخياً لا ينسى، فقد توقفنا عن العمل حداداً على فقيدنا، وحينما حاول "رؤساؤنا" في الورشة أن يعيدونا إلى مواصلة العمل كنت أول الرافضين، "اليوم حزن".
في ذلك اليوم المشهود لا زلت أتذكر أني صفعت رئيسي المباشر بعدما هددني بالفصل إن لم أعد إلى موقعي "ابتعد عني يلعن كُس أمك"، وأذكر أن البوليس كان قد حضر وأخرجني مكبلاً بالأصفاد، وأنا أبكي أحمد. وبعد ذلك تم فصلي من العمل بعدما قضيت قرابة الخمسة عشر يوماًَ في السجن بسبب اعتدائي على مسئول أثناء العمل، وها أنا الآن عاطل، بلا "شغل أو مشغلة" مثل كلب ضال, لكنني ما نسيت كلمة أحمد الأخيرة قبل غيابه عن الورشة بيوم واحد, "خلَّني أودعك الآن يمكن ما شوفكش مرة ثانية"، وغاب إلى الأبد.
      
 
 

يوم موت لاري

أشعر بنظراته تلهب ظهري، فقد كان اللعين يسخر من الطريقة التي أمشي بها. كان يُشَّبهني بكلب عجوز، ومع ذلك يبدو أن لا فائدة من بقائي طويلاً هُنا، فلا شيء جديد. وتيرة مملة أكل شرب نوم، عاهرة ما ألتقطها من عرض الطريق، الوجوه نفسها، النساء اللاتي يتبرجن لا تدري لمن ربما لأنفسهن، الودودات في حالة الحاجة إلى أنيس لليلةٍ ما، وتلك الروائح المتخمرة بدخان السجائر وأشياء أخرى، تنبعث من أفواههن مدبوغة الشفاة بالأحمر الفاتح تمزق كبدي، وتجعلني أزداد كُرها وازدراء لهن ولنفسي، ومع ذلك فالموت يبدو أمامي هو الخيار الوحيد لم يعد أمامي خيار غيره، لعلني أرتاح قليلاً من كل هذا القبح الذي يعصف بي, شبعت دونية ومهانة، شبعت من شتائم سائقي السيارات، حينما يلوحون لي بقبضاتهم متوعدين، "أنتبه لطريقك يا كومة القمامة", عندما أترنح بالدراجة ذات اليمين وذات الشمال، "إنها الريح والبرد والأرض الزلقة يا سفلة". أفكر فيه لكنهُ يخيفني، لكم أكرهه فهو نهاية الأشياء الجميلة والتعيسة أيضاً، ثم أنني لا أصدق أني سأجد ذلك "الناصري" أمامي ليشفع لي، فلو أنه كان يملك القوة كما يتشدق بها القساوسة، لدرأ عن نفسه الصلب هذا إذا كان صُلب في الأصل. لذلك يبدو أن ضياعي سينتقل معي إلى العالم الآخر، أكره الموت لأنه يقودنا مثل النعاج إلى المسلخ، ونحن مستسلمون له في بلاهة مقرفة. يجب فعل أي شيء لمقاومة هذا الكائن القديم الذي لا يريد أن يموت هو الآخر. أهرب إلى الحمّام طلباً لدقائق معدودة من الراحة، أخلوا فيها إلى نفسي بعيداً عن جحيم العمل وذُل الأوامر الساقطة، فيصادفني أولئك الزنوج الذين يشبهون أثواراً متوحشة، وهم يثرثرون بما لا يطاق من التفاهة، وما أن الج دورة المياه حتى تحاصرني تلك الروائح التي تهز الجبال، وذلك العربي يظل يلاحقني بسماجته، والذي يدَّعى القوة وشدة البأس مع أنه "آس هول" وتافه في نظري لا يساوي علبة صلصة فاسدة، ولو لا أصدقائه من بني جلدته، لقتله زنجي عند قارعة أول طريق تصادفه. كنت أكرهه لكن منطقيته جعلت منه صديقي الوحيد من بين رفاقه أجمعين، "الإنسان لم يخلق عبثاً يالاري". مرات كثيرة وهو يثرثر بجملته تلك التي ترعبني فعلاً حينما أدوّرها في رأسي بأناة.
مللت دراجتي وظهري الموجوع وطعامي الرخيص، ورائحة جسدي، وحذائي العفن. "وهذا الذي نعيشه الآن أليس عبثاً يا "مستر" أبدول؟!". لا أدري إلى اين أنا متجه مع هذا الأمانة التي يسمونها حياتي, كم كنت أكره ذلك الوجه الأبيض المحمر، ذي العينين الخضراوين، كما لو كانتا عيني أفعى عجوز، وأيضاً تلك اللحية الكثة التي لا أرى لها فائدة ومع ذلك ابقيها لغرض في نفسي لا أدريه. كم أنا قبيح، أين أفر بقبحي وضياعي.. احياناً كثيرة أتعرى أمام المرآة تعرياً كاملاً، فأرى دماراً آدمياً مروعاً، فيزيدني ذلك كرهاً لهذا الجسد الذي حملته رغماً عني، "هيه لاري.. نحن نحب جيسس أيضاً"، وما دخلي أنا في هذا الموضوع، ما دخلي إن كان هؤلاء الملطّخون ببول الرمل يحبونه ذلك"المصلوب" ام لا. لم أرد عليه بل ابتسمت, كانت ابتسامة جافة لا حياة فيها، ومع ذلك يبدو أن الحل في متناول يدي وحدي، والفكرة تتأصل في راسي، يوماً بعد يوم، لكني كنت أتخوف من التنفيذ. الموت يا له من شيء مخيف،هذه الوحدة وهذا الفراغ اللذان يحاصرانني من الداخل، كيف أفر من دائرتهما الخانقة؟ أشعر كما لو أن لهما أصابع أخطبوطية لزجة، تزداد ضغطاً على عنقي ساعة بعد ساعة. أشعر بالاختناق يكاد يحطمني, إلى أين أهرب، الطرق مسدودة أمامي, من ينتشلني من هذا الفناء الذي يحيق بي. حسناً سأجرب هذه الليلة شراباً منعشاً ومركزاً وقوياً, شراباً ينسيني نفسي سأشربه بدونه إضافة ماء أو ثلج عليه، وسأكرعه كرعة واحدة، لعل الجحيم التي تستعر داخلي تنطفئ, ومع ذلك ومع كل هذا الترتيبات، أنا متأكد تماماً أنني حينما أرى وجهي في المرآة فإنني سأرى وجهاً بائساً، جاحظ العينين، منتفخ الأوداج يُتععهُ السُكر، تنهمر دموعه مخلوطة بدم ثخين يخرج من أنفي بغزارة لا أدري كيف خرج، بينما النار تأكلني ببطء من الداخل ولا إنطفاء لها، وسأشتمُ وأبصق عليه ذلك الوجه بكل السباب والبصاق, "عليك اللعنة يا لاري البشع كم أنت قبيح، أيها الشاذ العفن"، وسأحطم المرآة بقبضتي فتسيل دمائي أنهاراً وأقعي على الأرض محطماً ألقط أنفاسي وجسدي كله ينتفض من الحمى، أنتظر الموت فلا يأتيني، أركب دراجتي وأنا أنوح بأصوات حيوانية، وأذهب بعيداً في الثلج والصقيع والليالي شديدة البرودة، لعل صاعقة تأخذني فحمة منتنة. أصل إلى نهري الذي طالما بكيت بين يديه، فأدعوه مثل عبد يناجي ربه" أيها النهر...." فلا يستجيبُ لي ذلك السافل، مجرد ماء راكد تسبح فيه أسماك عفنة زجاجية العيون. "هيه لاري هل تريد أن نأخذك في طريقنا، البرد شديد هذه الليلة ولن تصل بدراجتك حياً إلى البيت"، كانوا يقولونها لي كما لو أنهم يشتمونني فلا أردُ عليهم فيضطرون للمغادرة، وأبقى وحدي أعالج دراجتي اللعينة مثل شبح من ثلج "أذهبوا إلى الجحيم يا راكبي الجمال". أقسو على نفسي لأنتقم من هذا العالم ومن بشره الأوغاد خصوصاً ذلك المسئول الكلب الذي كان يذلني بأوامره البغيضة التي كانت تستفزني. كنت مسالماً لا أُؤذي احداً بل وأزيد من المٍسالمة أكثر مما ينبغي فلا طاقة لي بأولئك القساة، لكن إلى متى سأظل ذليلاً. يُخيل إليَّ أن الحل يكمن في بندقية سريعة الطلقات، أفرغها في رؤوس عمال الورشة جميعاً، وأترك الطلقة الأخيرة لتكون من نصيبي، بعدها ينتهي كل شيء، الألم والقهر والمرارة والحزن, كل شيء سيغدو رائعاً بعد ذلك، لكنني كلما هممت بتنفيذ هذه الخطة، أجبن ويشلني الخوف، فلم أكن أملك تلك الشجاعة التي تؤهلني لفعل مثل هذا الأمر، قتل ودماء وناس تفر من أمامي مذعرة, حلم لا يطاق ومستحيل التحقيق. كل ما أستطيع فعله هو السباب والكره ليس أكثر.
الدائرة نفسها تزداد ضيقاً عليَّ كل يوم، ياللشيطان الكلب إبن الكلب حتى النساء أو الرجال لا فرق عندي، اريد أفرغ لذتي وجنوني بأية طريقة في أي ثقب أصادفه, جميعهم اختفوا ولم يعد أمامي غير هؤلاء العجفاوات المتصابيات ومتهدّلات الأكراش، والسوداوات الشبقات اللواتي لا يمانعن أن يفعلنها مع البغال, اشتهي أجسادهن وأكره اللون الذي يصبغهن بصبغته المقيتة، "جسدٌ شهي.. ما رأيك يا لاري؟!"، كدتُ أتقيأ من تلك الكلمة" جسدٌ شهي"، تخيلتها كما لو كانت قطعة من اللحم شُويت على نار حامية فتفحمت من شدة القلي. حياة مملة ومُهانة، أشعر أحياناً ولطالما شعرت بهذا الإحساس أنني دودة حقيرة لا قيمة لها، إلى أن تأتي قدم غليظة لتسحقها في أي لحظة, "مات أحمد يا لاري، وجدوه مقتولاً"، فلتموتوا جميعاً يا أبناء العاهرات, أخبرني بمقتل صاحبه الذي كان يعمل معنا قبل أن يترك الورشة وقرفها، ليلتحق بمحطة بنزين حيث الدفع أكثر بقليل مما كان يستلمة معنا، وكان صموتاً هذا الأحمد وغضوباً لأتفه الأسباب. ربما كان يعاني من مشاكل ما، لكن لا يهمني ولا يعنيني في شيء، المهم أنه قد مات واستراح. وجه "أبدول" كان حزيناً، أول مرة أراه فيها حزيناً إلى هذه الدرجة يتطاير الشرر من عينيه, لقد خفت منه في ذلك اليوم، فقد ظننته سيقتل أي شخص يقوم بمضايقته. ما الذي سيحدث لو أن فلانا مات أو قُتل حرقاً أو خنقاً أو جوعاً، أو أكلته الكلاب، لا شيء، فسكان العالم في تزايد مستمر، ولن تتوقف دورة الحياة، فهم يتزايدون مثل الدود، ومقتل شخص أو شخصين أو حتى مليون لن ينقص من العدد شيئاً.
 رآني صامتاً وكأن الأمر لا يعنيني وهو كذلك فعلاً، فلمحت وجهة مكفهراً، هل ظنّ بأنني سآخذه بالأحضان حتى يبكي ذلك الأحمق بين ذراعي، وأنني سأخبره عن أسفي الشديد لمقتل صديقه, عليهم اللعنة جميعاً، لكنني لم أفعل ذلك، فتلك ليست قضيتي، ومن مات فليمت وليذهب إلى الجحيم، لكنني مجاملة لم أبخل عليه بتلك الـ"سوري" المقتضبة، فانفجر في وجهي مثل لغم موقوت عندما رآني جامداً لم أتأثر "ما الذي يريدني أن أفعله له حتى يرضى عني، هل أشق جيبي وأصرخ مولولاً على الفقيد الغالي" ياله من ولد ساذج. صرخ في وجهي بكل الوجع الذي كان يعتمل داخله، وفهمت منه كلمتين قالهما بالإنجليزية، وحينما لم يسعفه ذكاءه في مواصلة النباح أكمل بالعربية، فلم أفهم ما الذي كان يصرخ به. "أقول لك مات أحمد يا أبن الكلب، وتقول "سوري"، قتلوه ياحيوان يا أبن الحيوان من هم على شاكلتك من قطاع الطرق وتقول "سوري"، وكأنه كلب دهسته بدراجتك يابن الزانية"، أوشك أن يهجم علي ليمزقني بأسنانه, ابن العاهرة كان مجنوناً كبيراً وكنت صامتا مطرقاً يأكلني الخوف، لا أدري ماذا أصنع، ولولا أن رفاقه أمسكوا به ومنعوه عني، لكان قتلني دون شك ذلك الوحش. كان يتوعدني بالعربية لا أدري بماذا، بينما كنت أنظر إليه بذل بغيض ولم أتفوه بشيء. ذل لا يطاق وكأنني لست في بلدي, كان داخلي غل هائل وكره ماحق في تلك الساعة، تجاه أولئك الذين لا أدري من أي صحراء أتوا، أو أي ريح ملعونة قذفت بهم إلى هذه البلاد، فقد كانوا في نظري مجرد مصانع متنقلة لصنع البراز، لا فائدة منهم وإلا لكانوا بقوا هناك في بلدانهم يحلبون النعاج ويرعون الجمال. كنت قد قرأت هذه الجملة في أحد الكتب فأعجبتني وصرت أطلقها على كل الناس وأنا منهم. بتُ أعتقدُ اعتقاداً جازماً بأن الوقت قد أصبح مناسباً لكي تقوم القيامة، وينتهي كل شيء، فلا فائدة من التطويل أو "التعريض"، فقد أصبح الناس جميعهم مجانين، أخرهم "أبدول" الذي عاد إلى ربه وأخذ يقف أمامي هو وأصحابه في صلاتهم التي كانوا يقيمونها أثناء الاستراحة، كنت أشعر كما لو أنهم يقومون بحركات لا قيمة لها، لكنني أقسم أنني كنت أرى في عيونهم إيماناً غريباً خصوصاً بعد صلاتهم مباشرة، كان يزلزلني حتى أعماقي. كانوا يبدون خاضعين مسلّمين لإمامهم، يقلدونه في كل حركاته، إمامهم الذي كنت أعرفه جيداً، "أبدول" اللعين الذي كان يطارد الفتيات ويتصيدهن واحدة تلو الأخرى ويشرب الخمر, وعندما أقبل "رمضانهم" المعظم كما يسمونه، تحول إلى شخص آخر في مسوح نبي تاب الله عليه أخيراً، أما بالنسبة لي فقد كنت أراه منافقاً كبيراً، مجنوناً بالنساء إلى درجة لا تصدق، وقد كان أكثرنا حظاً معهن حتى مع العجائز منهن، كُن يتوددن إليه ويمازحنه بخبث صبياني، إلا أنه في رمضان لم يكلم واحدة منهن, وبدا وأنه يوشك أن يتحول إلى راهب."قال الله"، ها هو ثانية يريد أن يحدثني عن ربه فلا استمع له، أتجاهله عمداً وأتركه يثرثر بلغته المكسرة، كما لو كان يحادث شخصاً آخر، وهو يظن أنني أستمع إليه، ورغم نفوري منه ومن جماعته ومع معرفتي الأكيدة بتاريخه الكامل من عربدة ومجون وعُهر، إلا أنني كنت أشعر بحنين إليهم وبود غريب، فقد كانوا صارمين لا يمزحون إلا قليلاً، يخشاهم كل من في الورشة، وإذا ما غضبوا من بعضهم أو من أحد آخر، يتحولون إلى وحوش كاسرة لا ترحم، الويل لمن يتجرأ ويتحداهم أو يقف في طريقهم. كنت أخشاهم كثيراً لكن قراري رغم زحمة العمل ومشاكله، وحروبه ظلَّ ينمو ويتخلق في ذهني مثل نبات الفطر، يوماً بعد يوم على ضرورة مغادرة هذا العالم، إلى عالم آخر لا أجد فيه أحداً حتى "جيسس" ذاته.
غرفتي لها المعالم البائسة ذاتها وتلك الرائحة نفسها لم تتغير، وقوارير البيرة الفارغة، منثورة في كل زاوية من زوايا الغرفة، وصورٌ ملونة كبيرة لنساء عاريات وهن يستعرضن أجسادهن النارية، في أوضاع مختلفة تؤدي إلى الجنون مصلوبة على الجدران. الليلة كانت شديدة البرودة ومع ذلك فقد ركبت دراجتي، كان الضيق في نفسي من كل شيء قد بلغ المدى الذي لا عودة عنه وخرجت أبحث عن صديقي النهر الذي سيضمني إليه إلى الأبد، على الأقل سيضمّ روحي أما جسدي فسرعان ما سينتن ويُقذف به في أقرب حفرة. أدري أن الوقت غير مناسب ليموت فيه إنسان، لكنني أحبذ هذا الوقت لصرامته وهي صرامة خليقة برجل يود الموت وحيداً مثل كلب عجوز. أريد أن اموت موتة عادية لا فروسية فيها ولا نبالة، كنبالة أُولئك الحمقاء الغابرين الذين كانوا يتمنون الموت واقفين، كما لو كانوا أهدافاً خشبية حمقاء يقتطفها القدر بضربة واحدة, فقط موتة طيبة..أعني غطسة سريعة في الموت لا تكلفني كثيراً, كأن أقذف بنفسي من عمارة شاهقة فأصل إلى الأرض جثة هامدة، لا يهمني بعد ذلك إن كانت مشوهة أم لا، أو أن أرجم بجسدي تحت عجلات شاحنة مسرعة فتمزقني مزقاً، لا..لا، هذا خيار صعب ومؤلم، إنني أتخيل الشاحنات مثل وحوش هائلة من حديد، المهم شيء يؤدي إلى التوقف الأبدي برفق، حتى وأن كان ذبحاً باستثناء الشاحنات وعجلاتها الرهيبة. الريح تمزق جلدي بسياطها الحديدية وأنا وحدي في هذا العالم، رجلٌ مكسور حتى العظم، يكره كل شيء. لقد صبرتُ بما فيه الكفاية، وها قد آن الأوان لصنع نهاية مناسبة لجثة متعفنة تمشي على قدمين. أدري أن النهر شديد البرودة والتجمد، قطعاً أنا لم آتي لا ستنشق هواءً عليلاً، لكن غطسة واحدة فيه بدراجتي، قفزاً من فوق هذا الجسر الهائل الإرتفاع، تكفي لعمل صدمة، أولاً مباغتة لكهرباء المخ فتشله للحظات وهذا هو المطلوب، ثانياً يتولى الماء ببرودته الصاعقة تبريد الدم وتجميد القلب حتى يتوقف عن الركض ويخلد إلى السكون، ثالثاً أقفز صامتاً في الفراغ، وأهوي في النهر مثل حجر كبيرة جامد المعالم والأحاسيس.. هكذا......!!!
ديترويت في يوم ما- في شتاء ليس له تاريخ
 
 

حينما احترقت المياسة

"هذا الكابتن أحمد يحييكم على متن المياسة، المتجهة في رحلتها المعتادة من مدينة ويستلاند إلى مدينة ديربورن( )، وسيكون الهبوط في مطار دكس( )الدولي في تمام الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل"، يعلو ضحكنا ويملأ السيارة كان ضحكاً مرهقاً، ولكننا كنا نتجاهل التعب بالهزل مع أنه متمكن منا. كنا مجموعة من العمال في إحدى شركات مدينة ويستلاند بديترويت الكبرى، أربعة يمنيين وجزائرين. في ذلك الشتاء القارس الذي مر بطيئاً، وبمجرد أن ينهي الكابتن تلاوته المعتادة، نبدأ في التندر، "والآن إلى كلمة الرحلة تررا.. ترررا"، أرفع صوتي بموسيقى المقدمة فيدخل رضوان الفتى ذي العشرين من العمر، الذين يخشى أن يموت قبل أن يتزوج أو يشم رائحة امرأة، "إخواني لعلكم تدركون أهمية أكل الرز مع الزوم( ) لذلك فعليكم الإكثار من أكلهما معاً كل يوم"..., "أكل الرز مع الزوم مُقَوًّ للباءة، هازم للخوف، هذه حكمة اليوم" قال الجزائري، فنضحك مثل أطفال مجانين. كنا نحاول أن ننسى همومنا وتعبنا بعد ثماني ساعات مضنية من العمل الشاق، نحاول نسيان مصاعبنا وديوننا وأحزاننا. كنا متشابهين في أشياء كثيرة، الديون التي ترهق كواهلنا، الفقد المروع لأحبة بعيدين، وحنين لا يطاق لأوطان لا تسأل عن أحد. كانت سيارة أحمد التي أسميناها المياسة عبارة عن نادٍ متحرك يركبها أشخاص متفاوتي الميول، ففينا المتدين والعربيد، والبشوش والكئيب، الثرثار والصامت، لكننا ما اختلفنا. كان الوجع المشترك قد جمعنا، وكان الوقت الذي نقضيه في المياسة متنفسا حقيقياً لنا, "ليل كلاً تروح..ليل وانا مكاني". رضوان أصغرنا سناً وأكثرنا شقاوة، صاحب الصوت الجميل، حينما نصل إلى ذروة الهزل، يصعقنا بأغنية موجعة فنلزم الصمت، ونبدأ في إطلاق التناهيد، يداخلنا خوف لا ندري له سبباً، "ليلاه.. ليل دمع العيون سال، ... ليل لما الحبيب مال"( ). كانت هذه هي عادتنا طوال ذلك الدرب البعيد، قبل أن نصل إلى نهاية الرحلة، ويتوجه كل منا إلى بيته على أمل اللقاء ثانية صبيحة اليوم التالي. كانت المياسة تعني لنا الشيء الكثير، خصوصاً أنا والكابتن، عندما كنا نناور بها في مساءات السبت ومع موديلها القديم نسبياً، إلاَّ أنها كانت تفي بالغرض. فتيات شهيات كثيرات كانت السيارة تستهويهن فيصعدن إليها ولا يخرجن منها إلاَّ بعد أن ننال المقصود، لذلك وحينما سمعت بالخبر شعرت بغصة عميقة، كان احتراق المياسة كما لو أنه حرق لماضٍ مشترك وجميل، كلنا صعقنا "احترقت المياسة.. كيف؟!" نتساءل كما لو أننا فقدنا عزيزاً علينا "لعلها انتحرت" لا أحد يضحك, كنا في ورطة حقيقية فمن الذي سيأخذنا إلى العمل. تفرق شملنا وذهب كل واحد منّا مع سيارة أخرى، وحينما أطل أول سبت بعد انتحار المياسة أدركت والكابتن كم كانت خسارتنا فادحة.
        
 
 

ذلك البيت

كثيراً ما مررتُ بذلك البيت الذي يقع في آخر الشارع الذي حللت بأحد بيوته مؤخراً، حيث توجد فيه مدرسة ابتدائية، وكنيسة قديمة مغلقة لم يَبْقَ جزءٌ منها في صحة جيدة سوى جرسها الذي يرن أحياناً، لا تدري من بث فيه الحياة. كان له لون بنيٌّ فاتحٌ متميزٌ عن بقية البيوت، يميل إلى الرمادي في الشتاء, بيت من طابقين يشبهُ القلاع القديمة، تحيط به حديقة واسعة، كُتب على سورها "احترس هُنا كلب قوي" لإخافة المارة من الاقتراب، لكنها لم تخفني بل على العكس من ذلك، زادت من فضولي "كلبٌ قوي، ماذا يعني ذلك"، لكنني وعندما وصل قلبي إلى حلقي راكضاً من الخوف، وطعمت الدم في لساني، ساعة أن باغتني فيها ذلك الكلب بنباحه المفاجئ على مقربة مني، أدركت معنى تلك اللوحة المعلقة على السور الذي كان فاصلاً بيني وبينهُ، ولولا ذلك لكان فتك بي دون شك. كان بحجم الخروف، مشدود الجسم كما لو كان نمراً. بعد تلك الحاثة تحاشيت السور خشية الحوش القابع وراءه، لكن ذلك لم يمنعني من متابعة المراقبة. الجو الكئيب الذي يحيط بالبيت كان يزيد من فضولي وتساؤلاتي، "ترى هل يسكنهُ أحد فلم ألحظ أي حركة فيه حتى الآن". النوافذ موصدة والباب مغلق دائماً، أحياناً ما أمر من أمامه تصفعني رياح الخريف الباردة وأوراق الشجر اليابس المتطاير في الهواء، فتزيد وحشة البيت في ناظري، أختلسُ النظر إلى النوافذ علّني أرى قبساً من ضوء في الليالي المعتمة فلا أرى شيئاً، وكأن هناك من يقصد ذلك. مررت على البيت بعيداً عن السور بالطبع في أوقات مختلفة صباحاً وعصراً ومساءً, بل أنني ذات مرة ذهبت إلى هناك فجراً لعلّني أرى ما يشبع فضولي، لكن لم يحدث ذلك مطلقاً، كما لو كان البيت مهجوراً منذ ألف عام، مع أن هيئتهُ تدل على ثمة اعتناء. الشيء الوحيد الذي استطعت اكتشافه هي تلك السيارة القديمة من سيارات فورد ذات الموديل الذي انقرض منذ عهد طويل, كنت أراها رابضة في مكانها المعتاد دائماً وباستمرار، "أكيد لا بد من وجود سائق لها، فليس من المعقول أن تسير لذاتها", عندما وصلت إلى هذه النقطة كنت قد عرفت بأنني رجل يؤمن بالمنطق وهو منطق خرائي على كل حال، لكن السؤال لم يزل قائماً ولم ينفع معه المنطق "إذن أين هو هذا السائق", سؤال أعادني إلى البداية. انتهى فصل الخريف برياحه وهشيم أوراقه، ودخل الشتاء بثلوجه التي تبعث على النعاس والبيات، وطريقي دائماً من أمام ذلك البيت أسفل الشارع، دون بارقة أمل تذكر في أن أتمكن من مشاهدة أي حركة تصدر منه. "ذلك البيت" جملة أرددها باستمرار "ماذا يعني لي؟!" سؤال أساله لنفسي فلا أجد له جواباً. بيت غريب ووحش يقبع وراء أسواره ولا حياة فيه، كيف يحدث هذا، ثم ..ثم ذلك الحيوان الهائل من الذي يقوم بتسمينه ولماذا ، أليس من الأجدر به أن يُربط إلى وتد في الأرض ويُترك دون طعام أو شراب حتى يُقضى جوعاً، فأستريح منه ومن بيته الذي تسكنه الأشباح ونباحه العظيم.
مرات كثيرة كانت عواصف الشتاء تمنعني من الخروج، وبالتالي تمر أيام دون أن تُتاح لي فرصة المرور بالبيت المزدان بأشجار عارية جرداء أمام رياح الشتاء كما لو كانت تبكي، لكن وبمجرد أن يصحو الجو أُغادر بيتي لأقضي حوائجي، وبالطبع أتعمد أن يكون ذلك البيت وكلبه في طريقي، ولا جديد اللهم غياب الكلب من مكانه، وهذا أمر طبيعي نظراً لتساقط الثلوج وإلا لقتله البرد. انقضى الشتاء وبدأت براعم الأشجار بالتفتح بمجرد أن نفخ فيها الربيع من روحه، وقليلاً قليلاً أخذ الثلج يذوب مخلفاً وراءه بحيرات وسواق صغيرة من طمي وطين، سرعان ما تغيب في فتحات المجاري. في بداية الصيف، لا أتذكر بالضبط متى حدث ذلك، هل في أول يوم أم أنه بعد شهر منه، وأثناء مروري المعتاد بالبيت، لمحت الباب موارباً, بداية لم أصدق ما أراه "الباب مفتوح" تمتمت مبهوراً, "يعني أن..!", وقبل أن تأخذني الظنون رفعت صوتي عالياً "هالو.. هل ثمة أحد هناك؟!" فأتاني الجواب سريعاً نباح قوي يأتي من الداخل، كان صوت الحيوان الذي أعرفه جيداً، لكنني ما شعرت بالخوف، بل ألهبته بصوت أقوى من سابقه "هاي..هل ثمة..!!", للحظة خاطفة خُيل إلىّ أن صوتاً أجابني، كان آدمياً هذه المرة "مَنْ هناك.. أدخل من فضلك الباب مفتوح". كان الصوت لإمرأة مما جعلني أتقدم مسرعاً، تجاوزت السور ودفعت الباب الموارب، وهالني ما رأيت. رأيت حجرة استقبال واسعة شديدة الترتيب رائعة الجمال، وكانت صاحبة الصوت في انتظاري مبتسمة بوداعة امرأة تجاوزت الستين بقليل، وعند قدميها برك كلبها الضخم بعينيه الصفراوين، وحينما رآني وثب كما لو لدغته حية، لكن سرعان ما نهرته العجوز بصوت آمر جعلهُ يجلس على قائمتيه الخلفيتين يرمقني بنظرات تخلع القلب، تلك اللحظات السريعة جعلتني مرتبكاً، فقد كان البيت جميلاً بالفعل من الداخل، ومع ذلك لم أنْسَ سؤالي "هل ثمة أحد يسكن هنا؟!", سألتُ وأنا أوزع نظراتي بين الكلب وسيدته، "هل تريد قدحاً من القهوة"، صوتها كان واثقاً لا يخلو من أنوثة بائدة، "شكراً" أجبتها بسرعة، "هل تبحث عن أحد، أعني...!!". سألت العجوز برقة واللعين لم يطمئن إليَّ بعد، "فقط أسأل عمَّن يسكن هُنا"، "امرأة عجوز" قالتها بصوت خفيض ويدها تداعب فروة الوحش. "سيدي" خاطبت نفسي مستغرباً من حيرتي المفاجأة، ما الذي  تريده من "المرأة بالضبط"؟ لم أستطيع الإجابة ومع ذلك واصلت هُرائي بسماجة أُحسد عليها فعلاً. "حسناً" نطقت بها تلك الـ "الحسناء" لا أدري ما بعدها، رفعت بدورها رأسها باتجاهي وبدأت مهيأة للإنصات، "دعينا نتحدث قليلاً", هكذا وبكل بساطة ألقيت بها في وجهها جملتي تلك, لم تتفوه بل حركت رأسها موافقة على مقترحي، ماذا سأقول، عمّاذا سأتحدث والله لا أدري، الذي كنت أدريه فعلاً هو أن الكلب يراقبني متوثباً يودُ بعينيه الزجاجتين افتراسي وأنا واقف مكاني صامتاً تحدق بي امرأة عجوز!!.
ديربورن 96
            
 
 

أشياء خاصة

قالت لي بأن لها صديقاً ينادمها كل ليلة سبت، "ولكنك قد تجاوزت الستين يا مسز دارلين فمن ذا الذي يقبل بك؟!" قلتها بخبث لكنها كانت قد فهمت سخريتي، "أذهب من أمامي أيها الصغير الغبي", وضربتني على كتفي برفق متوعدة أياي بإشارة من سبابتها المتغضنة، وعينيها الزرقاوين تمشطاني بنظرات نارية نعرفها معاً جيداً. وبعد أن فرش المشمع البلاستيكي على العشب الأخضر، اخذ يخرج أشياؤه وطعامه من ذلك الكيس الذي لا يفارقه، ليأكله قبل أن يذهب إلى عمله، وهو يدندن بأغنية قديمة.. "بالله عليك واساير أمبيضاء، بلغ سلامي علم هيله". وضعت جدتي البصل والطماطم وقطع البطاطا الكبيرة إضافة إلى دجاجة سمينة في طنجرة الضغط الجديد، وتهيأت للطبخ بعد أن أضافت الملح والفلفل الأسود المطحون والثوم المفروم كان ذلك في صباي البعيد، حينما كنت أقضي حاجتي وراء الجدران يلاحقني الذباب. كان طبيخ جدتي لذيذاً، ربما لأنني لم أكن قد تذوقت غيره من قبل, "الذي يأكل من طبيخي يكبر بسرعة".
عادة ما كانت تتباهى بطبيخها أمامي، حيث كنت أقبع أمامها مثل هر صغير أراقبها مبهوراً بما تصنع, "جدتي تطبخ أحسن طبيخ في الدنيا", كنت أتباهى بجدتي وطعامها أمام رفاقي الصغار، وأظل أقص عليهم تلك القصص العجيبة، عن سر الطبخ الذي تحفظه جدتي الماهرة. طبعاً لم أكن لأخبر أقراني بأنني اختلس بعض الريالات من ثمن مصروف البيت، الذي كانت جدتي تتفنن في إخفائه، لكنني كنت دائماً أعثر على مخبئها سريعاً. قطعاً كنت قد تعمدت إسقاطها, يا غبي "ربما تلقى حتفها", لأرى كيف ستكون ردة فعلها" "وماذا يهمك من ردة فعلها أيها الأرعن", "أنظر موضع قدميك يا صغيري"، كنت أراقب سقوطها ولم أمد لها يد المساعدة، قالتها مبسمة ابتسامة مرتجفة، لم ادر هل كانت ابتسامة غضب "مالذي بإمكانها أن تفعله بي وهي العجوز", أم أنها ابتسامة خوف أم أنهما معاً، كنت احدث نفسي وكأنها فعلاً ستقدم على خوض معركة معي. "أيوه يا ملاحي" التفت إلىَّ بذعر بعد أن قطعت عليه أغنيته، كأنما خشي على بطيخته التي كان يعمل فيها سكينته استعداداً لنهشها، أقف أمامه ممسكاً بيدي كيس طعامي أثناء ما كنت متوجهاً إلى عملي "أيشوه، أيش تشتي", وأشار إلى بطيخته "تفضل كُلْ", وجهه الأحمر لا يزال يطفح بظمأ هائل للحياة, "ليت الشباب يعود يوماً" جملته التي يرددها باستمرار حتى صارت مثلا، "كيف حالك", لم يرد فقط كان يأكل وكأنه سيموت بعد ذلك، وبعد أن ازدرد قطعة ضخمة رد من بين أسنانه "بخير". وأذكر أن جدتي غادرت مطبخها وذهبت لتؤدي صلاة الظهر بعد أن أحكمت إغلاق الطنجرة، وتوجهت إلى الله بصلاتها, لم يبق أحد في الورشة إلا وقد علم بصداقتي لمسز دارلين, أذهب لصديقتك وكن رفيقاً بها", الأوغاد زملائي وزميلاتي كانوا يقصدون مضايقتي بسخريتهم تلك. أحياناً كنت ابتسم بينما المسز دارلين تأخذ الأمور بجدية تفزعني. أقبلت السيارة التي تقل الملاحي إلى عمله بعد أن فرغ من حربه مع محتويات ذلك الكيس الذي يحمله في كل مكان يذهب إليه. الأرصفة كانت مزدانة بالأخضر، وصيف ديترويت كان ملتهباً هذا العام والنساء يتخففن من جحيمهن في الأسّرة.
كانت جدتي في تشهدها الأخير، عندما تناهى إلى سمعها دوي هائل جعل الحارة تهتز لشدة الانفجار, اجتمع الناس عند باب جدتي ليطمئنوا على سلامتها، بينما كنت ألعب في الشارع المجاور مع بعض الصبية، وأول ما تبادر إلى ذهني لحظة سماع ذلك الانفجار الهائل اعتقادي بأن جدتي قد ماتت، وعندما رأيتها بقميص صلاتها المتسخ، توقفت عن البكاء وتمخطت على أقرب جدار وصلته يدي، وابتسمت وأنا أعانقها من عند ساقيها فرحاً بنجاتها. كثيراً ما كنت أزعجها بثرثرتي وحينما أناديها بتلك النغمة المحببة على قلبي "أمه دارلين", تجيبني بسرعة متصنعة الضجر.. "وات", بالطبع لا أرد عليها أقصد تجاهلها كما لو كنت لست من يناديها, ذات مرة مثلت عليها بأنني غضبان دونما سبب.. "قلت لك مية مرة يامه دارلين، أن تنتبهي لصحتك", قصدت أن أذكرها بعمرها بعد أن تمادت في تصنع المراهقة معي. "وبعد..."، بكل برودة أجابتني، لكنني واصلت خطبتي وكأنني لم أسمعها, "وأن ترتدي معطفاً يقيك البرد، الا ترين نفسك مريضة"، "ومن يهتم". سنة تقريباً وأنا أعمل بجوارها، كلمتها الأخيرة هي التي هزتني فأجبت عليها بحماس "أنا"، لكنها ومع جدية الموقف اخرجت لي لسانها في تهكم وعاودت عملها بصمت، "أمه دارلين" ناديتها ولم تجبني هذه المرة. كان الملاحي زميلاً لي في الورشة التي أعمل فيها، قوي الشكيمة، شديد الحسد، كثير الثرثرة لا يسكت أبداً، لم أستطع فهمه الفهم الكامل، فهو متقلب المزاج والولاء، لكنه ومع عمره الذي قد تجاوز السبعين كان يعمل بهمة ابن العشرين, "قد حاربت في البحر السابع مع الفرنساوية، يوم تحاربوا الناس كلهم في العالم". عندما يعود بذاكرته إلى الوراء يأخذ في الثرثرة عن ذلك الماضي الجميل، حيث الشباب والنساء الجميلات، وألمح الحسرات تغرورق في عينيه على العمر الذي يوشك على الانطفاء، وحينما يتوجه إلى عمله لا ينسى أبداً أن يعَّرج على شجرته ليبرك تحتها ويتناول بعض الفواكه والطعام، بينما السيارات والنساء، "آه النساء" كان يتابعهن بكل الجوع الذي يصليه من الداخل، بشعورهن يسابقن الريح.
دخلت جدتي إلى مطبخها، فرأت عاليه سافله، وعندما وجدت بأن طنجرة الضغط لا زالت سليمة ولم تفقد سوى غطائها، نطقت بكلمتها التاريخية "المهم أن الطنجرة سليمة" وعادت إلى الصلاة، لكن صوتي خرج ملعلعاً" أيش نسوي بالطنجرة يا جده المهم الغداء"، لست أدري لماذا ضحك أولئك الناس.
قلق الموت كان يركض في عينيها، تحاول أن تنسى ذلك بكثرة الحركة، وتنقلها من عمل إلى آخر، مات زوجها قبل ست سنوات مخلفاً معها ست بنات شابات لا تدري أين أربع منهم، أما الاثنتين الأخيرتين فقد تزوجتا، واحدة إلى ولاية أوهايو والآخرى سافرت مع زوجها إلى ألمانيا حيث تعيش هناك، "وهكذا أنا أعيش بمفردي في بيت كبير". كنت قد عرفت بأن العجوز تشتهيني بجنون، وكانت تطاردني بنظراتها الحارقة في كل مكان حتى في النوم، كنت أراني وكأني دجاجة وهي تحاول التهامي. ذات يوم وأنا في طريقي إلى العمل رأيت سيارات البوليس والإسعاف محلقة حول شجرة الملاحي، أوشكت أن أعود أدراجي لأرى ما الذي حدث، لكن ثمة عسكري كأنما كان في انتظاري، وبمجرد أن رآني متوجهاً صوب الشجرة أتاني صوته آمراً "لا تتقدم". لم انطق وواصلت طريقي باتجاه عملي غير مكترث بشيء، أو حتى حاولت مجرد المحاولة التفكير في مصير الملاحي، فثرثرته لا تزال تصم أذني لكنني عندما تذكرت مسز دارلين وصوتها يلعلع في ذاكرتي مثل النار "سأشتري لك سيارة وكل ما تريد، فقط تعال معي"، أوشكت على التقيؤ وأنا أتخيل نفسي معها في السرير.

 

 


 

 

عندما كنت جبلاً صغيراً من ثلج ذوبته الأحزان

.
 
  أونكل جيمس أو كيف حالك يا عبده وسبعة قتلى في صندوق

"أونكل جيمس" جعلت حياته جحيماً لا تطاق على الأقل في العمل ، لم أكن أقصد ذلك، فقط أحببت مداعبته، لكن للأمانة غير التاريخية أعترف بأنني تماديت في المداعبة "أونكل جيمس", ومن آخر اللاين كان يأتي صوت أحمد الجزائري "يا إلهي سبعة قتلى في صندوق", يخرج صوته ممسرحاً، يقطب عن حاجبيه، ويعيد ترديد الجملة "يا إلهي..ستة قتلى في صندوق", يقول ذلك حسب عدد قطع الغيار التي نضعها في تلك الصناديق الكرتونية استعداداً لشحنها إلى مدن لا ندريها، وإلى مستودعات للبيع لا يهمنا من يدخلها.
يا إلهي خمسة قتلى في صندوق، يا إلهي قتيلان في صندوق يا إلهه وإله الكون..., حتى ينقضي اليوم المضني في العمل. كنا عمالاً مزقتهم الخيبات نعمل في صمت مطبق لكننا حينما نبدأ الثرثرة لا يستطيع البنتاجون ذاته أن يوقفنا، وكما هي العادة أبدأ أنا الحفلة "أونكل جيمس دونت بليف إني ثنك أباوت مي" ، قبل أن نتهي من كلامي، يكون الرجل قد قفز ذعراً إلا أنني باغته من الخلف وأطلقت جملتي التي يكرهها فجأة في أذنه، وبصوت ثقيل.. "أونكل جيمس آر يو أورايد؟!!".
نظر إلي مرعوباً فزادته سحنة وجهه المرعبة رعباً "يو كريزي فور ريل" ، لا أسمعه أو أتظاهر بذلك، بل أعاود الهجوم عليه "آي سدّ آر يو أورايد...أونكل جيمس اللعين" أقول الأخيرة بالعربي، فيهز رأسه متبرماً، "وات إيفر" .
كنا نسمي اللاين الذي نشتغل فيه بـ بار السعادة، لأن زملاءنا من العمال السود لا يأتون إلى العمل إلا ممتلئين حتى الحلوق خمراً، فتحلق روائح قنواتهم الهضمية من أفواههم المشبعة بالكحول، في سمائنا فنسكر من سكرهم وما نحن, وعندما نشتكي إلى المسؤول العربي، يرد بإنجليزية شكسبيرية "آز لونج ذي ديد جود جاب آي هاف نو برابلم", يا إلهه، وعندما أسأل أحمد الجزائري كم الساعة يا أخي يجيب "الساعة تشير إلى ما هي عليه الآن", فأرد بلهجة يمنية صرفة "ويشو هذا".
كنا في بار السعادة عتالين لا يرحمنا أحد، حتى ذلك العربي اللعين، وعندما أصل إلى هذا السطر يطلب الجزائري قلمه بلهجة الجزائر الغريبة "أعطني المحبوس يا أخي".
طيب أحمد الجزائري ومليون قتيل في صندورق، وأونكل جيمس وخوفه الدائم من مباغتاتي، لكن إلى أين أذهب بك يا كارولين فاي جاكسون، فلا يوجد ثمة بار أو نايت كلوب يقبل بسوادك, "تعال معي إلى ديترويت", تقول كما لو كانت تنطق بالحكمة! لكن ما هي ديترويت.." سبعة قتلى في صندوق، على رأي الزنجي الأسود أونكل جيمس الذي كان أول من نطق بعدد القتلى في الصندوق فأخذ بعده أحمد يرددها كالببغاء "ياعزيزتي حينما يشاهدونني أبناء جلدتك السود معك وأنت بهذا الجمال صدقيني سوف يقتلونني", أحاول إقناعها بعدم الذهاب إلى الأندية التي يرتادها "الكُحل"، فهم غيورون مثلنا نحن رعاة الجمال", أحاول إضحاكها لكنها تأخذ القضية مأخذ الجد.
"إذا كنت تحبني فتعال معي إلا إذا كنت خائفاً", كانت شديدة المكر تحاول إستثارتي في مسألة الخوف، فأنطق مثل عربي حقيقي "صدقيني أنا فعلاً لا أخاف، لكن المسألة أن أبناء جلدتك عندما يأخذهم الكيف ليس هناك أسهل عندهم من إطلاق الرصاص، لقد خبرتهم أبناء الزواني". أذهب معها وفي تلك الليلة المشؤومة كدت ألقى حتفي لأننا بعد أن رقصنا رقصاً مقنعاً بدأتْ أعين الحساد، "من يكون ابن العاهرة الذي يرقص مع هذه البنت السوداء الجميلة" ، وما كدنا نخرج من ذلك النايت كلب ابن الكلب اللعين حتى دوت فوق رأسي ثلاث رصاصات، كانت واحدة منها كفيلة بقتلي ، شلتني المفاجأة ولم أقدر على الهرب، فصرخت فيها باعلى صوتي، كنت شديد الغضب وكانت شديدة الخجل، "لقد أخبرتك بأن هؤلاء المناييك سوف لن يتركوننا في حالنا وها أنا أوشك أن أقتل بسببك" ، صمتت المسكينة حرجاً ولم ترد.
ذات مرة أتى الأونكل جيمس إلى العمل مع فتاة صغيرة تعدت الثامنة عشرة، كانت فتاة ظريفة تبحث عن رجل ولأنه يعمل معي في نفس اللاين فقد أتى بها معه, "من هذه الفتاة الجنسية النظرات أونكل جيمس", فأجاب متفاخراً بأنها ابنته "شي إز ماي دوتر".
كنت ضعيفاً أمام هذا الصنف من الإناث, أقصد أولئك اللواتي يبدين شهوانيات بسمات عدوانية، ألقيت عليها التحية بعد أن قتلتني بنظراتها الزائغة وقالت "اسمي مونيكا", اسمها يذكر بعشيقة السيد الأول للعالم، فأجبت عليها وأنا اسمي كيلنتون.
ضحكت اللعينة وغمزت بعينها، حاولت قصارى جهدي الابتعاد عنها، فأنا أعلم بأن فاي شديدة الغيرة، وإن رأتني معها فسوف تقتلني وتقتلها وتقتل نفسها، لقد فعلتها عاهرتي مرةً من قبل، عندما ضبطتني أرقص مع فتاة بيضاء، لم تتكلم بل سحبتني من ذراعي ونطقت مثل الحكماء الذين تقرأ لهم في كتب الميثولوجيا القديمة "لا توجد امرأة مهما كان جمالها تستطيع سرقة رجُلي مني"، ظننت أن الموضوع قد انتهى عند هذا الحد، وعندما اختلينا في غرفة منسية في فندق شعبي رخيص أشهرت في وجهي مسدس.. "اسمع يابن كلاب جميع أنحاء الأرض أنت الرجل الحقيقي الذي أحببته في حياتي، وإذا كنت تظن بأنك ستلعب معي فتأكد بأنني سوف أقتلك وأقتل نفسي"، هدأتُ من خواطرها وأخذتها بين ذراعي، "لقد كانت هفوة ولن تعود فأنت امرأتي", ثم بكت بشدة "أيها الغبي أنت لا تدري كم أحبك".
لم نعض بعضنا في تلك الليلة بل نمنا مثل أخوين ، لكنني عند الفجر استيقظت الصحاري في دمي وأكلتها حتى العظم كما تحب.
ما يضحك في الأمر أن "جنات" تلك السحاقية البيضاء الكلبة أوشكت أن تأخذ من يدي ماري، جنات سحاقية من الطراز الأول مع أن عمرها لم يتجاوز الخامسة والعشرين, "جنات أنت تريدين جمل يعلمك فن قطع المفاوز البعيدة وينسيك العطش", تضحك ولا ترد بينما الجزائري يتوعدني بضرورة إنجاز العمل, "بدلاً عن تضييع الوقت في التحدث مع النساء"، من يستطيع إخراجي من بئرهن العميقة يا ابن الأوراس، وهدد حتى تشبع فلابد من أكل لحم ماري الشهية، وقد كان ذلك دون علم فاي جاكسون عشيقتي السوداء الأثيرة، إنها دائماً على استعداد لحرق العالم من أجلي، كم بكت كم توسلت أن أتوقف عن مغازلة النساء، لكنني كنت كما هي العادة أخلف وعودي التي أنثرها عليها حتى أطبقت علينا الطامة، أطلقت النار عليّ وأنا نائم إلى جوارها، ومع أنني أبليت بلاءاً حسناً، إلا أنها كانت قد صممت على قتلي وقد كادت أن تفعل لولا أن طلْقتها الطائشة أصابت ذراعي، وكان عليّ أن أنقذها من مصيرها المحتوم, محاولة القتل، وأخبرت البوليس والمحكمة، بأنها كانت تقلب بين يديها مسدسها المرخص, فانطلقت رصاصة بطريق الخطأ كان علي أن أقول ذلك والإ ضاعت الفتاة وراء القضبان لعشرين سنة متوالية.
أخبر الأونكل جيمس بذلك فيضحك، ويبدأ في شرح عشرات القصص عن غيرة النساء، ونظراً لمحاولته في التنظير والتحكيم أواصل تهكمي عليه، "أونكل جيمس يو أوكيه", في كل خطوة يقوم بها حتى أقلع عن إسداء النصائح إليّ، ليس ذلك فحسب بل لقد أوقعت بفتاته الصغيرة في حبائلي, وجعلتها تشاهد الرمل على الطبيعة حتى لو لم تره من قبل. كنت مثل بغل عندما أصل إلى السرير، وقد قاطعني عندما رأى ابنته تنفذ لي كل رغباتي وهو الخبير بالنساء فمعنى ذلك، بأنني قد أطعمتها من جسدي ما لم تكن تحلم به، وقد فعلت ذلك فعلاً.
"يا أخي.. رجاء توقف عن الحديث، نريد عملاً هنا"، يسلقني الجزائري بفصاحته لكني لاأعيره التفاتاً وانطلق في الغناء, كان غناءً متعمداً أؤلفه لنفسي "أين أنت أيتها الفتاة الجزائرية السمراء التي لم أرها بعد حتى أعلمك فنون ركوب الخيل", أو "فاي فتاتي السمراء تنتظرني هذه الليلة، لأقص عليها القصة من ألف ليلة وليلة، ومتعة السرير الذي لا ينام طوال الليل"، يحتج الجزائري ويشتكيني إلى المسؤول وعندما بدأ الاستجواب أرد بغباء مقصود, "أونكل جيمس..كم عدد القتلى في الصندوق".
يصمتون مستغربين، بينما انطلق أنا في ضحكة قوية أكرهها.
المشكلة أن البنجوين لا يفقه أقوالي، البنجوين هو ديفيد، شاب أبيض يشبه طائر البطريق فأسميته بذاك اللقب، حتى صار كأسمه. كان ذكياً رغم قصره و بدانته المفرطة ونظارته الضخمة.
يعرف كل شيء عن العمل، ذات مرة حاول أن يتحرش بفاي امرأتي السوداء، فسمعت بفضيحته ملائكة العرش، أقل لعنة قذفتها في وجهه "عفواً يا عزيزي، فأنا لا أنام مع الطيور"، وأحد الألقاب التي أطلقتها عليه، الديناصور الصغير، فصار مثلاً.
"سبعة قتلى في صندوق" يلحنها جيداً ذلك الجزائري الطيب، الذي يؤدي الصلاة خلف الكراتين الضخمة، وعندما يعود أرى النور في وجهه، فأحسده على تقواه, أما أنا فمجرد حيوان يتقن التأنق ليس أكثر, "كادت أن تقتلك عشيقتك يا ولد العم، طيب لو مت..على النار يا تاج راسي..على النار".
يتهكم عليّ إبن الجزائر العاصمة وقد كان صادقاً. بقيت الطلقة في ذراعي سنة كاملة نظراً لأنها كانت بجانب الوريد، ومحاولة إخراجها كان يعرضني لخطر نزيف قاتل، فأبقوها في مكانها حتى تحيط بها الأنسجة فيسهل قلعها.
فجأة قررت الكف عن الضياع الذي أعيش فيه ونويت العودة لأداء الصلاة وهكذا كان، ثم توقفتُ عن التدخين ثم عدت وأمتنعت عن النساء، ثم عدت مثل كلب جائع إلى النباح وراء ظل كل بنت أنثى بعد أن تركتني فاي جاكسون تلك المرأة الشهية، وعدت إلى مطاردة أونكل جيمس.
لم أصدق بأن المرأة التي كانت مجنونة بي قد ذهبت, فاي الحارقة والمحرقة وفي كل لحظة أتخيل بأنها ستأتي من ورائي وتطلق عليّ النار, أما صالح فقصته قصة تذكر بأبطال الأفلام الهندية، أولئك الأبطال الذين في سبيل الخير يضحون بحيواتهم  حتى ترضى عنهم الحبيبة.
صالح هذا في السادسة والعشرين من العمر, شاب مصاب بالصرع وكم مرة سقط أثناء العمل نتيجة لنوبة صرع حادة. أول مرة أراه فيها كان مثل روبوت آلي في غيبوبته فكرهت العالم والحياة، إذن إذا ما اختل عقل الواحد فينا فهو مجرد آلة عمياء، يأتي بكل صلافة الأعراب سكراناً إلى العمل وعندما أحاول نصحه وتذكيره بخطورة حالته وتفاعلها مع الكحول يرد "يا أخي ما أحد مسرّح معه شيء". تكاد تكون إجابة صادقة، لكن مالا أستطيع تفسيره من قبله هو ذلك الإصرار على الموت.
مرة رأيته عائداً إلى بيته قبل الفجر، كان جاري وزميلي في العمل، رأيته في ضياع مهول تقشعر له الأبدان، شاب نحيل العود، شديد الظمأ إلى الحياة، مثل ذئب لم يطأ أنثاه منذ أول الخليقة، يعود كل فجر سكراناً لا يواسيه أحد.
أذهب إليه ألقي التحية فلا يرد يكون في عالم آخر, وذات مرة أصابني بالرعب فقد وصل إلى باب بيته وأنتابته الحالة، وبدلاً من الإغماء كما هي العادة إذا بي أسمعه يتكلم بطلاقه وبفصاحة تذكر بالمسلسلات التاريخية, "لماذا أنا يا ربي لماذا لم يكن أحد غيري", قال جملته وخر في صرعته كالميت، هرعت إليه ووضعته على جنبه الأيمن حتى يستطيع التنفس خشية أن يعضّ لسانه.
كان يهذي, "أريد إمرأة تكفكف دموعي وتمسح عني المواجع, تعبت من هذه العيشة..تعبت". تلك الليلة بكيت من كل قلبي ضياعنا جميعاً, هل هناك من يسمعنا فعلاً؟!!
أعود إلى العمل اليوم التالي فيواجهني الجزائري بصوته الممسرح "سبعة قتلى في صندوق"، فلا أرد عليه، كذلك الحال لا أزعج السيد جيمس، فقضى اليوم بطوله ينظر إليّ خفية وأنا أراه دون أن يشعر بذلك، لعله يستغرب عدم إزعاجي له، لا يدري ماذا ينتابني من أسئلة "أونكل جيمس هل تدري من هم القتلى الذين نقذف بهم في الصندوق كل يوم؟" وأتخيله صامتاً كلوح معدني فأجيب  "إنهم نحن" ، "أونكل جمس أناديه فيجيب, "يس" هم كما قلت لك ليسوا سوانا..فهل ارتحت الآن؟! فلا يجيب؟!!
عندما يرد الأونكل جيمس، كنت قد سميته كذلك لأنه كبير في السن، رجل أسود  قضى أربعين عاماً في شركة فورد، وعندما أخذ التقاعد أتى ليشتغل معنا، كم رأيت أشخاصاً مثله يأتون يشاركوننا العمل، فهم عليهم اللعنة لا يستطيعون التوقف عن الكد، فمعنى ذلك بالنسبة لهم الموت، لكن من يخبر ناجي الشميري وهذا له معي قصة، ذات مرة عندما أُنتخبت مسؤولاً لاتحاد العمال أردت أن أسلم عليه على الطريق، فناديته، كيف حالك واعبده، فرد "الحمدلله يا عبده"، وهكذا لم أسلم من لسانه حتى الآن، وكلما رآني، يصرخ في وجهي "كيف حالك واعبده"، فأرد عليه ممازحاً الحمدلله يا عبده، لكنها صارت بالنسبة له مثلاً في الذهاب والإياب, كلما رآني أفزعني بصوته الجهوري "هيا كيف حالك يا عبده"، فأرد عليه الحمدلله، طويل القامة ذو سحنة قروية, دخل أمريكا قبل خمسة عشر سنة، أصلع من وسط رأسه على شكل هلال خسفت به عواصف رعد  حارقه, أدخله أبوه الذي يعمل في فورد بعشرين دولاراً في الساعة لكنه يبدو طيباً جداً حتى لا أقول ساذجاً وأجرح أحاسيسه, "أسمي قاسم يا صاحبي", أقول له حتى يرحمني من سلامه, لكنه يصر على "هيا كيف حالك يا عبده"، كنت قد ناديته بذلك أول مرة عفوياً، وكانت غلطة من الصعب تجاهلها.
بخير ولله الحمد أرد عليه بصوت قاطع، لكنه لا يفهم معنى ما أقول.."إسمي قاسم يا بني آدم" صرخت بها في وجهه ذات يوم، وقد كنت غاضباً لأسباب عديدة, لكنه دون قصد وكما لو كنت أمزح معه يرد عليّ بنفس اللهجة "كيف حالك واعبدوه", أُسقط في يدي ولا أجيب من يقنع هذا الشخص على التوقف عن سذاجته.. طبعاً لا أحد.
كيف حالك واعبده، كلما رآني يصليني بها، فأسكت ولا أجيب عليه، لكنني في نفس الوقت أسأل نفسي سؤالاً لا براءة فيه على الإطلاق ,هل فعلاً يدرك هذا الشخص أي جحيم نعيش فيه، أتساءل عندما أراه متجهاً إلى الحمام دون أن يراني، فلا أجد جواباً، وعندما يخرج من بيت الراحة يطلق عليّ جملته الأثيرة والمستفزة "كيف حالك واعبدوه", فلا أعيره إلتفاتاً فقط أغوص في مشاغلي الكثيرة وأشعر بحسد عارم تجاهه، ذلك الأصلع من وسط رأسه الذي لا يفقه شيئاً, وأقول لنفسي ليتني كنت مكانه في راحة البال؟!!
ومن اللاين تتعالى أصوات سيدي أحمد الجزائري وعمي جيمس وهما يتلاعنان ويتواعدان بالويل والثبور ويوشك أن يأكل أحدهما الآخر لا أدري لماذا.

 أونكل جيمس دونت بليـڤ ....العم جيمس لا تصدق أي شيء عني.
 أونكل جيمس أريو أريد ... العم جيمس هل أنت على ما يرام.
 يو كريزي فور ريل ... أنت مجنون بشكل حقيقي.
 آي سَدْ أر يو...! قلت هل أنت بخير.
 وات إيـﭭر :تقال للتبرم ونفاذ الصبر.
 آز لونج ذي ديد جو ﭽاب...:ما دامو يقومون بعملهم بشكل جيد فلا مشكلة لديّ.
 الكُحل: السود باللهجة الجزائرية العامية.
 يو أوكيه؟!:هل أنت بخير.
 يس :نعم.
 
 

ثـــــــلاث نســــــــاء

لهن أسماء ثلاثة:
ليندا + أمها + عمتها
لهن الأسود من الألوان السبعة
وهكذا نبدأ القصة..
أما ليندا وهي عذراء ما أشد تصميمها على ذلك "لا..عليّ هذا الكلام" كنت أغيظها بعدم تصديقي إياها..
فلها حياتها الخاصة التي طالما أهلكتني بترديد تفاصيلها,
"معي غرفة خاصة بي، أدخلها في أي وقت أشاء" عندما تتحدث يسمع لصوتها رنة لذيذة ومحببة تجعل الذي يستمع إليها يشعر برغبة قوية في تقبيلها على فمها الأحمر.
ذات مساء اجتمعت الأم والعمة لمناقشة أمر هام يخص ليندا،
كم أشتهيها هذه الفتاة السوداء يا خلق الله.
- اسمعي يا لينور.. قالت الأم من بين دخان سيجارتها المتطاير
 من فمها وأنفها، لم تجب العمة ولكنها أومأت برأسها علامة الإنصات.
- أريد أن أحدثك بخصوص ليندا.
رفعت العمة عويناتها الزجاجية بطرف أصبعها وعادت برأسها إلى الوراء.
- ماذا..
- الفتاة تريد أن نشتري لها سيارة
- هكذا إذن
- نعـم..
- انظري يا غلوريا كيف تمر الأيام بالأمس كانت لا تزال تحبو واليوم.. ليتها تستقر معنا في هذا البيت!
- نعم
- وتبتعد عن أصحاب السوء أولئك، فالسيد المسيح لا يحب الفتيات العابثات
- أوه يا إلهي العابثات
      تمتمت العمة العجوز وأردفت..
- أنظري يا غلوريا هؤلاء الفتيات كم هن مستهترات
- ونحن ألم نكن نفعل مثلهن يا لينور
- نعم ولكننا كنا نُمانع كثيراً أما فتيات اليوم فهن يذهبن إلى الجحيم، لمجرد سماعهن لكلمة "هاي" ..فتيات غبيات.
- دعيها تعيش حياتها فيكفيها فقدان الأب
- أعذريني يا عزيزتي غلوريا فأنت تدللينها أكثر من اللازم، وها أنتي تجنين  مازرعتي ، ثم أخبريني هل لا تزال الفتاة عذراء كما تتقول أمامنا.
- هي تخبرني بذلك لكنني مرتابة في الأمر، ألا ترين بأن أغلب أيامها خارج البيت
- كم هن ساذجات بنات هذه الأيام
- ما يغضبني فعلاً هو أي نوع من الرجال تقذف بنفسها في أحضانهم.
- ماذا عن السيارة هل سوف تشترينها لها
- ليرحمني الله فلست أدري ماذا أفعل! طبعاً الحوار لم يكن بطريقة العصر الباروكي كما هو مكتوب هنا, ولكن لنقل أنها تحذلقات كتابية لا أدري لماذا كتبتها بهذه الطريقة, ربما الأم تعرف ذلك.
  كنت أراقبها في عملها وهي مثل فراشة صغيرة بللها المطر، أتساءل بيني وبين نفسي أي حيوان إبن زانية يطأها هذه الفراشة السوداء، التي تشبه قارورة عسل ممتلئة
أبدول: لا تنظر إلىّ هكذا فنظراتك تخيفني.
-  انك تعجبينني بسمرتك هذه.
" سَوْ.." أجابت بدلال الشيطان نفسه لا يستطيع أن يدرأ عن نفسه غوايتها أخبرتها مازحاً أن أصحاب الشرق مشهور عنهم الفحولة "وهؤلاء.." قاطعتني محتدة, "مَنْ" تسألت في خبث، "هؤلاء الرجال من حولك".
"أنا أحدثك عن الرجال الذي تشويهم الشمس والصحاري، لا عن جرذان الثلج الذين تسميهم رجالاً", "من قال ذلك", "أنا", "ومن أنت", قالتها مستنكرة، فواصلت تهكمي معها، "لو تدرين كم نحن قساة في هذه المسألة يا ليندا هل تريدين التجربة", "أغرب عن وجهي يا راكب الجمل"
ذهبت وهي تضحك، أسمها ليندا عمرها عشرون ولها جسد من نار.
- ترى هل تكفيها الدولارات الزهيدة التي تأخذها من عملها. عدنا للعصر الباروكي.
- لو كانت ابنتك ذكية لواصلت دراستها الجامعية لكنها فضلت..!
- لينور..مقاطعة بامتعاض..لا فائدة من الندم على ما فات، فماذا بمقدوري أن أفعله تجاه هذه الحمقاء ولم أفعله، فكلما حدثتها من حياتها, "أرجوك يا ماما هذه حياتي ، دعيني أعيشها كما يحلو لي. فأنا أدري ماذا أفعل", تلك الغبية لا تدري كم أتمزق لأجلها!
  قاسية كانت ليندا قارورة الكاكاو، ألحظها بعين الاشتهاء ولا تعير أحداً أدنى اهتمام.
 "هل لا تزال عذراء فعلاً من عادتي أن لا أقف عاجزاً أمام النساء وألاعيبهن، أما هذه الليندا، فقد اربكتني، كانت مثل الزئبق صعبة الإمساك، "أنتم تكرهوننا نحن السود أيها العرب" باغتتني, "ماذا"
كانت تعني ما تقوله.
- نحن...!
- "أنتم ماذا" قاطعتني بحدة.
- حسناً أيتها الغبية هل تعتقدين أن مطاردتي لك تدل على عنصرية!
- ماذا تعني؟!
أعني أني اشتهيك بسوادك، أريد أن أسكب شوكلاته جسدك على حنطة رغبتي هل هذه عنصرية؟! هنا تبدو اللغة من العهد الطباشيري لكن لا بأس على الأقل للإيقاع بقُرة العين ليندا الكلبة بنت ستين مليار ألف سنة ضوئية من الكلاب والكبر الذي يؤدي إلى الحسرة.
  لمعت عينيها ببريق خاطف، كانت تبدو شديدة الجدية فلم تجبني، وأيضاً لم تبتسم، صمتت برهة، ثم عاودت هجومها مثل قطة شرسة..
- هل تريدني أن أصدق بأن رغبتك في جسدي ليست عنصرية، بل أنها العنصرية بعينها، فأنتم العرب تنظرون إلينا نظرة شديدة الدونية والعدائية, وتنظرون إلى أجسادنا كعاهرات لا يملكن أحاسيس أو مشاعر!
لأول مرة أراها وأسمعها تتكلم بتلك الجدية، تلعثمت كانت قد سجلت نقطة قوية لصالحها..
- لكنني...!!
- لكنك تشتهيني أيها الذئب الصحراوي.
- فعلاً أنا لست عنصرياً لم أكن متأكداً من هذا فأنا اشتهي مختلف النساء.
- يا لك من حيوان؟
 حاصرتني بصدقها فحاولت ترطيب الجو
- لست حيواناً كما تظنين فقط أريد أن ألتقي ثقافياً مع الأجساد!!
         جلجلت ضحكتها عالياً وبانت أسنانها البيض..
- تلتقي ماذا...؟! وواصلت ضحكها حتى طفر الدمع من عينيها العميقتي السوادء.
- كم أخشى أن أموت يالينور، وهي بعيدة عني، أحياناً كثيرة أبكي على سريري حتى تبتل وسادتي أخاف على ليندا، ماذا تخبئ لها الأيام، خصوصاً مع جمالها الصارخ، كم تمنيت لو أنها لم تكن أبنتي أو أنني كنت عاقراً فأخشى عليها من الذئاب!
- دعيها تعيش حياتها يا غلوريا، كما يحلو لها. ياللعنة الباروكيين كلهم مع دوابهم ووجوههم الكرتونية التفاصيل.
- هذا صحيح لكنني أخشى أن تنتهي إلى عاهرة تبيع جسدها، مقابل بضعة دولارات حقيرة،بينما بإمكانها العيش معنا ومواصلة دراستها الجامعية.
- ماذا قررت بخصوص السيارة؟!
قاطعتها لينور محاولة إنهاء الموضوع برنة شكسبيرية لم تعد رائجة اليومين دول.
- قلبي لا يطاوعني، أخاف ضياعها هذه العنيدة أنها لا تزال صغيرة والشارع لا يرحم.
  كانت تتكلم بانفعال وأمارات القلق بادية على وجهها، ثم أنفجرت فجأة في البكاء، كان بكاء أم تخشى على وحيدتها الضياع، ومن بين دموعها أعلنت استسلامها.. "نعم سأشتري لها سيارة وليفعل الله ما يشاء!". هذا ما يسمونه بالفيلم الهندي الأعور والأكسح والمصاب بفتق في المصران موش الأعور.
- أظن يا عزيزتي غلوريا أننا غدونا بأفكارنا موضة قديمة، ولذلك يجب علينا مسايرة الواقع رغم رفضنا له وهذا أفضل!
كانت سيارة رائعة التي اشترتها لها أمها، سيارة ركبتها مرات عديدة وتمنعت فيها ليندا مرات عديدة على منحي ولو قبلة، الحق أقول لم يكن يهمني سوى جسدها أما مشاعرها كما قالت ذات مرة، فلم تعنني في شيء. لا أدري لماذا تصر على أصرارها البليد، "تريدني خذني على فراش الزوجية", ألا تذكرنا هذه الجملة بمشهد من فيلم مصري أبيض وأسود! كانت ماكرة وقاطعة في هذا الموضوع، أخيراً رضخت للأمر الواقع ووافقت على الزواج.، لم أكن جاداً في ذلك فقط حتى أنال المنال.
في ليلة السبت الموعودة انتظرتها ولم تأتي ترى هل شعرت بالخديعة ..  ربما.
ليندا أين أنت؟!!.
 
 

الحاج مثنى الذي لدغه الحنش

ما كادت فأسه تصل الأرض، إلا وقد تبعتها صرخة عظيمة تشق عنان ذلك الصباح الباكر الذي لم تستطع شمسة بعد، والأنكي ذلك أنه رأى بقية غريمه يتسرب متبخراً في مرج قريب كثيف بشجيراته القصيرة القامة، كان ثعباناً أسود، مادت به الأرض لقد لُدغ، أول ما فكر به أنه لم ينم الليلة الفائتة مع أم العيال متصنعاً الغضب منها لأنها تجاهلت نداءه ندائه المتكرر مع أنها كانت مشغولة بأعداد القهوة له، لا يدري لماذا أحس بالحسرة تفت في كبده عندما تراءى له أنه على وشك الموت، لو كان يعلم ما سيحدث له في هذا الصباح لباشر قرة عينه كما ينبغي لمفارق أن يفعل, "ياغارتاه..حنش أسود لقصني..أنجدوني", أقبل بعض جيرانه الذين كانوا يستعدون لفلاحة أراضيهم، "أيش حصل يا حاج مثنى"، لم يكن كبيراً جداً في السن، كان في حدود الخمسين، صدف أن حج ذات مرة بعيدة عند ما كان في الثلاثين، يعني قبل عشرين سنة، ولم يفارقه لقب الحاج حتى ساعة لدغه, "لقصني الحنش.. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد.........."، كان يتلو شهادة الذي يموت, "على مهلك يا حاج لا تقلق الأمور سهلة"، كانوا يحاولون تهدئته في رعبه العظيم، لم تكن الحياة تعني له شيئاً إلا في تلك اللحظة، "أحملوني روحوني البيت خلوني أموت بين عيالي", حملوه بين أيديهم مهللين مكبرين وهو يبكي, العم مثنى القصير القامة، الأسمر اللون الشديد التوتر، قضى ثلاثة أيام في بيته ولم يمت، كان قوي البنية لكن قدمه الملدوغة تورمت فقرر أبنائه الذهاب به إلى حيث يوجد مستشفى على مسافة أربعة أيام على ظهور الحمير كان ذلك في عصر ما قبل التاريخ, ولما لم يستطيعوا وضعه على ظهر حمار أو جمل، وضعوه داخل نعش ومضوا به سيراً على الأقدام، ونظراً لشهرته في القرية أخذت النساء خصوصاً القريبات يتبعن موكبه مولولات, "كُل هذه الثومة يا عم شا تنفعك", مَدْ يده من مكانه وأخذ ورقة ثومة خضراء وأكلها عن آخرها، وثانية تناوله قمع لبنا رائباً "أشرب هذا يا عم مسعود علشان السم", فخطفه ملهوفاً وكرعه كرعة واحدة في خوف ورعب فظيعين, فسال اللبن على لحيته وملابسه, فبدا كما لو كان مجنوناً أعمى, وأخرى تناوله وعاء مليئاً بالسمن البلدي فأفرغه في معدته كالملهوف، واحدة تعطيه طحين ذرة فسكبه في حلقه، وثالثة تعطيه بصلاً أخضر فبلعه دون مضغ, وحلوى وسبرتو، فامتلئ الرجل حتى تحول إلى بالونة تثير الرعب، كان مغبراً بالطحين ملطخاً بالعسل والحليب، أشعث الشعر ملطخ اللحية، طفح النعش بسوائله الحليب والسمن وعشرات السوائل التي لا أسم لها، وعندما لعب السبرتو برأسه رفع صوته وأخذ يبكي بكاءً تقشعر له الأبدان ساعة من الزمان, ثم خر سريعاً في النوم وشخيره يُسمع إلى القرية المجاورة التي تبعد يومين ونصف. 
 
 

خبابيــر بلغـــــــة شكسبيـــر

ها هو يعود كرة ثانية ليقسم برأس أمه بأنه لم يقصد ذلك وأنه لن يأتي سكراناً مرة ثانية إلى العمل!
ومع ذلك مرات عديدة يأتي إلى العمل سكراناً لا يكاد يقوى على المشي.
أدفعه بعيداً لأن رائحة الكحول تخنقني، فيندفع باتجاهي ضارياً تشد من أزره ليترات هائلة من البيرة التي  تجرعها في غمضة عين.
"طيب.. لقد صدقتك عد إلى العمل", يوشك أن يذهب لكنه يعود أشد ضراوة ليؤكد اعتذاره, أنا أعرفهم هؤلاء السكارى وأعلم بأنه صادق النية، لكن حركة الكحول في أمعائه تكون كحركة الزئبق في دورق مغلقة، كلما أنساب في جهة انساب معه الدورق في نفس الاتجاه ، وهذا هو حال السكران دائماً، يقول الصدق لكن لأنه في ذلك الوقت ليس صادقاً مع نفسه في الأصل، يجتهد ليبدو صادقاً وهنا تكون الكارثة, "ورأس أمي أنني لا أقصد ذلك.. إنما....", لا أحبه، وأتجاهله بإستمرار، فيزداد ضياعه. حيرني معه وكأنني أنا السكران.
أربت على كتفه, "لا تخف الأمور على أحسن ما يرام", وما يكاد يفعل حتى يعاود أدراجه، هل يضن هذا الحيوان أنني سأقضي وقتي كله أتقبل اعتذاره، "عد إلى مكانك وإلا فقسماً برب أمي وأمك لأجعلك عبرة لكل العمال..هل فهمت", صرخت في وجهه بأعلى صوتي، حقيقة لم أقصد ذلك.. لكن ما علينا، عقدت الدهشة وجهه وبدا للحظة واحدة، كما لو أنه قد استيقظ من سكرته من شدة الذعر الذي انتابه، لم ينطق، تراجع، وهو يحرك يده كأنما ليقول "اتس أوكيه.. ها ..".
لقد ذكرني بالسيدة كارمن، السيدة السوداء التي تزوجت برجل من بورتوريكو، خوسيه اللعين قبل أربعين سنة، ثم وفجأة يهجرها ويذهب مع فتاة في عمر بناته، ولطالما لعنته أمامي، "اللعين الفاسق الكلب، الخائن الذي سيلقى به الرب في نار جهنم إلى أبد الآبدين"، وأنا أطيب خاطرها وأطبطب على كتفها مواسياً، ماذا بإمكاني أن أفعل لها هذه السيدة الطيبة القلب غير تصنع الأسف, "نعم إنه رجل حقير..." ياه، وهي تبدو مستسلمة، "أوه ماي جَدّ...إتس سو ساد..."، كانت تبدو حزينة جداً، لكن العمل يريد حركة يا كارمن، أنا عند الله وعندك تحركي، خلاص عرفنا أن سليل الكلاب، هجرك بعد أربعين عقداً من الزواج، لكن ما ذنب أمي أنا في هذه المصيبة.
لا تفهم بماذا أخطرف لكنها تواصل، تمتمتها المعهودة "ياه.. إتس سوباد ينج مان". عندما تأتي إلىّ لتشكي لي ضرها، فأنا متأكد أن ساعة كاملة ستمضي ونحن نذرف الدمع بسبب إبن العاهرة البورتريكي  الذي.......!!
يا خلق الله أنا نفسي أعرف ليش كل العجائز والسكارى لا يعجبهم الشكاء إلا عندي خصوصاً أثناء العمل؟!
ماما كارمن لا تحملي هما.. الله سيتكفل به ذلك السافل.
فتردد ورائي "أوه.. نعم .. نعم .. الله...".
أيام طويلة وساعات تُهدر وأنا أستمع إلى أمي كارمن بنت جونزاليس رحم قبره، لكنها أراحتني لأسبوعين ولا دموع، ولا "أوماي جاد اتس سو.سو.هرت." أسبوعين بالتمام والكمال، والآن ها هو صاحب البلاد يأتي والبيرة تنضح شدقيه مثل جمل نُحر غيلة، عدت إلى طاولتي، لاحاول مواصلة عملي، فإذا بصوت خفيف ناعم.. ينادي من ورائي، أعرفه حق المعرفة، أنه صوتها.. أمي كارمن بنت الفقيه جونزاليس باريرا, هجمي هجماه واحرقي حرقاه إلى آخره في هذا اليوم أبن الكلب الذي لم ينتهي بعد.
 
 

إنــــــــزواء  وكوابيس مالحة

أغلق باب الغرفة وأغلق النافذة الوحيدة، وخلع كل ملابسه وألقى بنفسه على الأرض بقوة، كز على أسنانه متألماً وأغمض عينيه وقرر أن يبقى هناك إلى الأبد.
في الليلة الأولى رأى نفسه في صحراء، مليئة ببشر عراة كانوا يحاولون اغتصابه، هرب منهم، كان يبحث عن مأمن، عندما وصل إلى نهاية الأفق, رآه مغلقاً كما لو كان داخل حجرة ضخمة من زجاج, أسند ظهره إلى الجدار الأملس واستعد للقتال، بينما العراة يتقدمون منه ببطء وألسنتهم في أيديهم تلمع تحت شمس لها أسنان مثل سكاكين بارزة.
في الليلة الثانية رأى أمه، كان ممزق الثياب يقتله عطش ماحق، ناداها، ألتفتت إليه، وواصلت سيرها إلى حيث لا يدري، ناداها... أماه، لم تلتفت بينما العراة يتابعونه، لهم عيون صحراء مثل جمر وأجساد ممزقة تخرج منها ديدان صفراء.
في الليلة الثالثة رأى نفسه يحمل حجراً هائلة على كتفيه، كان كلما حاول السير بها سقط وسقطت عليه حاول الصراخ، أنحبس صوته في حنجرته، فجأة رأى شخصاً يعرفه جيداً له جسد ذئب ووجه إنسان، له أنياب بارزة، تقدم منه تحت صخرته الهائلة وأخذ ينهشه دون شفقة.
في الليلة الرابعة كان سكراناً دون أن يشرب قطرة كحول يود التقيؤ، مرتجف الأطراف يسيل لعابه على صدرة بغزارة، رأى جماعة من أناس يعرفهم تدحرج إليهم مثل كرة من حديد، وعندما وصل إليهم استغاثهم فأغاثوه بسيوفهم وفؤوسهم وسكاكينهم وهراواتهم وأشبعوه تمزيقاً.
في الليلة الخامسة كان يقرأ كتاباً ضخماً له ملايين الصحفات, كتاب مليء بحرقته وفي الصفحات الأخيرة كانت وصيته مكتوبة بدم قلبه. كانت وصية وحسب، نقاطها جمر وحروفها أسياخ محماة.
المرأة التي أحبها ذات يوم، رآها عارية مستباحة الجسد, مَرْ خلق كثير أمام ناظريه، حاول أن يشيح ببصره عنها لكن وجهه تسمر باتجاهها، كانت تتأوه بشبق له رائحة الرماد.
في الليلة السادسة كان يهوي من شاهق، ولم يصل إلى الأرض حتى الآن، في سقوطه رأى خلق كثير، ينظرون إليه ويضحكون بضحكات لها لون الدم.
رأي أمه مرة ثانية ناداها،  أ..وجيع يا أماه"
لم تقل شيئاً نظرت إليه وبكت، اقتربت منه وضعت كفها على جبينه فانهمرت دموعه محروقة شديدة الالتياع، فجأة أقبلت كلاب لها وجوه بشرية، سحبوها من شعرها وعندما حاول الدفاع عنها مزقوه بأنيابهم.
في الليلة ما قبل الأخيرة رأى نفسه في الجحيم يعذب عذاباً نُكراً لم يعذب مثل عذابه أحد، وكان كلما دعا واستغاث أن يرحموه لا يُستجاب له إلا بمقامع من حديد، فانزوى وحيداً في تلال النيران وأخذ يبكي بكاء يخرج من عين القلب, بكاء الذي لم يجد فرصة واحدة للدفاع عن نفسه في الحياة  وبعدها.
في الليلة الأخيرة رأى وكأن الجحيم قد أقفرت من سكانها ولم يعد فيها سواه ليضرب وحده بعذاب أهل النار جميعاً.
 
 

مواجهــــــة
 
وقفت أمامه ملفعة بالسواد الذي ألبسها إياه، بمجرد وصولها إلى مطار الوطن الذي أتت لرؤيته، ترتسم دهشة محايدة على وجهها الحنطي، وكلمته بلغة عربية ذات لكنة متفرنجة مشوبة بخوف خفي، كانا وحدهما تحيط بهما خضرة جبلية جامدة "أبه..." وسكتت، لم يلتف أو يرد، كان يبدو مثل ميت قديم يعصف به قهر دفين، لا يدري ما الذي سوف يقدم عليه وكيف تحسس المسدس المخفي في طيات ثيابه، ليستمد منه قليلاً من ثباتأحّه ثباتاً وحشياً يكرهه ويريد أن يفر عنه لكن لابد منه في هذه الساعة الكئيبة والطويلة بعمره كله، لا شيء حولهما يدل على أن ثمة أمرٍ ما سيحدث، وأن البنت الحلوة لن تعود إلى تلك الأرض البعيدة المخضبة بالثلج, بل ولن ترى القرية التي أتت لزيارتها.
كان مكسوراً حتى العظم، وكلمات الناس تطعنه في أعز ما يملك, "البنت طارت وأنت في القهوة تلعب الورق", لم يصدق في بادئ الأمر، أحس كما لو أن هناك خيانة ما تقصد النيل منه. يراها أمامه مثل فراشة مبلولة، "أبه نظراتك مخيفة" كان يحدق فيها بحزن وكره، بحب وخوف، كانت نظرات زائغة، كان قد عقد العزم على تنفيذ ما قرر القيام به، وكانت تعوزه شجاعة لحظة الطلقة الأولى، لم يظن أبداً في سالف أيامه، أنه سيأتي اليوم الذي سيقف أمام ابنته الوحيدة ليصليها من نيران قلبه ومسدسه.
وحتى حينما سقطت مضرجة بدمائها، كان يشعر كما لو أنه في كابوس، زهرة العمر التي أرواها بحبه ودلاله قُطفت ذات ليل، كانت نظرات الناس تقتله وتعيّره بعاره، بأبنته التي تمارس حياتها بحرية زائدة، تلك الحرية التي دمرته ولم يستطع أن ينبس بكلمة واحدة، "لا تضايقوني وإلا غادرت البيت إلى غير رجعة", كان تهديداً صارماً وهذا ما كان يخيفه، أن تهرب البنت، فيصبح مضغة في أفواه الناس إلى يوم الدين. يتذكرها في طفولتها البعيدة طفلة ذكية كثيرة الأسئلة مفرطة الرقة، كانت بمثابة شمس أشرقت في سماء حياته، بعد دزينة من الذكور  الذين تخلوا عنه بعدما فاحت رائحتها، لكنها سرعان ما تحولت إلى عدو أشر، وشيطان خرج من صلبه ليضع وجهه تحت الأحذية آخر عمره. ست طلقات نهشت جسدها بلا رحمة، مزقته حركتها اليائسة لإسترحامه. عندما أشهر المسدس في وجهها، تراجعت مذعورة إلى الوراء، تعثرت، وقعت على الأرض، "لا يابه.. لا تقتلني", كان كمن أصيب بصمم مفاجئ لم يعد يسمع سوى تشفى النظرات في العيون, "انتبه لبنتك", لم يكن أمامه خياراً آخراً، فقد عرف الجميع بقصتها مع ذلك الزنجي اللعين، لم تعطه فرصة كي يدافع عنها.
كان يعض أصابعه ندماً على كل دقيقة دللها فيها، وها هي النتيجة الآن ماثلة أمامه, يمكن أن يطمسها بضغطة سريعة على زناد المسدس, وينتهي كل شيء ويعود له شرفه المهدور. تأملها مرتجفاً وهي تتخبط في موتها ودمائها تجري أمامه، للحظة من اللحظات فكر بقتل نفسه فيستريح من كل ما يعتوره من عنا وشعور بالضعة والهوان والندم.
حينما أخبرها بأنه سيزور الوطن وأنها ستذهب معه، لم يصدق أذنيه عندما أخبرته بموافقتها، لا يدري لماذا تمنى في قرارة نفسه لو أنها ترفض وتتمنع، لكن موافقتها السريعة لم تجعل أمامه خيار سوى المضي إلى موتها.
 بعد سنين طويلة على موتها ظلت موافقتها السريعة على السفر تؤرقه وتقض مضجعه، هل ضحت بحياتها من أجله، ومن أجل أن يستريح ويرفع رأسه بين الناس حتى لو كان الثمن حياتها، هل شعرت بالذنب تجاه الذي أحبها ودللها، ظلت الموافقة ذكرى مرة استمرت معه حتى نهاية حياته. لم يخبر أحداً لا زوجته ولا أهله في وطنه البعيد، أخوه الوحيد الذي عرف بكل شيء وهو الذي استقبلهما في المطار والمسدس في جيبه، كذلك سيارة الرحلة الأخيرة واختفى, "لا تتراجع أغسل عارك بيدك.. توكل"، أشترى تذكرتي سفر وطار باتجاه القتل الذي سيصنعه بعيداً عن العيون، كان قد خطط لكل ما سوف يفعله هناك.
ركب السيارة التي كانت في انتظاره وتوجه بإتجاه قريته, "واو..ما أحسن هذه البلاد", كانت مبهورة بالجبال والناس والأرض والطقس، أثناء سفرها باتجاه الموت الذي يترقبها في نهاية الطريق دون أن تدري، وحينما وصلا إلى المكان المحدد البعيد عن الطريق العام، أمرها بالترجل، كانت تحدق بانبهار في ما حولها, "الله..", لم يستعجل قتلها بل أعطاها فرصة لمشاهدة الطبيعة أمامها فرصة اخيرة هي آخر ما يمكن أن يقدمه لها، الطبيعة التي علمته أن غسل العار لا يكون إلا بالدم، تمنى لو أنه لم يكن منها هذه الطبيعة القاسية، لم يكن أمامه منفذاً آخر فقد اختارت طريقها وداست على شرفه وكبريائه وأبوته بحذائها, رغم توسلاته الباكية، "يا بنتي نحن نختلف عن هؤلاء البشر، وما تقومين به يجلب العار.. أرحمي شيبتي آخر عمري".
كانت في عالم آخر، عالم الغراميات وليالي الجنون, "هذه حياتي وأنا حرة فيها". مرات كثيرة تفقدها في غرفة نومها فلا يجدها، حتى تعود في اليوم التالي منهكة محطمة تتخبط في سكر مقرف، فيجن جنونه ويوشك على قتل زوجته, "أين ابنتك يا كلبة يا بنت الكلاب", كان يتمنى لو أنه يشرب من دمها، لكن القانون في صفها، وبقدر ما حقد عليها حقد على نفسه, "أنا السبب.. أنا الذي صنعت منها عاهرة بدلالي الغبى في زريبة الذئاب هذه". كان يشعر بها ضحية لا حول لها، لكن من حوله لا يرحمون، همساتهم سكاكين تنهش كبده، ولذلك قرر أن يضع حداً للجحيم بإخمادها مرة واحدة وإلى الأبد.
لم يتكلم بل أخذ ينظر إليها بحياد، ساعة كاملة أنقضت قبل أن يستجمع شجاعته الخائفة، ويسحب مسدسه ويشهره في وجهها, "سامحيني ما فيش طريقة ثانية غير هذه", لم يسمع صرختها المرعوبة، ست طلقات ثقبتها في أماكن متفرقة من جسدها، كان قد تحاشى الوجه، لم يرد أن يراه مشوهاً، ذلك الوجه الذي أحبه كثيراً. تلوَّت قبل أن تهوى إلى الأرض، رفست برجلها ثم هدأت حركتها تماماً، تقدم باتجاهها، كانت شاخصة البصر فاغرة الفم وهي ممدة على ظهرها في انكسار الموت، حمل رأسها ووضعه على حجره صامتاً متجهم الوجه منهاراً واجف القلب، والماضي ينداح أمامه صفحة بيضاء. ها هي تحبو وتلثغ في الكلام، ها هي تقلده في الصلاة، ثم ها هي تشب فتاة جميلة شديد الفتنة, "أين كنت..عندما أنزلقت ابنتي إلى الهاوية", وها هي الآن جثة هامدة بين يديه، ضم رأسها بين ذراعيه بقوة مطلقاً تنهيدة عميقة وحينما لامست شفتاه جبينها الناصع في قبلة أخيرة أجهش بالبكاء.

 
 

وراء الزجــــــاج

كل يوم أحد في الثالثة عصراً عندما أذهب إلى مطعمي المفضل الذي يقدم مأكولات بحرية، ويقع على نهر ديترويت في مدينة "وايندات" الساحلية, أجده هناك وراء الباب الزجاجي، يراقب الطريق المقفرة في مثل تلك الساعة من ساعات الشتاء الموحشة.
وجه قاسي الملامح منسق المعالم، تزيده سمرة بلاده البعيدة التي لا أدري أين موقعها في الخارطة غموضاً في وقفته المتبرمة. لا أدري لماذا كانت تأخذني القشعريرة حينما أراه شاخصاً مثل تمثال فرعوني ينظر إلى الفراغ، بل لقد كنت أشعر ببرودة خفيفة تدب في أطرافي، في كل مرة أذهب فيها إلى المطعم وأتذكر بأنني سأجده أمامي.
 قرابة الثلاثة أشهر وهو لا يخلف موعده ولو لمرة واحدة، في وقفته الساخطة كمن يوشك على البكاء.
ذات مرة اقتربت منه بعد أن ولجت مباشرة، حسبته سيلتفت إليَّ لكنه وأصابع يده اليسرى تقبض على كيس بلاستيكي بثبات. وأمارات التعب بادية على وجهه لم يلتفت، هالني منظر عينيه وهما تخترقان طيور الثلج المنهمرة من السماء, كما لو كان ينتظر قدوم القيامة, "هاي" حييته في محاولة لجره إلى حديث لا أدري له بداية, "هاي" قالها دون أن ينظر في وجهي، وعندما انتبه إلى أنني لم أمضي في حال سبيلي، التفت بكل تعبه, "هل بإمكان مساعدتك يا سيدي؟!"
رده فاجأني، فقسماته القاسية لم تجعلني انتظر رداً مهذباً، ثوان مرت وأنا أتأمل قامته المنحوتة من عناء, "عفواً" نبهني عندما طال وقوفي أمامه أحدق فيه, "آ.. لأ ..شكراً.. لا شيء", تلعثمت مثل طفل أخرق، لم يبتسم بل أدار وجهه باتجاه الطريق المغطاة بالثلج والوحل، وغاب في البلل البارد, الذي يبسط ردائه على كل شيء وكأنني لست موجوداً أمامه. صرت استعجل وقت العمل العائلي الذي أخصصه كل أحد للعائلة، وبمجرد أن انتهي منه أركب سيارتي واتجه إلى المطعم النهري، لعلني أراه ذلك الشخص الذي شدني إليه بشكل أعجز عن تفسيره، في وقفته الثابتة التي تجعلني أسير ارتباك لا أدريه، يوم بعد يوم وشهر بعد آخر، وأنا أراقبه مرة برفقة زوجتي التي لم تر في الموضوع ما يثير اهتمامها, "مجرد شخص ينتظر أحد ما", ومرة بصحبة أصدقاء ومرات كثيرة لوحدي. ذات أحد عقدت العزم على ضرورة فتح حوار معه في أي شيء بل وربما قد أدعوه إلى بيرة, ولو أنني أعلم بأن بعض الأغراب لا يقتربون من الكحول، كنت أحدث نفسي أثناء توجهي إلى المطعم، عندما وصلت إلى هناك أحسست بانقباض شديد في صدري, فلم ألحظ ذلك الشخص في مكانه المعتاد وراء الزجاج يراقب الأفق بعينيه الحادتين، مزقتني غصة عميقة لغيابه المفاجئ، سألت عنه فأخبرني أحد العمال بأنه "قد ترك العمل ولن يعود", "..إلى أين", سألته بلهفة الفاقد لشيء مهم, "إلى حيث لا أدري يا سيدي". طلبت طبقي المعتاد وكأس نبيذ، لم أكمل الطبق، دفعت الحساب وغادرت المطعم إلى غير رجعة, "ما هو العمل الذي كان يقوم به" سألت, "مغسل صحون" أجابني العامل، ذهبت أنا أيضاً أُسائل نفسي، أين عساه يكون ذلك الشخص الذي لم أسألة ولو لمرة واحدة عن اسمه.
وايندات- ذات شتاء بعيد

 

 
 أصـــــــــــــوات

عشرون عاماً من الانتظار المُر، "سنة أو سنتين وأعود إليك"، قال هذا قبل عشرين سنة ليلة سفره إلى أرض لم أسمع بها من قبل، بكيت على صدره خوفاً من فراق قادم ومن مجهول ينتظره، بكيت على صدره عمراً لا أدري بأنني سأقضيه في انتظاره. كنت مجنونة به رجلي الأول والأخير، أغار من نفسي وأخاف عليه من لدغة النسيم الخفيفة.
عشرون عاماً لم أسمع صوته، لم يرسل لي حتى صورة، لم يقل لمرة واحدة "كيف حالك يا فاطمة"، كلمة واحدة تطفئ لهيب الانتظار القاهر، قذف في أحشائي بذرته ومضى وراء البحر، غاب في البعيد الما بعده بعيد، ومر العمر، أنجبت له ولداً يشبهه، ولد كان كل عزائي في غيبة الأب، نصحوني بعدم الانتظار فهو لن يعود "سحرينه بنات البحر"، لكنني ما صدقت، لقد وعدني بالعودة، لم أضع على جسدي أية ريحة عطر, وفرتها ليوم اللقاء، لم أخنهُ بلحظة فرح مع نفسي ما لم يكن معي لنفرح معاً، وتوالت الطعنات، قالوا تزوج، تمنيت لو انني مُت قبل سماع ذلك، طيب ماذا عني، ماذا عن شبابي الذي أوقفته له، ماذا عن جسدي الممسوس بسحره، عن حبه الكبير داخل قلبي!
عشرون عاماً من الدموع
عشرون عاماً من القهر،..
كنت أسأل، أتلقط أخباره على استعدادٍ للعفو عنه، لو أنه أرسل كلمة صغيرة ملفوفة في ظرف يقول فيها أنه لا يزال يتذكرني، وأنه سيعود لكنه لم يعد، لكنها لم تصلني تلك الكلمة التي قضيت عشرين سنة أنتظرها!
من يقدر تخّيل الشوق الذي خزنته بين ضلوعي، من يستطيع تصور تلك الليالي التي سهرتها وحيدة في انتظاره، من يجرؤ على أن يسأل النجوم السحيقة كم ناجيتها، كم نمت تحت ضوءها منتظرة شخص غاب عن ناظري دهراً طويلاً، متذكرة كل همسة وكل لمسة وكل لحظة حب قضيناها معاً، كيف استطاع نسيان كل ذلك!
نصحوني بطلب الطلاق "زوجك ضاع"، لكنني ما صدقت، كنت أترقب عودته لأثبت للجميع بأن مثله لا يضيع ولا ينسى أهله وأحبابه، أردته أن يعود دفاعاً عنه أمام الحساد والشامتين، أردته فجراً يشق ظلام عمري، ونجماً يضيئ طريق ليل الأقاويل، طُعنت في راس مالي في انتظاري الطويل، مزقتني ألسن السوء، طعنوني في شرفي لأنني أحببته، لأنني أنتظرت فارسي وحبيبي ورجلي، أنتظرت ضحكاته، رائحة جسده، أنتظرت رأسه عندما يأتي ويضعها في حجري ونعاود الثرثرة كما في سالف الأيام، لكنه ما رجع، لكنه ما سمع صوتي أشق به وجه الليل الطويل في ندائي المجروح لأسمه الحبيب, "يا عيل عيلوه يا ناجي عادك شترجع يا شقاي"؟!
يعلم الله يا فاطمة بأنك أعزّ عليّ من عيوني، لكن يا زوجتي غدرني الزمان، ما رأيته وعشته لم يكن ليخطر لي ببال، لو علمته ما ذهبت ولا ضيعت عمري وراء البحر أبداً، لا تظني بأنني نسيتك يا أول حب وأجمل عمر، لكنه الحظ السيئ يطاردني. هل تذكرين كيف كانت حالتي قبل السفر، فقر وفاقة، مجرد أجير في أراضي الآخرين، عبد بلقمته وكسوته، حتى مهرك كان ديناً عليَّ، ولهذا رحلت إلى بلاد الله الواسعة، ولهذا هاجرت لأرفع عن عنقي ذل العمر وقلة الحيلة، ورحلت وأنا أبكي دون أن يرى أحداً دموعي وضياعي، وعملت واشتغلت في أعمال كثيرة ومضنية، وأُهنت في كل مكان حتى أرجع إليك يا أغلى الناس، قضيت مهرك من دمي، ناديتك ليالٍ طوال، وبكيت مثل يتيم ليس له أم، مع أنني لا تكسرني المقادير، رأيتك في كل مكان يا فاطمة، كنت الهواء الذي أتنفسه وسرّ حياتي الذي يصلب عودي ويشد من أزري، أنقضت السنين الخمس الأولى مثل ثوان، وأنا لم أسدد بعد دين مهرك ودين تذكرة الطائرة، ودين مصاريف السفر وثمن الفيزة، كنت وحيداً أول الغرب ليس معي احد سوى دعائك يا فاطمة، حرمت نفسي من أشياء كثيرة حتى أعود، حتى أرجع إليك وأقبل يديك الحانتين، ياحب الدنيا والآخرة، لكن خانني زماني, حتى رأيتها..مارلين التي تشبهك يا فاطمة.
يا إلهي، كم كان يبدو وسيماً ذلك العربي، حتى لقد أحسست أن الحيض قد دهمني في غير وقته زلم يكن حيضاً كان شيئاً آخراً، الجسم الفاره، العينين السوداوين، والشعر الأكرت الفاحم، كان في "اللاين" مثل وحش لا يقف أمامه شيء، كان الحزن يبدو ساكناً في عينيه، فأزداد جنوني به، ذلك الجنون الذي أوشك أن يقتله، ذهبت إليه توددت له، كانت لغة تفاهمنا الإشارات، لم يكن سهلاً، استغربت كيف أن رجلاً لا يقع في غرامي أنا مارلين الفاتنة، هذا التدلل وذلك الجنون، أوغر صدوراً كثيرة عليه، سألته ما أسمه، أخبرني بلسان ثقيل "أسمي ناجي", أخبرته بأسمي فلم يبدو عليه الأكتراث، فقط نفحني ابتسامة صغيرة أقسمت بعدها بأنه لن يفلت من يدي، كانت أياماً مجنونة تلك التي تلت تعرفي عليه، وذات يوم بدا وأن جريمة قتل على وشك الحدوث، فقد تجمع نفر من الشباب البيض وصمموا على تأديب ذلك "العربي الوغد راعي الجمال", كان مثل جبل لم يتزحزح عن موقفه الثابت في عدم الخوض في أي مشادة، لكنهم آذوه بألفاظهم النابية وهو صامت لا يتكلم يواصل عمله، لم أكن أتخيل بأن ذلك الصمت يمنع انفجاراً مروعاًًًًًًًً، فقد وصلت يد أحد الشباب البيض إلى وجهه، لم تكن صفعة بالمعنى الحقيقي للكلمة، مجرد أصابع طائشة وصلت بغباء إلى ذلك الوجه الأسمر، جمد كل الموجودين في مكان المعركة، فقد أطلق صرخة مدوية كمن يوشك على الموت في وجوه خصومه، الذين صعقتهم الصرخة وسرعة المبادرة، ضرب أحدهم على رأسه بآلة حادة كانت في يده حتى أسقطه أرضاً مضرجاً بدمه، وهجم على الآخرين، كانوا أربعة وهو يصرخ بوحشية "يا أبناء القحاب", وعندما لم يقدروا على مواجهة ثورته العارمة فروا من أمامه مثل أولاد مشاكسين دب فيهم الذعر، هدأت ثورته، لم يغامر أحدٌ بالاقتراب منه، كان يبدو وحيداً وضائعاً، بل أنني أحسست أنه على وشك أن يجهش بالبكاء، أقتربت منه، رفع رأسه باتجاهي، ألقى بالحديدة أرضاً، فوخز صدى أرتطامها قلبي، كنت أتقدم ناحيته مثل مسحورة لا تقدر على المقاومة، ابتسمت، رقت ملامحه، فتحت ذراعي وأخذته في حضني، رجلي الذي بحثت عنه طويلاً.
عشرون عاماً من الانتظار، من اللاشيء، من أمل كاذب، وكنت قد قررت الذهاب إلى آخر الشوط، الوصول إلى لحظة اللقاء التي كنت أحس بقلبي انها آتية، وضعت لها آلاف الصور في ذاكرتي، وسألت نفسي عمراً بأكمله، من عساها تكون تلك التي أخذت رجلي، ما شكلها، هل هي أجمل مني، قد تكون كذلك لكنها أبداً لن تملك الحب الكبير الذي أوقفته في سبيله، والتي أبداً لن تذرف الدمع كما ذرفته أنا, هل أخبرها عني أو ذكرني أمامها، كيف استطاعت لاستيلاء على رجل ليس لها، رجل هناك من قضى عمره وراء البحر في انتظاره، هل هي حقاً أنثى تدرك فعلاً ما معنى الحب وجحيم الانتظار؟.
عشرون عاماً وأنا أنظر في المرآة، وأرى الزهرة تذبل والجسد الريان يضمر، وحده الشوق في إتقاد، وحده الحنين في توحش، كنت انتظره، أنتظر فيه الحبيب والزوج ورفيق العمر.
وتوالت الأحداث، بعد عشرين دهراً، بعد عشرين عمراً في البكاء، بعد عشرين مفازة من الشوق واللوعة والحرمان، قضيتها وحيدة كمن يصوم الدهر، طلقته زوجته الزرقاء العينين، أخذت كل ما يملك حتى البنتين اللتين نذر نفسه وعمره لهما، هل كان يجب عليَ أن أفرح لهزيمته وانتصار صبري الطويل؟!
طردته من البيت بعد سنين طوال من الحب، هل كان ذلك حباً حقيقياً، إذا كان كذلك حقاً، فماذا أسمي هذا الوحش الذي سكنني وقض مضجعي ومنامي عشرون سنة كاملة؟
كنت أنتظر عودته وقد عاد، وكأنه لم يقتلني عشرين خريفاً موحشاً.
لم أصدق ما رأيت، هل أتت بك العفاريت إلى أمامي، كانت تشبهك في كل شيء، إلاّ في العينين الزرقاوين، وقد أحبتني وصارحتني بحبها، فاستسلمت وأنا المحروم، وأنا الوحيد، وأنا الموجع حتى آخر نبضة في الوريد. كل لحظة قضيتها معها كنت أحسُ أني أقضيها معك، حتى صوتها في الفراش كان صوتك، البحة الخفيفة، ولفتة الدلال كانت لفتتك، كنت غراً كبيراً، لم أكن قد أدركت سرّ الغربة بعد وأنجبت لي بنتاً، بنت يا فاطمة في بلاد لا يمتلك الأب حقه في تربية أبناءه كيف يشاء، هل تدرين أي أسم أطلقته عليها، أنه أسمك يا فاطمة، تكبلت يداي، كبلتني مخلوقتي الصغيرة، لمن أتركها..للذئاب، عندما كنت أفكر بك قدرت بأنك قد تسامحيني لأجل فاطمة الصغيرة أخت أبنك، ظننت أن إرسالي المعونة المالية إليك كفيلة بتصبيرك على فراقي، ورزقت ببنت أخرى، كانت كارثة بالنسبة لي، مرت عشر سنوات يعلم الله يا فاطمة أنني كنت اسمع آهاتك واحتراقك رغم بعد المسافة فتزيد من ضياعي، لكن بناتي لمن أتركهن، فكرت كثيراً في إطلاقك من قيد الزواج، لكن قلبي لم يطاوعني، كنت أنانياً كبيراً، كنت أحبك، وتركت لك الخيار في طلب الطلاق، فلماذا يا فاطمة لم تفسخي عقدك من ذمتي, ولماذا عذبتي نفسك عمراً بأكمله في سبيل رجل قد لا يعود، لكنني ما نسيتك يا أصيلة ما غاب خيالك عن ناظري مرة واحدة في صحو أو في نوم، لم يرحمني قدري حتى عندما قضيت دين مهرك لم أقدر على العودة، كانت قدميَّ قد أنغرستا بعمق في تربة تلك الأرض البعيدة، وكأن قدري الظالم لم يكتف بذبحي طيلة هذه السنين فقد كبرت البنتين، ولم أستطيع اخضاعهما لعرفي وأخلاقي، وتحولت أمهما إلى عدوٍ ألد، مارلين التي لم تكن تعصي لي أمراً وقفت آخر الطريق مثل شيطان،كنت أراهما تخرجان أمامي وتأتيان بأصدقائهما إلى بيتي وأمام ناظري، كانت القصة قد وصلت إلى نهايتها، لم يعد لي مكان في ذلك البيت الذي نزفت دم قلبي لبنائه، للحفاظ عليه وعلى فرخيّْ الصغيرين، وها هما قد شبتا وطارتا مثل عصفورين أكتمل ريشهما، وعندما أنسدت أمامي النافذة، كنت انتي الفرصة الأخيرة، حملت جراحي وهزائمي وعدت بحب لم تقدر السنين على قتله في قلبي، وبخجل يسف الجبال، أعود إليك يا فاطمة وأنا مدرك أن أيامي أصبحت معدودة فداخلي قهرٌ وندم لا حد لهما، فقط أريد أن أراك وأرى أبني الذي غدى رجلاً والذي لا يعرفني إلا من خلال الصور وأموت بعدها بسلام، تعبت يا فاطمة بعد ركض طويل ومرهق في دروب مليئة بالأشواك والهزائم، لا تقولي شيئاً قبل أن أشم عرفك وأضم جسدك بين جوانبي وأبكي بين يديك ضيعة عمري، وبعدها أنطقي بحكمك الذي استحقه!
 توددت إليه واحتويته بين ذراعي أمام جميع العمال، نفحني ابتسامة دخلت قلبي مثل تعويذة سحرية تدعوني إلى التمسك به، وقد فعلت صارحته بحبي له، ظننتها نزوة عابرة أو مغامرة من مغامراتي السابقة، طاردته في كل مكان حتى رضخ ووقع في شباك حبي، وقد كنت له نعم الزوجة، تزوجته لأنه أصر على الزواج, وطيلة سنين زواجنا لم ينقطع عن الحديث عن زوجته السابقة التي تنتظره هناك, في بقعة ما من العالم في وطنه البعيد، في البداية لم أعر الموضوع اهتماماً، لكنه زاد عن الحد حتى أنه كان يهذي بأسمها في منامه، وعندما رزقنا بابنتنا الأولى صمم على إطلاق أسم زوجته عليها، تشاحنا قليلاً لكنني رضخت في نهاية الأمر لمشيئته، ومرت الأيام ورزقنا ببنتٍ أخرى، وكبرت البنتين وبدأنا الاختلاف، يريدهما مثله منغلقتان، لقد تبعته في كل شيءً اراده لي لأنني أحببته، أما أن يتحكم في مصير البنتين فذلك مالا اقبل به، ومما زاد في رعبي إنه في أيامه الأخيرة من زواجنا أخذ يتحدث عن ضرورة عودته إلى وطنه وأخذ البنتين معه، أخافني ذلك الكلام فحاولت ثنيه عن الأمر بكل ما استطعت من وسيلة، لكن عناده لم يلن، وحماية لابنتيَّ طلقته رغم الحب الذي في قلبي تجاهه. إنني على استعداد للموت في سبيل أطفالي وليس مجرد الطلاق، كان مستسلماً كمن يوشك على الانطفاء، لقد بكيت كثيراً لكن ما باليد حيلة أطفالي أولاً وقبل كل شيء، أذكر أنه عندما ودعنا في المطار عانق إبنتيه بعمق وأنهار باكياً مثل طفل صغير، كانت آخر مرة أراه فيها لأنه مات بعد شهور معدودة من عودته إلى وطنه البعيد الذي لا أدري حتى الآن أين موقعه في الخارطة.
عاد.. لماذا..أسأل نفسي، ما الفائدة من عودته الآن. عندما رأيته أمامي استيقظ وحش الحرمان داخلي، استيقظ نهر الدموع الذي نزفته من عين روحي الجريحة، صَرَخَتْ كل وحوش العالم في أوردتي "أين كنت كل هذه السنين لماذا تركتني وذهبت", أسئلة حارقة هبت من مضاجعها مثل رماح من نار كانت تطعنني في كبدي، رأيته مجرد رجل محطم لا يملك شيئاً. لم أنطق...لم أتفوه بكلمة، كان لبسي السواد وقلب أفقدته حسرة الانتظار مشاعر الإحساس، كان عناقاً بارداً ذلك الذي تعانقناه، لم أحب أن أكسره أمام الناس برفضي لعناقه الذي لم يعد يعني لي شيئاَ، أثار شفقتي، لم يعد هو من عرفته أول شبابي، مجرد رجل عجوز تحطم في الجهة الأخرى من العالم وعاد إليّ لأرممه.. لماذا أنا. وحينما غدونا لوحدنا عندما أنقض مولد الاستقبال، وقفت أمامه بتحد العمر كله وبمرارة السنين كلها، كنت أشعر بقوة خارقة تجتاحني وأنا التي ما رفعت راسي أمامه أبداً، حدقت في عينيه الخابتين المهزومتين فأشاح منكسراً برأسه بعيداً، لم أرحمه، كنت قد عزمت على الصراخ في وجهه، على الانفجار بكل ضياعي الذي صنعه لي، ثبتُ عيني في عينيه، لم ارتعش، لم يهتز لي طرف، وانفجرت بكل قهر الليالي التي لم يرحمني فيها أحد، كانت كلمة واحدة ولن أتراجع عنها حتى لو قُتلت، كنت أريده أن يسمعها بأذنيه، تلك الكلمة التي احتفظت بها في صدري دهراً طويلاً من الجمر، كان يجب أن أُسمعه أياها وجهاً لوجه، أردت أن أعلمه معنى الوجع، معنى الانتظار آلاف الأيام لقول كلمة واحدة لا غير، دون خوف أو ندم، مرة واحدة وإلى الأبد .. طلقني .
 

 

 
 ترنــــــــــس

"يا غارة الله، كل هذه مره", كانت في تقدمها مثل دبابه لا تلتفت، "ربما لأن ضخامتها تحول دون ذلك"، نطق بها الرجل وكأنه يراها للمرة الأولى، "أبرد لك منها هذه الهينة بنت الهين" زميل له عَّلق على كلامه, "قديه بتظن نفسها ذلحين ملكة جمال العالم". كل واحد منهم أخذ ينادم صاحبه، قال عليه الطلاق وسكت كأنما أراد أن يبحث عن كلمة أشد وقعاً من سابقتها في أذن مستمعه، لكن الصوت الذي دهمه من الخلف جعله يتريث، "أقول لكم يا عيال المكالف بلادكم تنتظركم..", لا يدري لماذا أطلق جملته تلك في وجوههم، "أيش نسَّوي فيها، نبيع بطاط". كانوا جميعاً في فترة الراحة قد خرجوا جميعاً من الورشة إلى موقف السيارات ليبحثوا عن نسمة هوا تلطف من قيظ ذلك اليوم.
"قلبي حبيبيهُ راح
 آه يا عذابه..."
أحدهم كان يترنم مع "أيوب طارش"، وآخرين منقمسين في مناقشات ومماحكات لا تلتقي في شيء، منثورين على البساط الأخضر الضيق بجوار السيارات في موقفها الفسيح، يقضون عشر دقائق مستلقين على ظهورهم يدخنون، سرعان ما تنتهي وكأنها لم تكن، "هكذا الرجال وهي تتبرد بعد الشغل", ذلك العجوز أكبرهم سناً والذي يأتي بحكّمه المعهودة بدون مناسبة وكأنما يقولها للسخرية، "هكذا الرجال وهي تشتغل، هكذا الرجال وهم في الحمام، هكذا الرجال وهي تكلم النسوان", هكذا...هكذا.." حتى صارت كلماته أمثالاً للسخرية
"صابر وطال صبري على مصابه..
سافر وخلاّني مع الهواجس..
 والحزن والحسرة على فراقهُ"، "ما شاء الله كأننا يوم القيامة، أيش بانقول لرب العالمين"، أحد الشباب المتدينين الذي طالما توعد بالقيامة وعذاب النار، يهدد بعض زملائه الذين يمزحون مع الفتيات دون خجل, "وأمام الناس، يا حيانا من الله"، لكن لا أحد يلتفت إليه فكل واحد منهم في واد، "أقسم بالله أنها أجهشت بالبكاء صباح ما كنت مسافر، وبكَّتني من بكاها", "منيه هذه التي بكّرت بالبكاء من الصبح" تساءل أحدهم باهتمام, لكن آخر لحقه بسرعه "منيه..هذا سؤال، طبعاً حقهم البقرة", فضج الجميع بالضحك, "قلًّك منيه". آخر يسأل رفيقه "كم جاء حقك الشيك ياخبير", لم يرد عليه بل تشاغل عن الإجابة بمشاهدة بعض زملائهم من السود الأميركان, وهم يتراقصون غير مبالين بأحد على أنغام موسيقى مجنونة تلعلع في الفضاء "حرك جسدك من أجلي"، "السلام عليكم" ألقاها ذلك الذي قدم متأخراً وما كاد أن يجلس حتى دوى صوت الجرس عالياً معلناً العودة إلى العمل، "قوموا ها قد أقبل يوم النشور" كما هي عادته ذلك العجوز لا يتوقف عن السخرية، قاموا متكاسلين كمن يُساق إلى الموت, "شاكمل لك بعد الشغل القصة"، وانتظموا في دخولهم إلى تعبهم اليومي واجمي الوجوه منكسي الرؤوس، ومن آخر الطابور يأتي صوت أيوب حزيناً كعادته
"أذكرك..
والليالي غامضة النجوم...!!"
 


 القريــــــــــــــن

الدم مثل أفعى تحتضر أخذ يسيل من شفتها السفلى، فمها المفتوح عن آخره، وفي عينيها ارتسم رعب مقيم، ومع ذلك كانت تضحك وتستنجد به أن يمزقها، بينما جسدها يرتجف تحت هدير جسده، قذف منيه على صدرها وهو يعوي، فاختلط مع الدم الثخين مع اللعاب، مع العرق مع الدموع،كانت ترتجف من لذة وحشية تلبستها مغمضة العينين، قام من فوقها وأخذ سكينة وبدأ السلخ كما لو أنه يقوم بسلخ شاة جدعاء. كانت مشلولة الإرادة، كانت تبكي وثمة شياطين تعوي في داخلها، شياطين جمّدت إرادة المقاومة فيها، وكلما أعمل سكينته في جسدها، تزداد عيناهُ بريقاً وحشياً وترتجف شفتاه، مطلقاً أصواتاً حيوانية عجماء، يغمره عرق غزير وضحيته تتوسل إليه والموت في عينيها أن يواصل تمزيقها.
 عندما أنتزع شفتها العلوية بيده وأودعها فمه لائكاً أياها بين أسنانه، غاب عن الوعي، تطاير لعابه ذو الرائحة المهلكة، غاب عن كل شيء حوله، تقدم إلى نهاية الحفلة، وقع على الجسد الدامي أمامه بجوع لا حد له وأخذ ينهشه مثل كلب مزقه الجوع حتى أُغمي عليه.
عندما استفاق بعد مضي وقت لا يدريه، وجد إلى جواره جثة آدمية مروعة التمزيق، فُقأت إحدى عينيها وأُقتلعت الأخرى من مكانها، وفي وسط الصدر انتصبت سكينة ضخمة حتى منتصفها، كان متعباً شديد الإرهاق ملطخاً بالدم، "هي التي أتت". نهض من مكانه كمن تذكر شيئاً، وذهب باتجاه خزانة صغيرة فتحها زائغ البصر وأخرج منها منشاراً كهربائياً، وضع مكبسه في إحدى الموصلات الكهربية وأخذ يقطع الجثة قطعة قطعة، ويضع القطع في كيس بلاستيكي أسود من تلك التي تستخدم لحفظ القمامة، عندما أنتهى من عمله الذي قام به كما لو كان يسير في نومه، لم يهتز له طرف أو ترتجف عضلة في جسده المشدود مثل القوس، قام بتنظيف المكان جيداً ثم خلع ملابسه الملطخة بالدماء ووضعها مع الجثة الممزقة  في نفس الكيس، وأتجه إلى الحمام عارياً. أخذ يحدق في مرآة الحوض يتفرس في تقاسيم وجهه، لم ير له وجهاً، كان وجهاً هلامياً عشي بصره عن رؤيته مع أنه أمامه شديد الوضوح، مسح ثمة رقم كان قد كتبه على الزجاج، وكتب آخر، "لكن لماذا يا جورج...." ، "هه" تلفت يمنة ويسرة، بغته الصوت، لم ير أحداً فصرخ بجنون "لماذا..لأنهم يستحقون الشفقة الحياة قاسية وأنا أريحهم منها، هل تسمعني أريحهم......!!". عاوده جنونه فأخذ يصرخ ويضرب زجاج المرآة بيديه العاريتين حتى أدماهما وسقط على بلاط الحمام وهو يبكي!
كان من عادته الذهاب إلى الحمامات العمومية النسائية والرجالية، ويبدأ في التنقيب عن أي بقايا آدمية، نقطة دم متجمدة، أو كرة شعر، أو بصقات بلغم تيبس على الجدران، لكن الذي كان يستهويه أكثر هو البراز، "من خلاله أعرف ضحيتي القادمة". أسابيع طويلة قضاها في البحث والتنقيب عن أي بقايا نهاراً وفي الهواء ومطاردة أرواح مجنحة لها مخالب من حديد تود الفتك به ليلاً. كان وحده لا يسكن معه أحد في شقة خانقة خافتة الضوء تنبعث منها روائح مكتومة لنتن عميق، حتى وجد ضالته أخيراً في أحد الحمامات التي دخلها لقضاء حاجته، مد يدة بعد أن أغلق الباب والتقط قطعة سوداء في حجم ذبابة وأخذ يقلبها بين أصابعه، قربها من أنفه، فبانت على وجهه علامات الرضى، عندما شم رائحة حادة تشبه رائحة الحديد الذي أكله الصدأ عندما يغمس في ماءٍ آسن والدم معاً، عاد أدراجه إلى مسكنه حيث أخذ من خزانته عدة علب مقفلة، وكذلك أخرج كتاباً صغيراً ممزق الغلاف، هّيأ موقد النار المنتصب في وسط الغرفة، وعندما صهلت الجمر بين الرماد خلع ملابسه وبدأ طقس الدم، فتح إحدى العلب ونثر بعض ما تحتويه على النار، وفتح ثانية وثالثة، فانتشر دخان كثيف في سماء الحجرة، كان يحوم حول الموقد عارياً يغسله العرق، جاحظ العينين مزبد الفم، يهذي بقراءة لا تفقه، أحس هذه المرة أنه مقدم على عمل لم يقم بمثله من قبل، قذف بمزيدٍ من بخوره وأشيائه في الموقد، فزاد تصاعد الدخان عالياً كثيفاً له رائحة لحم بشري، عم الغرفة ظلام دامس، وحدها الجمر لون الضوء الوحيد في العتمة السوداء، "جاهنجا هو جاهيه جاهنجي هوجي هاه". غطس في تراتيله ورويداً رويداً سطعت عينين حمراوين، مثل لون الدم لهما بريق يخطف الأفئدة، ثم دوى صوت قهقهة مرعبة، قهقهة هائلة كأنها تنبعث من أعماق الجحيم، أخذ لقيته الصغيرة ومضغها قليلاً ثم مدها مبللة بلعابه إلى الجمر، "ليس هذه المرة يا جورج..".
لم يسمع الصوت القادم من داخله، كان ينزع من نشوة ماجنة تضج في أوردته، كان قد وصل إلى هيولي موحش لا عودة منه، بصق في جميع الاتجاهات ووضع بأصابع مرتجفة قطعة البراز على أكبر جمرة وأخذ يقلبها، وثمة نار تعوي في دمه، نار اندلعت فجأة من قعر جحيم منسية، وكلما قلبها والتهمتها النار شعر بانهيارات خارقة في تجاويف جسده، "ليس هذه يا جورج", الصوت الهائل عاد كرة أخرى والقهقهة تصم الأذان، لم يسمع فقد السيطرة على نفسه، وعند احترقت تماماً وتفحمت قطعة البراز، أطلق صرخة ارتجت لها الجدران، وسقط على الأرض جثة متفحمة، تدوي فوقها قهقهة حمراء.

 

  
 شتــــــــاء طويـــــل ليــــس لــــــه نهايـــــــة دافئــــة

يمرون مثل أشباح عمياء تحت رذاذ الثلج الكثيف على عجلة من أمرهم، يشدون معاطفهم الغليظة على الأجساد المقددة، ويمضون إلى غايات لا يدركها أحد سواهم، وعندما يعودون كل ليل يبتاعون قناني البيرة وعلب التبغ وخبز وبصل وسمك معلب، ويتجهون إلى غرفهم الرطبة في فنادق رخيصة وقد هدهم التعب, ولا ينسون أن يلتقطوا بعض نساء ألأرصفة لتمضيه الليل بين أذرع بشرية بائسة. أحياناً يسمع صراخهم وشجارهم في معارك لا تنتهي لأسباب لا يعلمونها, الرجال الذين تركوا نسائهم في وطن بعيد تؤرقه الشمس والفاقة طوال العام، وعندما يدركهم الحنين يجتمعون ويأخذون في تناول القات اليابس والثرثرة عن كل شيء, ويتفاخرون بأفعالهم وبنقودهم التي يجمعونها في نهارات السخرة المريرة، وحينما يموت أحدهم يدهمهم خوف صاعق يبعثرهم ويزيد من روعهم، "ياألله موتني بين عيالي!"
كانوا رجالاً مجهولي الأنساب والأعراف، يذرعون الشوارع المغطاة بالثلج في شتائهم الطويل, بحثاً عن أعمال مهلكة وكثيراً منهم لاقوا حتفهم في محطات للبنزين ومحلات لبيع الخمور لا يعلم لهم قاتل، كانوا يسمعون نشيج وعويل ونهنهات غامضة تأتيهم من حيث لا يشعرن، فتراهم ممسوسين مستفزي الأعصاب مكدري الوجوه مقرحي الأجفان، يمشون مثل النيام في نفق مظلم شديد الإغلاق، وعندما تحين اللحظة بعد سنين طويلة يخرج كل واحد منهم بذلته الوحيدة ويعيد صباغة ألوانها الباهتة استعداداً للسفر، يشترون الكماليات الرخيصة التي لا تعني لهم شيئاً ليفرحوا أولئك الذين ينتظرونهم عند الشواطئ الشرقية للعالم، يمضون بضعة اشهر في قراهم المنسية، ثم يعودون خاليي الوفاض ليغيبوا كرة أخرى في أرصفة مدججة بثلج أبدي، كانت عيونهم لا ترى إلا الثلج في الشوارع وعلى أسطح البيوت وقرميد الحظائر، حتى وأن كان الصيف يختال في كبد السماء، كان البرد قد سكنهم حتى الأعماق فصار العالم حظيرة شتوية دائمة، دائماً مدثرين بالصوف ينضحون عرقاً حامض الرائحة، يأكلون خلسة ويضاجعون نساء العشرة دولارات بنزق محزن، ويكرعون الكحول كما لو أنهم سيموتون بعد قليل، لا يعرفون مخلوق الابتسام مع أن لهم قلوباً برية معشوشبة بشجيرات زكية الرائحة لا أسم لها، وحينما يقبرون تزهر الأزهار على قبورهم المنسية وهم المجهولين الذين لا يبكيهم أحد.
ثمة حزن مخفي يعيش بينهم ويقتات ماء العيون، أولئك القادمون إلى الثلج، يحتزمون بزنار الشتاء الذي ليس له نهاية، مطبوع على جلودهم مثل وشم لا ينمحي، كل يوم كل ليل خمر وبصل وتونة معلبة وتبغ رخيص، هكذا لا يعلمون إلى متى. بعضهم نالتهم الأمراض الجنسية، وآخرين فقدوا جواهر عقولهم وهاموا في الشوارع مثل ضباع لا مخالب لها، وبعضهم مات، و....و....الخ. قمار، ضياع، صلوات بكاء، سكر وجنون، حسد وكوكاين وترقب لأخبار تهريهم حتى بياض العظام، تصلهم أنباء الخيانات, "هيه" فلانه زوجة فلان مسكوا عندها واحد بعد صلاة العشاء", فينكمشون في جلودهم مثل سلاحف حجرية خشية أن تصيبهم سهام الخيانة وقطران العار، لكن من يستطيع أن يخبر الزوج المخدوع الذي ينحت في صخر البعيد عن خيانة إمرأته. مرارات قاهرة وشعور جارح بالظلم، تنهدات مكتومة أخذت شكل أصنام وحشية الملامح لا ترى لكنها تثقل الأفئدة، الخوف من المجهول يحيق بهم من كل جانب، يتساقطون مثل ورق فقد لونه أمام ريح غريبة في ليل طال كثيراً، ليل شتوي، ليل كوني البرودة والصقيع، لا شيء يتغير، أيام فقدت معناها، جنازات منسية لصغار أدركتهم حرفة القتل مبكراً، فتيات يهربن إلى حرية كاذبة لا عودة منها، وأمهات أميات متخمات بالعصيد تجللهن روائح الفرث والأسفال* التي أتين منها ذات صدفة لعينة، "قلت أدخلها أمريكا ترتاح بنت الحرام, شهور معدودة وإذا بها تهددني بالـ"ناين ون ون*".
قهر يشتعل في العيون، قهر مثل سياط من حديد لا ترحم. "ألعب يا منيك.. عليَّ الطلاق لابد من هزيمتك!"، مقهى قذر يعج بالدخان وبرائحة الحشيشة وبمنسيين مر ألف زمان عليهم, وهم في الكهف لا يسأل عليهم سائل وهم "جواكر" تعلب بهم أوراق أكلها لسان العرق والرطوبة، فتيان لم تنبت شواربهم بعد وهم الـ" هاسلرز*" يأتون بسياراتهم الفارهة، وبقلائدهم الذهبية وخواتم الألماس في أصابعهم الناعمة، قساة قُدت قلوبهم من صوان الخوف، يتجمعون مثل خراف استذأبت، مداهمات، اقتحامات لدكاكين مغلقة، سطو مسلح، تزوير شيكات، نهب منظم لبطاقات البنوك، قتل، حروب وهمية أشعلوها في سبيل المال الحرام ومعارك وخصومات لا يدرون لها نهاية، بيع مخدرات، قوادات، عاهرات صغيرات، استعبدتهن لذة القسوة وسطوة الكيف، ثم بعد الكر يأتي الفر العظيم، قُبض على(جي جي) قتل (مو) و(هانك)، يصاب (إل) في غارة غير موفقة، حُبس (إدي) عشر سنوات، وكذلك يأتي الحزن المخيف، قُبر أحد الـ(هاسلرز)، له وجه طفل لم يبلغ السادسة عشرة من عمره بعد، كان وجهه مثقوباً بعدة طلقات، وجه ضاعت معالمه، واحدة في العين اليسرى والأخرى بين الحاجبين والثالثة أزالت شفته السفلى والرابعة جعلت جبهته حفرة حُشيت بالقطن قبل الدفن، "لقد طرز وجهه بحرفة عالية في التصويب ذلك القاتل, "قال الشرطي الذي أكتشف الجثة في المقبرة، ذهب وحيداً ذلك الفتى الذي أكل ساندويتش شاورما قبل مصرعه بساعة واحدة، هل كان يدرك بأنه لن يرى وجه أمه بعد ذلك إلى الأبد، لو علم قتلته القادمة هل كان خرج من البيت، هل ظن مرة واحدة في حياته بأنه سيغتال إغتيالاً مجانياً كهذا وأن زميله الضخم الجثة الصغير العمر مثله تماماً سيموت معه وأنه سيصاب بست طلقات حاسمة القتل في ظهره أثناء فراره، وكيف أنه سيركض في الشارع المظلم خارج المقبرة صارخاً بهلع ورعب, "إنقذوني، اسعفوني، لا أريد أن أموت". كان صراخاً وحشياً لروح تنزف نفسها، وفي منتصف الشارع سقط على وجهه والدم وراءه ثعبان أحمر يصل إلى خاصرته.
 أُناس يتشبحون رويداً دون إحساس منهم، في نظراتهم اللامعنى من كل شيء, الحب، الكره، الحياة، الموت، الحنين، الأنباء المفجعة، النساء الخائنات، الأبناء مجندلين في كل زقاق. فلت العيار من قبضة اليد، صارت حياتهم عويل واحد من دمار لا يذر أحداً. حجراتهم مزدحمة بهم وبقاذوراتهم وبتهيجات جنسية شاحبة، يلتقطون العاهرة من على قارعة الطريق ويتناوبونها جميعاً في مهرجانات بدائية لرعب مقيم ومهلك. يمر الشتاء مروراً طويلاًَ مثلا قطار مات ركابه منذ مليون عام في إتجاه غير معلوم، شتاء سكن العيون وأكف بنات تتقاذفهن شوارع التيه القاتم والإضمحلال. شتاء عظيم يحتوي القادمين مثل مرجل كظيم لا قعر له. يتغير الزمان والرجال الجوف مكانهم يدخرون دولاراتهم الضنينة في شتائهم القاتل، طمعاً في نيل صيف خاطف في جبالهم البعيدة وراء الأوقيانوس، خشية أن تدركهم فجأة خيانة الموت .
 

 
 مــــــدن الزجـــــــــاج

وأخذت القباب الزجاجية الهائلة تقترب من بعضها بشكل مقلق، وبسرعة بطيئة لكنها لا تتوقف، عندما تحطمت أحزمتها الفولاذية فجأة وبدون سابق إنذار. كانت تتقارب فوق الزرقتين، زرقة البحر الشاحبة وزرقة السماء السوداء, المشبعة بالغازات الخانقة المنبعثة من كل مكان مهددة بتصادم  مروع.
مجلس مدن الزجاج الأعلى منعقد، ووفود من كل القباب الزجاجية يناقشون مستقبل الأمة بجدية، ومن ورائهم شعوب مدن الزجاج ينتظرون ويترقبون نتائج قمة الحكماء.
- لقد أعلنها ثانية هذا اللعين الحديدي!![×:ـ عُد إلى الذاكرة المايكرو فلمية1:1].
- لو لم تجعلوا سلطاته مطلقة لما وصلنا إلى هذه النتيجة!
- دعو عنكم هذه المهاترات ما هو الحل نريد حلاً يا سادة، شعوبنا يعصف بها الخوف ونحن لم نتقدم خطوة واحدة في مواجهة ما ينتظرنا من دمار.
كانت قاعة الاجتماع بيضاوية الشكل، وضعت في وسطها طاولة رقمية كبيرة عشرينية الأضلاع من زجاج فولاذي له لون فيروزي صقيل، تحيط بها من كل جوانبها العشرين كراسي وثيرة يجلس عليها حكماء قد سلخوا من الزمان مدداً وسنيناً كثيرة حتى ليوشكوا أن يتبخروا في أمكنتهم لطول أعمارهم، متوسط عمر الواحد منهم يتجاوز الألف والتسعمائة سنة أرضية، يتوسط الطاولة أكبرهم الملقب بالأعلم نظراً لغزارة علمه وذكائه الخارق عبر ألف ومائة وخمسين سنة مرت، وهاهو يواجه الانتقادات اللاذعة كونه صاحب فكرة البرمجة الآلية ومخترع الحديدي سبب مشكلتهم الآن، كان يرتدي ملابس مصمته ملتصقة تماماً بكافة زوايا جسده، بحيث لا يترك فرصة واحدة لملامسه الهواء له، كذلك كان لبس بقية الحكماء، الاختلاف الوحيد كان في الألوان.
- سيدي الأعلم..
قال أحدهم بلغه خطابية عالية...
- لعلكم تدركون تماماً أن كافة السبل مسدودة أمامنا بعد آلاف المحاولات المضنية من كل علمائنا لإصلاح الخلل، ولم يعد أمامنا إلا سبيلاً واحداً بعد أن عطَّل اللعين المنظومة الأليكترونية الاستشارية كاملة وأصبحت في قبضته!
- ما هو
كان القلق يبدو جلياً على وجه القائد الأعلم مع أن جسده محكم الإغلاق.
- تقديم أضحية
قالها حاسمة وكأنها آخر كلمة ينطق بها.
- ما هذا اللغو
ساد اللفظ والهرج القاعة، وتضاربت الآراء بين مؤيد ومعارض
- ما هذا الكلام.. أواخر القرن المائة والثمانون نسمع مثل هذه الآراء والحلول، هل نحن نعيش أيام الوحشية الأولى
- لم لا.. ما دام في ذلك مصلحة وسلامة شعوبنا.
- ماذا عن المبادئ؟
- عندما يزحف الموت تنسى المبادئ
- إنه عار ما بعده عار نحن علماء هذا القرن، كيف.....!
- دعك من هذه الكيف، فما هي إلا أضحية واحدة لا تحتاج إلى أكثر من رحلة حلمية واحدة لا غير![××:ـ عُد إلى ذاكرة المايكرو فيلم الرقم 2ـ 2.] .
الوضع كان متوتراً بين حكماء الطاولة العشرينية الأضلاع، والقباب كانت لا تزال مستمرة في اندياحها الحتمي إلى الكارثة![ توقف هنا لتصفح رقائق الذاكرة الذرية ثم يمكنك مواصلة القراءة. انتهى!]
* إشارات:
- × ـ 1-1 اللعين الحديدي هو العقل الأليكتروني الذي أخترعه القائد الأعلم لتسيير أمور المدن الزجاجية وتزويدها بالطاقة وضبط أبعادها عبر شبكة فولاذية هائلة من الألياف، بحيث يبقيها في مدارها المحدد فلا تصطدم ببعضها ولا تتخذ سبيلها في غيهب الكون سربا. إنتهى.
- ××-2-2: أبتكر علماؤنا الأوائل[استدراك: عذراً أيها المطلع لهذا الصوت الغير واضح، فهذا عائد إلى قدم الشريط الذري الذي بين يديك، فأنت الآن تستمع إلى معلومات نقشت على الذاكرة الرقائقية قبل ستة ألف وتسعمائة سنةـ انتهى ـ ] وسائل هائلة ومتطورة شديدة التعقيد والكفاءة، ومع تسمم البحار والأنهار وهطول الأمطار الكيماوية وانتشار الأوبئة، خصوصاً بعد أن فقدت الشمس وهجها وحرارتها، ونشوب حروب طاحنة، كذلك تسرب مواد نووية فتاكة من المختبرات والمفاعلات، ناهيك عما استخدم في الحروب نفسها.
حدث أن أنتشرت في تلك الفترات العاصفة حالات مرضية غريبة بين الجنسين ليس لها علاج على الرغم من المحاولات التي استمرت قروناً طويلة لإيجاد علاجاً ناجحاً، لكن تلك المحاولات بائت جميعها بالفشل، مما هدد ما تبقى من الجنس البشري بالفناء، فقد كانت تؤدي تلك الأمراض إلى العقم النهائي دون أسباب معروفة وظلت مجهولة حتى يومنا هذا، ولم تفلح معه عملية الإستنساخ الجنيني، لذلك ابتكر العلماء طريقة غرفة الأحلام، فعوضاًَ عن الالتقاء الجسدي المجرد بين الرجل والمرأة وتعرضها لذلك المرض المدمر وبالتالي إلى الفناء الحتمي، تم ابتكار هذه الطريقة،وهي التلاقح عبر الحلم وجمع لحظات الشعور الجنسي في حزم ضوئية وضغطها ضغطاً مطلقاً في درجة محددة صفرياً، ومن ثم سكبها في وعاء يشبه رحم المرأة عبر ما أفرزه من منيَّ أُخذ بالضوء قبل أن توقع فيه الفيروسات وتلوثه, أما كيف يحدث ذلك فيتم عبر إدخال الرجل والأنثى إلى غرفة النكاح الضوئي وينوما بواسطة موسيقى تبث ذبذبات معينة سلفاً, يبثها "سيد الغرفة" وهو الرجل الآلي المسئول عن إدارة الحلم المناسب، ثم وعندما يناما معاً وفي لحظة مبرمجة يبث الحلم الجنسي المطلوب، حتى تتم عملية القذف، كل ذلك يحدث أثناء الحلم، أنتهى.
ثمانية أسابيع وهم في بحثهم المضني عن وسيلة تنجيهم من دمار قريب، وبعد استراحة ثلاثة أيام للتشاور والتداول عادوا ثانية إلى قاعتهم العملاقة للنقاش وطرح الآراء
- أين توقفت يا سادة في المرة السابقة؟!
- عندما أعلنت رفضك...!
- أتاه صوت خفيض من جواره إلى اليسار.
- نعم كيف يمكن لأحدنا أن يضحي بحلم غالي من أحلامه هكذا بكل بساطة
- لقد طلب ذلك بنفسه وحدد لكل عام أُضحية من أعضاء هذا المجلس, فقد أصابه الملل من أضاحي العامة، هذه المرة يريد أن يجرب لحومنا وأنتم تعرفون بقية القصة، توضع الأضحية في ذلك الصندوق الحديدي المتصل مباشرة مع عقله الإلكتروني، لأنه يريد أن يتلذذ........!
- بماذا
- بالعظام وهي تُهرس بالدم، إن ذلك يثيره كما أخبرنا عبر رسالته الصوتية الموجهة إلى مجلسنا هذا
قُطبت الجباه إشمئزازاً وخوفاً لوقع الخبر
- الوغد أنه يعلن الحرب علينا، بالنسبة لي ما هو إلاَّ عقل اليكتروني مبرمج لا يفقه شيئاً عن عالم البشر إلا ما يُلقن ويُدفع به إلى ذاكرته، قبل أن يقدم السيد القائد الأعلم على منحه معلومات وصلاحيات ما كان عفواً على تجاوزي هذا  ينبغي أن يحصل عليها، خصوصاً وأنتم تعلمون (ملتفتاً إلى بقية أعضاء المجلس) مدى حساسية هذا الجيل من العقول الآلية التي تقارب عمق ومعرفة وسعة العقل البشري.
قالها بتحدٍ وكان كما يبدوا أصغرهم سناً.
- حسناً ومن سيعطيك بعدها "الكبسولات" يا عزيزي
[راجع الوحدة .3÷3.]
- ما الذي تعنيه؟!!
بوغت بذلك السؤال الذي يعرف إجابته جيداَ كما يعرف أسمه، لكن الحنق جعله يبدو كما لو أنه قد نسي من هو ومن مثله لا ينبغي لهم النسيان.
- الذي أعنيه وأنت تدركه، أن ذلك الوغد والقاتل الحديدي كما تسميه، قد اشترط الأضحية ثمناً لكبسولات الأوكسجين والغذاء والطاقة والمشاعر والأحلام، وبالتالي كما تعلم أيضاً إنه هو من يقوم بصرف مستحقات كل فرد فينا أخر كل عام، وإن رفضنا أو حتى رفض واحد منا فقط فسوف يقطع عنا ما نريده منه من مؤن، وتدرك لا شك في ذلك أبداً ما هي نتيجة المنع، إنه يريد الإجماع مطلقاً بالموافقة وقد أعطانا مهلة حتى آخر السنة الحالية.
- حسناً يا سادة من منكم على استعداد للتضحية بحلمه.
سأل القائد الأعلم فأنفجر الجميع هرجاً ومرجاً ثانية أعمق من سابقتها
- هذا لن يكون فلقد أنتظرت ألف وخمسمائة عام حتى يأتي موعد حلمي ولن أفرط به بهذه السهولة حتى ولو أندلعت حرباً كونية خامسة عشرة بعد المائة
- أما أنا فلم يعد لي الحق في التصرف بأي حلم آخر فقد أُستنفذت تماماً وتعرضي لحلم جنسي جديد يعني ذلك موتي
رد آخر من اليمين الأقصى للقاعة بصوت عال على الرغم من وجود أدوات لاقطة للصوت تبث كل ما يود قوله إلى بقية الأعضاء.
- كذلك الحال بالنسبة لي فلقد حان الوقت للذهاب للسكن في مقبرة الأجداد وسأترك خبراتي لوليدي القادم وفي علمي أنكم والأجيال القادمة لن تستطيعوا الاستغناء عن تراثي المعرفي ولا عن نظرياتي واكتشافاتي بل لا حياة لكم بدون ذلك.
كان القائد الأعلم يراقب ما يحدث أمامه لا يدري ماذا يفعل حتى دهمه صوت أنثى، كان صوتاً نزقاً..
- أيها السادة، يا حكماء المدن الزجاجية، إنه من العار عليكم أمام التاريخ هذه الضوضاء والصخب، ومن الخزي أن ينحصر هَمْ كل واحد فينا في كيفية تخليص نفسه من الورطة بينما شعوب وأمم بأكملها تنتظر بأمل إلى ما سنصل إليه من قرارات وحلول لإنقاذهم وإنقاذ أطفالهم و....!
لم يتركوها تكمل كلامها، فقد هب الجميع ما بين مؤيد ورافض والغضب يعلو الوجوه, حتى وصلهم نبأ ارتطام القبة الليلكية مع القبة الإرجوانية، كان ارتطاماً مروعاً جعلهما حطاماً، ورأو بعيونهم الزجاجية على شاشات البث المباشر أخوانهم يأكلهم الفراغ الكوني البهيم محترقي الأجساد، يتسربون مثل رماد محروق إلى حيث لا نهاية. ألجمهم الرعب. وفتك بهم صمت محرق لا يدرون ماذا يفعلون، يشاهدون فرق الإنقاذ التي هبت لمحاولة المساعدة والإنقاذ، والتي لشدة سرعتها ووجودها في مكان الارتطام بعد ثوان من حدوثه إلا أنها لم تسطع إحضار أو إنقاذ حيا واحداَ ، فقد مات الجميع صعقاً وحرقاً، فبدا وان مستقبل الأمم في خطر لا مهرب منه إلا بتقديم الأضحية المرتقبة

إشـــــــــــارة:
[××× عُد إلى الموقع 3:3. وستجد:....
عندما فـُقـِد الأوكسجين تماماً من الأرض والمجرات القريبة بعد أن تلوث معظمه، مما سبب في تناسل أجيال من المواليد المشوهين خلقياً سرعان ما كانوا يتوفون، أدرك السادة العلماء إن مجتمعهم إلى زوال إن لم يتداركوا الأمر قبل فوات الأوان، وبعد تجارب طويلة ومضنية أبتكروا كبسولات صغيرة مختلفة الألوان، فمثلاً كبسولة الأوكسجين لها لون أزرق ومجزأة إلى خمسة أجزاء متساوية في عدد ذراتها الكيماوية، وعندما يتناولها الإنسان تكفيه مدة خمسة أشهر، أي مائة وخمسين يوماً بالتمام والكمال، حيث وأن الشخص لا يحتاج إذا تناولها حتى لتشغيل رئتيه، فالأوكسجين المعلب يذهب مباشرة إلى الدم ويظل يتفاعل هناك حتى تنتهي الخمسة الأجزاء، وعندما يأتي دور الجزء الخامس والأخير، يبدأ الجسم ببث إشارات التنبيه عبر ارتفاع درجة حرارته فجأة، لكنه ارتفاع غير ضار، فيدرك الشخص انه قد حان وقت تناول الكبسولة التالية، وكذلك الحال بالنسبة لكبسولة الغذاء المحتوية على أهم ما يحتاجه الجسم من فيتامينات وبروتينيات ونشويات، وكذلك الماء بحيث أن التوزيع داخل الجسم يصل إلى كل خلية على حدة وكما تريد بالضبط وتحتاج من غذاء، كما أن هذه الطريقة العلمية توفر الغذاء بمقدار، بحيث لا يكون هناك إهدار غير مبرر وفي نفس الوقت لا تحدث عملية التبرز والتبول. أما حبوب تنشيط الدماغ فأنها تعمل على تنظيفه مما علق به من كسل وخمول والقضاء على الخلايا التي هرمت وشاخت واستبدالها بخلايا شابة، فيظل نشطاً ومقاوماً للضمور والموت. انتهى:.].
استمرت القباب في تصادمها معرضة أعداداً هائلة من الناس للموت، بينما السادة العلماء في اختلافهم حول من يجب أن يقدم حلمه على الآخرين، كل شخص منهم كان يقدم الأعذار والتبريرات، بينما شعوبهم تتعرض للاصطدامات المدمرة، وحينما وصلت المداولات والاعتراضات إلى درجة المراشقة بالكلام وتوجيه التهديد والوعيد كل منهم للآخر، تباعدوا فيما بينهم وأغلقوا على أنفسهم غرفهم الزجاجية العصية على الكسر، وصار الحوار بينهم بواسطة الشاشات المرأية الموضوعة أمامهم. أنتشر الخوف في قلوبهم، فبدو كأنهم أعداء يغلظ كل منهم للآخر، بينما أُسقط في يد القائد الأعلم خصوصاً وأن المهلة المحددة التي حددها لهم العقل الإلكتروني الذي يسيّر المنظومة كاملة لمدنهم الزجاجية المعلقة في سقف الأرض التي دمرتها الحروب، مثل بلورات عملاقة ملونة قد انتهت.
هدأ لغطهم عندما لم يسمعوا شيئاً فأطلقوا صيحات الفرح وظنوا فيه تغييراً لرأيه أو أن محاولاتهم لإصلاحه قد نجحت، عندما أتاهم الإنذار الثاني صاعقاً،"أريدكم جميعاً في الصندوق الحديدي..كلكم دون استثناء", اجتاحهم رعب عظيم فأنطلقوا من فورهم كل في اتجاه محاولين الفرار إلى حيث لا يدرون على متن مركباتهم الفضائية الخارقة السرعة، وحده القائد الأعلم لم يتحرك من مكانه مستسلماً لما يحدث.
فجأة أخذت أجسادهم تتحلل وتهترئ متناثرة في كل مكان مثل غبار عطن، مسفرة عن عظام أخذت تنطحن رويداً رويداً، متفرقة ذراتها في الهواء الشديد التعقيم,  وكأن الزمن تذكرهم بغتة بعد طول نسيان، حتى أختفت أجسادهم عن الأنظار تماماً ولم يعودوا سوى ذرات مزقتها ريح بائسة، وحده القائد كان يراقب ما يجري أمامه في ذهول، حتى صعقة دوي الأرتطام المدمر الذي دمر آخر قلاعهم الزجاجية الهائلة، وتناثرت أشيائهم وأرواحهم في الفضاء السحيق مخلوطة بذرات الزجاج.
 
 

عنــــدما كنــت جبلاً صغيــــراً من ثلـــج ذوبتـــه الأحزان

المرأة الإيطالية التي كنت لها حوذياً منتصف عصر النهضة، أقبلت فغمرت "هولي" بأريج أمواج شعرها البني في تلفتها يمنةً ويسرة, أثناء ما كانت تسوق سيارتها القادمة من "أوهايو"، أقبلت من آخر الشارع وأتيت أنا من حلم ساومته كثيراً, أن يتركني كما رآني شجرة وحيدة تفتح نوافذها الخضراء للطيور الشريدة في جنة قيد الإنشاء هرب مقاولها ولم يقبض عليه بعد.
التقينا في وسط الشارع، ابتسمت وبدأت الكلام  بلغة إنجليزية عجماء لكنها لذيذة، كنت قد رأيتها لا أدري أين، ربما في ذلك المستشفى الإيطالي في روما أثناء الحرب العالمية الأولى, عندما كنت طريح الفراش مصاباً بجروح قاتلة أودت بي، لم أذهب إلى تلك الحرب إلا لأراها مع أنني لم أعرفها من قبل، أذكر كيف كنت أتصيد القذائف النارية من الهواء خشية أن تصيب أنثاي التي بحثت عنها في كل العصور, وأبصق عليها فيهدأ لهيبها، أذكر كم دبابة هرستها بقدمي مثل صراصير معدنية، كم طائرة نفختها بغضبي فتاهت في الفضاء. هل رأيتها في ذلك المستشفى أم أنها إحدى جنيات جزر البهامس التي أكلتها ذات مرة عندما كنت سمك قرش محطم القلب. أين التقيت بها هذه الخرافة التي لا يوجد مثلها في البلاد والتي تشبه أغنية سومرية أُكتشفت قبل قليل.
أذكر كنت كلباً ذات مرة في إحدى قرى جبال الأنديز المفقودة وكنت جائعاً لم آكل منذ ثلاثة قرون مضت، مزق الثلج كبدي وأصمتني أغاني مرعبة تخرج من رئات جبال أُغتيلت ذات مساء بارد، وصلت إلى عند باب بيت في أسفل القرية النائمة على وحشتها منذ ألف سنة، عويت، كنت أحسها بقلبي، عندما فتحت الباب كحلت عينيّ الكلبيتين بمرأى وجهها الحنطي الذي يشبه وجه أميرة عربية اختطفها قطاع طرق قساة. هززت ذيلي وذرفت دمعتين رجراجتين من لهف ومواجع، فاقتربت مني مشفقة وأخذتني بين ذراعيها، فلم أتمالك نفسي وبكيت من كل قلبي فأنهمرت الأسماك والأصداف والغابات من دموعي، غنت لي أغنية الكلب الشريد والأميرة المخطوفة، كان الشتاء يلف الكون بزئيره الحزين. أدخلتني بيتها الحجري الصغير وقدمت لي حساءً ساخنا وذهبت لتنام قرب المدفأة، ومنذ ثمانمائة وخمسين عاماً وأنا باسط ذراعي في الوصيد أحرس أميرتي المخطوفة، أحياناً كنت أسمع لها أنيناً خفيفاً أثناء نومها، فأجفل فزعاً وانتصب مثل شيطان من نار، استعداداً للفتك بأي عدوٍ محتمل، وعندما لا أرى أحداً أعود إلى مكاني بعد أن ألعق وجهها البلوري.
مرة دهمني برد أحرق روحي فذهبت إلى سريرها ودسست جسدي الكلبي في طيات فراشها ونمت معها، وفي لحظة فقدٍ عارمة احتضنتني بين ذراعيها وقضيت في حضنها ألف سنة إلا عشراً. سألتها عن اسمها ابتسمت بكل أمجاد روما الغابرة "جسيكا", أعرفه هذا الاسم منذ أن كنت كلباً في سريرها، منذ أكلتها ذات شاطئ استوائي، منذ أن كنت سيارة إسعاف تقودني بفتوتها التي هزمت أوربا كلها. صوتها فيه بحة خفيفة ذكرتني بمغنية هندية حمراء كانت تغني تحت صنوبرات يهزها الحنين على نهر الميسوري العظيم, عندما كنت طائر "سبّد" وحيد أحلق في فضاءات الوحشة، ذكّرتني بساحرة فاتنة قابلتها في بلاد الرافدين قبل أن يموت "نبوخذ نصر، أذكر أنني كنت آنذاك رمحاً مكسوراً. أين قابلتك من قبل ياجسيكا, أخبرتيني بأنك من نابولي ....، هاه ..., تذكرت الآن، لقد رأيتك في محل للزهور، وأذكر أنني كنت وردة غاردينا رشقتها في عسل شعرك الأشهب، فلماذا أراك هنا في شارعي المفرغ من الألفة.
عندما كنت حباً يسكن القلوب جعلت من ملئت فراغ قلوبهم يحبون زرقة السماء, ودلال حبيباتهم ورفيف الأجنحة وتثاءب الصباحات الجديدة، أما الآن فلا أحد يدخل دهاليز قلبي لينثر الأمان بين أضلعي الباردة، أضلعي التي كانت ذات يوم بعيد قبل ستة آلاف سنة، أقفال ذهبية على بوابات معبد الشمس في أرض سبأ، وذات مرة كانت هذه الضلوع حروفاً بيضاء لقصيدة عشق كتبها شاعر مكسيكي لحبيبته الخلاسية في مجاهل غابات الإكوادور، هل أحمل سيارتك على كتفي وأطير بك إلى حيث لا يزال ذلك الكلب نائماً في سرير الأميرة المخطوفة, هل أريك خاتمة ذلك القرش الذي ابتلعك عندما كنت تعومين بجسدك المقدس وتغرين بلونه الصاعق كائنات الماء الضعيفة، وكيف جُن عندما سمعك تغنين في أحشائه وتحاولين تضميد جراحات قلبه المسكين، تلك الجروح التي أعادتني إلى مضارب فارغة إلا من أنين قلبي وتخيل قامتك الناضجة الثمار. مالك صامتة، تكلمي،افتحي باب سيارتك وتعالي لتضميني بين حناياك كما فعلت ذات مرة, عندما كنت فقمة صغيرة تاهت في صحراء الاسكيمو القاحلة إلا من ضجيج الصقيع في القفار والأوردة، احتاج إليك الآن أكثر من ذي قبل، نعم .. هكذا، أخرجي برجلك اليمنى, على مهلك، بسم الله، .. وحدك .. يا سعد القلب، تعالي قلبي مفتوح فادخليه مثلما كنت تدخلين قصر جدك ذي الأصول العربية، نحن أبناء عمومة، أنا بحار مزق محيطات العالم ذهاباً وإيابا، يسكن كهفاً سرياً في أعماق البحر العربي، وأنت زهرة في قمم نابولي، هل توجد جبال في تلك المدينة لقد أحببتها كثيراً عندما كنت  كرة قدم يتقاذفها الصبية في الشوارع والأزقة.
 تبيعين معاطف جلدية هذه المرة، لقد صرت بائعة متجولة, هل حدثتك عن "وفاة بائع متجول", إنها مسرحية لكاتب أمريكي من بروكلين اسمه "أرثرميلر", أو هل أخبرتك عن "الكعكة الحجرية" التي أكلتها مع "أمل دنقل" , لا..أمل ليس اسم امرأة إنه اسم رجل، أعني اسم شاعر، سامحيني أدرك بأنك لا تفهمين لغتي، فكما أخبرتك سابقاً في تلك المرة التي رأيتك فيها في أحد مسارح روما قبل ثلاثة ألف وخمسمائة سنة عندما كنا نحضر عرض الأسود والعبيد، أنا بدوي من أقصى جنوب جزيرة العرب من نسل قوم أشعلوا رماحهم بجمر القصائد.
أرجوك لا تحدثيني عن بضائعك بل حدثيني عنك، عن ذلك الكلب الذي لحسن طالعه نام معك في سرير مجهول في قرية لم تسجلها الخرائط، هل أدركت كم كان حنوناً ذلك الحيوان الكسير القلب، كيف أحاط بك من كل مكان ووضعك في غرفة قلبه السرية, ونام يحلم بك فراشة تحلق في سقف العالم وتنشر ضيائها وأريجها لكل تعساء الخليقة, الذين يأنون كل مساء تمزقه وحشة كل العصور. ما أذكره هو أنني رأيتك في كل مكان، وها أنت الآن ترينني في كل مكان، جعلني حبك مجذوباً أستجدي الصدقات على قارعة الطريق، استغيث من جورك ودلالك فأغاث بما يزيد من جنوني والتياعي بك يا نجمة الشمال البعيدة, الساكنة في تعويذة هندوكية صعبة التهجئة والاستشراف. نعم سأشتري ضحكاتك ولون الأنثى في عينيك وأنين الصحاري في قامتك التي تذكرني بقوس إمرؤ القيس، سأتلو كل حروف القصائد والمواويل المنقوشة بخطٍ سبأي على قفار وتضاريس جسدك البرونزي وسيكون الثمن عمري، أدرك بأنه ثمن بخس لواحدة مثلك تخرج الأنهار من لغتها، لكنني مثلما أخبرتك مجرد صعلوك لا يملك سوى نبض القلب ودفء المداد، صعلوك خارج من سورة أعراب ذهبوا في رحلة بعيدة للثأر من الخمط والقصاص في قلب الربع الخالي ولم يرجعوا بعد إلى ديارهم في ثمود حتى الآن, ها أنني مثل شجرة سنديان قديمة أقف شامخاً بأحزاني السبأية في "هولي" شارع القصائد, التي أكتبها إليك منذ أن كنت نجماً لا وطن له في مجرة لم تخلق بعد، "هولي" الذي صعدته مراراً إلى عينيك عندما لم تهل شمسك، والآن ها قد أتيت أما آن لي أن أفرح وأغني للحبيب العائد من مدن الشمال المنخفضة. بضاعتك غالية، أعني معاطف الجلد الإيطالية الصنع، وأنا فقير، فقط استطيع أن أدفع ثمن كل قبلة تمنحيني إياها بكمشة من ضلوعي، أقدر على السداد نقداً لكل عناق تأخذينني فيه إلى حيث لا يوجد أحد سواي وسواك من حبوب عيوني.
أدرك إن قلتها في وجهي، فقد أعود إلى التشرد من جديد، قد أعود جبل ثلج في المحيط المتجمد الجنوبي يذوب من حرارة أحزانه، أو قد أضيئ للمرة الأخيرة مثل نجم يستعد للانتحار في مجرةٍ تقع في الجهة اليسرى من شارع الكون، أو.......أو.....، فهل يرضيك هذا ياجسيكا؟!
لقد انتهيت من كلامي ولم يعد أمامي سوى رحمتك، لاتضعي النظار السوداء على عسل العيون، لا تديري محرك السيارة وتذهبي إلى كليفلاند القاسية، المدينة المحشورة في خارطة أوهايو التي لا أحبها، لا ترفعي أصابعك التي لامست وجهي مراراً بإشارة الوداع، ولا تزيحي خصلة شعرك التي انداحت على الجبين المرمري، اتركي كل ذلك لي انثره على جوانب شارعي المنسي الذي أشهره الآن بالكتابة عنك.
جسيكا .. هل ستقولينها حقاً في وجهي "تشاو"، هل فعلاً ستقدرين على نطقها وتمضين في كامل هيبتك وتنطفئين من سماء حياتي؟!
لا تستعجلي حتى أحيطك على الأقل بما لم تطيقي عليه صبراً، انتظري حتى أقوم بنشر هذه القصة التي أكتبها عنك، أريدك بجواري عندما استلم جائزة نوبل بعد ثلاثين سنة منذ الآن، أريدك لوحدك من يصفق لي. كيف تغادرين وأنا لازلت أشعر بحرارة أصابعك على صدري وعنقي في ذلك الزمان الذي كنت فيه قلماً تمسكين به وتكتبين مواجيدك يا لذة أوروبا كلها.
تمهلي فسوف أحدثك وأقص عليك الآن ما لم تقدر عليه صبراً، سأتلو عليك قصة ذلك القرش، لقد كان أميراً على إحدى الواحات في صحراء موريتانيا وكان يحب العزف على الناي، وذات مساء بينما هو في غرفته بقصره العالي، أتته جنية في غاية الحسُن وقالت له أعزف لي أيها الإنسي، فعزف لها حتى أسكرها، فعرضت عليه نفسها للزواج، فرفض ذلك لأنه كان يحب بنت شيخ الطوارق، وعندما حاولت مداراته أصر على رفضه, فمسخته في ثورة غضبها إلى قرش بحري وقذفت به تحت نافذة قصر أبيها ملك ملوك الجان, في جزر البهامس التي لم تكن قد اكتشفت في ذلك الزمان، وحدث أن ماتت تلك الجنية الجميلة قهراً وبقى ذلك القرش يجوب المحيطات بحثاً عمّن يخلصه من عذابه، وعندما رآك ابتلعك، ليس توحشاً ولكن لتكوني قريبة من قلبه ومذابة في دمه، كان ذلك القرش أنا وكنت أنت تلك الفتاة, أردتك لي وها أنت تنأين تاركة إياي لحرائقي ورغم ذلك لم أتغير، لقد تبعتك عبر عشرات القرون بأسماء وأشكال ووجوه عدة، لم أيأس منك ولم يمت صوتك أبداً في ذاكرتي.
سأحدثك عن طائر السبَّد على نهر الميسوري وكيف مزقه الحنين إلى حبيبته السمراء, التي كان اسمها "الغابة الشابة فرحة بوصول البحر إليها", كان ذلك قبل وصول المخلوق الأبيض بفؤوسه وأمراضه، تعرفين بأنني كنت ذاك الطائر الذي كانت تغني تحت شجرته مغنية هندية عجوز، زادت الأيام في صوتها رقة ونقاء، كان فارساً تطيعه الخيول ويخافه وحش البراري، وعندما ماتت مَنْ أحب صعد إلى قمة جبل عالٍ تخترق صخوره قبة السماء الدنيا وقذف بنفسه من حالق, وقبل أن يصل إلى الأرض كان قد نبت له جناحين واتخذ شكل طائر وحيد يجوب تخوم فضاءات لا يوجد بها سوى وحشة تعيش في بيت بارد ليس له مدخنة.
ساقص عليك نبأ الشجرة التي كانت الهندية العجوز تستظل بأوراقها وطائر السبد الوحيد يعتلي عذقانها، وكيف أنها كانت شلالاً صغيراً يبسته المكائد، لقد كنت كل ذلك يا بهجة البهجات ويالون  الماء ورحمة ألف أم في وضوئها الأخير...!!
انتظري فأنا لا أحدثك لتذهبي وإنما لتتبقي إلى جواري، على الأقل تمهلي قليلاً حتى أغمض عشرات العيون التي تحدق فيك يا شعلة الضوء وحزمة القمح فكلي عيون، لا تطلقيها تلك الوداع دفعة واحدة في قلبي، اذبحيني برفق كما كانت تفعل "لولوبرجيدا" بعشاقها، أو "صوفيا لورين" بالأباطرة الممسوسين بغوايتها القاهرة، قبليني إن كان لا بد من رحيلك كما فعلت "أورنيلا موتي" ذات مرة مع "فلاش غوردين"، ألا أستحق هذا منك!!
ليتني صخرة منسية في شاهق الأحقاف، أو قبراً مجهولاً في أدغال الهند الشرقية افترس صاحبه نمر بنغالي ذات ظهيرة مدارية تحت شلال مطر مجنون.
لماذا ياجسيكا تجعلينني أحن إلى أزمنة كنت فيها مثل دوريش بدائي أبحث عنك بينما أنت تقفين أمامي مثل نوتة موسيقية تجمع ألف لحن، وأنا من قبَّل الشفتين وغاص مثل زُمج الماء في بحار شعرك الغاضبة ومات هناك، أنا هو لا سواي ذلك الفأر الصحراوي الذي عض بأسنانه البيض كل بنانة في جسدك.
لقد كنت بحراً في قارة مغلقة فجعلتيني أتبخر حسرة عليك، وكنت وثناً تعبده كائنات مجهولة الأنساب، فتركت ألوهيتي الحجرية وتبعتك مثل فتاة عذراء ترعي أغنامها في تهامة, وتغني للريح مواويلها المحزونة عن الحبيب الذي أكله بحر غاشم، فلماذا أحضرتيني إلى هذا الشارع وجعلتيني أنتظرك مليون عام من الأشواق!
لك أن تذهبي، أن تنطقي بها، أن تُعيديني مجرد حرف صغير مجهول في عنوان "الحياة اللذيذة" لـ"فليني", أو شهقة خرجت عفواً من فم أم كلثوم ليلة خميس صيفية
سلبتيني سطوتي، سرقت أريجي من بين أحراج قصائدي البرية، وعبثتي بكل مخزون الحنين الذي اختزنته لك في محيطات قلبي عبر ملايين السنين، وها أنتي تذهبين الآن كما لو كنت زخة مطر مرت سريعاً فوق ارض عضها جدب غشوم، لكن قبل يغادر آخر شعاع من بهائك، وقبل أن أسمع "تشاو"، وهذه المرة وإلى الأبد دعيني أخرج ما في سويداء كبدي، قبل أن تأكلني نيران مجوسية كافرة تستيقظ الآن في عروقي، اسمعي هذا "ما أسعده ذلك الكلب الذي نام في سريرك ذات مساء جبلي ولم ينهض من عناقك حتى الآن" !!

 

 
ذكـــــــرى

أخبرني انه سيأتي الجمعة القادمة لكي يأخذني معه لشراء ملابس جديدة بمناسبة بداية العام الدراسي، كنت فرحة لأنها سنتي الأولى في المدرسة، انتظرته في تلك الجمعة لكن لم يأت، لم أره، حزنت وبكيت كثيراً وامتنعت عن تناول الطعام عندما كنت أتخيل نفسي الوحيدة في الصف بدون ثياب جديدة، مرت الجمعة طويلة وأنا أترقبه، لم أسمع صوته في التلفون وهو يخبرني بأنه مشتاق لي كما هي عادته، في ذلك الأسبوع لاحظت وجوماً يعلو وجوه أفراد البيت، أمي، جدتي وجدي وأخوالي، كانوا لا يحبونه، وجدي دائماً ما أخبرني بأنه مجرد ثعلب تافه لا يحب إلا مصلحته، لكنني عندما كنت التقي به في الأيام التي لا يتصل فيها، أراه إنساناً آخر، إنساناً يذوب حباً وعواطفاً عميقة, وكثيراً ما كنت أمسكه متأملاً في وجهي وأرى عينيه مغروقتان بالدمع، كان يخاف عليّ، هل كان يشعر بنهايته القريبة.
 لم يكن تافهاً أو ثعلباً، كان إنساناً يفيض رقة ويكتب الشعر وكثيراً ماكان يأخذني إلى غرفته الصغيرة فأراه مبعثراً، فأدرك مدى وحدته وتمزقه، فيما بعد عرفت بأن أمي هجرته رغم حبه لها، رفض الطلاق خشية عليّ لكن أمي أصرت عليه، في مساء تلك الجمعة لم أنم وكنت أتحفظ الكلمات التي سأقولها له في صبيحة السبت التالي وكيف أني غاضبة عليه، ولأنني أدرك بأنه سيراضيني فسأزيد من دلالي، لكن لم يأت، مر شهر بأكمله لم أره فيه.
في تلك الليلة أخذتني أمي بين ذراعيها وأجهشت بالبكاء، كانت شديدة الحرقة وتطلب السماح والعفو وأنه لو عاد فستبذل عمرها رخيصاً في سبيله!
مر عمرٍ بأكمله ولم تشبع عيني برؤيته مرة ثانية، ناديته مراراً في صحوي وفي نومي ارجع يا أبي ولن أغضب منك، تعال لتفتح قلبك وتضعني داخله كما كنت تخبرني، تعال.. حتى ملابس المدرسة الجديدة لا أريدها فقط ارجع, ناديت الله الذي كلمني عنه كثيراً أن يجعلني أراه، لكنني لم أره، مرات كثيرة كنت أمر بجوار أرض واسعة لها سور كبير أرى فيها عشباً برياً وزهوراً صفراء تزهر عندما يأتي الربيع، فتخبرني أمي أن أبي ينام هناك فأشرأب بعنقي الصغيرة طمعاً في رؤيته، وأناديه فلا أسمع جوابه، كنت استغرب كيف بإمكان المرء أن ينام دون أن يراه أحد. أتاني مرات كثيرة في المنام ولعب معي وأخبرني بأنه مشتاق إليّ جداً، فاسأله أن يعود وسأسامحه على عدم شراؤه ثياباً جديدة لي, لكنه كان يصمت ويبدأ في البكاء، كان بكاءً شفيفاً يجعلني أبكي معه.
كنت أراه شديد الجمال، شديد القوة، تعلو وجهه أمارات نبل عميق، لم يكذب عليّ، وإن حدث وأخلف موعداً معي كان يغمرني بأعذاره وأسباب عدم مجيئه. ذهبت إلى المدرسة وكانت أمي قد اشترت لي ما أريد من الثياب ورغم فرحي بذلك، إلا أنني في قرارة نفسي كنت أتمنى أبي من يفعل ذلك. كانت أمي شديدة الصرامة عندما نخرج معاً، أما هو فكان مرحاً مجنوناً بي, ولطالما راقبنا الناس ونحن نركض في الشوارع والحدائق والمحلات التجارية وحيثما حلت بنا الصدفة مثل مجنونين يحب كل واحد منهما الآخر حتى الموت.
لم يغب عن ذاكرتي مرة واحدة عبر سنين حياتي كلها، أتذكره وهو يفتح لي باب السيارة ويقف منتصباً في وضع عسكري صارم ويؤدي لي التحية ويشير لي بالدخول منحنياً انحنائة تثير الضحك، أتذكره وهو يقلد صوتي وحركاتي، فأضحك حتى يوجعني بطني، أكاد أسمعه يكلمني بصوته العميق أن لا أخاف ولا أكذب. لم أسمع أحداً يلعن ذكراه خصوصاً بعد غيابه المفاجئ، لكنني أيضاً لم أسمع من يذكره بخير، كانوا قساة لا قلوب لهم، الآن وأنا على أعتاب العشرينات من عمري استعد لدخول حياتي الجديدة في ليلة عرسي، أسأل نفسي ترى كيف كان سيكون وضع أبي في هذه الليلة، هل سيبكي فراقي وذهابي إلى بيت شخص آخر، أنا متأكدة بأنه سيرقص فرحاً، لكن ألن يشعر بالغيرة من الذي أخذني منه حتى ولو كان زوجي وهو الذي كان يخاف عليّ من هبة النسيم، ويتمنى أن يضعني في عيونه.
تزوجت وحبلت وولدت طفلاً ذكراً أقسمت أن أسميه باسم أبي، وقد فعلت بعد أن أقنعت زوجي بذلك، كنت أحبه بكل عمري ذلك الطفل الأول الذي يحمل اسم أغلى إنسان في حياتي، ذلك الطفل الذي ولد بشامة في عنقه تشبه شامة أبي. كانت حياتي قانعة ولي زوج طيب وشفوق، لكنني كنت على استعداد لبيع ما تبقى لي من سعادة ومن عمر من أجل أن أعود إلى تلك الجمعة البعيدة, طفلة بظفيرة ذيل الحصان بالكاد بلغت السادسة من عمرها, تنتظر أبيها الذي تحبه أكثر من أي شيء آخر ليأخذها معه لشراء ملابس جديدة.
 

 
 صــــــــورة

"إلى عبدالوهاب البياتي.. ذكرى صورة قديمة"
لم أكن مدعواً لكنني حضرت، وأصدقائي الصعاليك لم يسأل عنهم أحد لكنهم أتوا، كانوا جميعاً هناك بربطات أعناقهم الملونة في الفندق الكبير الذي يطل على المدينة من جهة ظهر الحمار* " أسبان، عرب، صحفيون لوكالات أنباء لم نسمع بها، وشعراء صلع نراهم لأول مرةٍ، فيهم الأمرد والكثيف الشارب والعجوز والشمطاء، يضحكون كما لو كانوا في حانة، وأيضاً البنت الحلوة التي التقيت بها لاحقاً بعد مرور عشر سنوات على لقائنا الأول طبعاً سأخبركم كيف كان نوع ذلك اللقاء.
وحده ذلك الشيخ يبدو الحزن جلياً في عينيه، على الرغم من احتفاء تلك الكائنات به. قرأت له وقرأت عنه، كثيراً ما كنت أُحاول أن أكون شاعراً فذاً يُشار له بالبنان، ويعرفني القاصي والداني، فكثفّت من قراءاتي وأطلت في سهري حتى اكتشفت فيما بعد، أقصد بعد أن مزقني التبغ وأنحلني القات، بأنني قد لا أصل حياً إلى تحقيق ذلك الحلم اللعين.
ثلاثة أيام كانت فيها الاحتفالية بالشعر على أشدها، كل الشعراء نفشوا ريشهم في وجوهنا وأدلوا بتصريحاتهم الرنانة لوكالات الأنباء عن الذي ينبغي والذي لا ينبغي في تثوير الواقع، وعن الآليات التي ينبغي أتت كثيراً هذه "الينبغي" في تصريحاتهم اتخاذها لمواجهة الأمية والجهل والأمبريالية والكونية والوراء ما فوق الجحر حمارية الكولونيالية الباميية المقيته
شدني بوقاره ذلك الشيخ الذي أراه لأول مرة، كان صموتاً دون تكلف، لم يسلقنا بتصريح ما وراء أسفل وسط الغرارة حداثي كان ثمة حزن يغلف تقاسيم وجهه، حزناً نبيلاً لشاعرٍ قضى وقتاً طويلاً في زراعة "بستان عائشة"، حتى أستوت غصونه وطابت ثماره.
البقية كانوا في هرجهم وقهقهاتهم الصاخبة التي كانت تشبه العواء، أحدهم شاعر كبير جداً بحجم منطاد لدرجة أننا خشينا أن نقول له مرحباً حتى لا ينفجر في وجوهنا، كان يتكلم من أنفه ومن "..........." أما فمه فبقي مغلقاً للصيانة. كرهنا تلك الكائنات الأكولة والمترعة بالخمر حتى الحلوق، وأحببنا ذلك الرجل البغداي، كان ينظر إلينا بأبوة أحببناها فيه، فاقتربنا منه مثل جراء اليفة، ابتسم في وجوهنا نحن الصغار الذين لا نزال نلثغ في كتاباتنا الأولى.
أنفض المولد بعد أيام ثلاثة وكنا قد تصادقنا عن بُعد بالابتسامات، اقتربنا منه ومددنا أيدٍ مرتعشة، لم نره كبيراً جداً، أحسسناه واحداً منّا، ولذلك ذهبنا إليه، لم نر في وجهه كدراً، كان وجهاً صافياً، تزينه شامة سوداء كبيرة، وفي فمه لفافة تبغ حتى منتصفها، وأمامه قهوة صنعانية، قال أنه أحبها كثيراً. قرأنا أمامه، ربت على اكتافنا وابتسم ابتسامة كبيرة حتى بانت أسنانه، وبشرنا بمستقبل واعد، صدقناه مع أننا لم نره هذا المستقبل الزاهر حتى الآن، حدثنا عن أباريقه المهشمة، وعن جلال الدين، والنيسابوري، وابن عربي، وغيرهم من زملائه الذين كنا نتخيلهم على شاكلته يعلو وجوههم نبل قديم، كان الوحيد الذي اقتربنا منه واسمعناه نبض قلوبنا فأنصت إلينا بحب.
 في ذلك اليوم الأخير كان الهرج والمرج على أشدهما من قبل زملائه.
التقيت بأحدهم خارج قارة آسيا، فلم أره كبيراً كما كان في السابق، مجرد كهل قديم دمرته الخمرة، سأخبركم كيف التقيت به.
استمع إلينا البغدادي، طرح علينا أسئلة صغيرة، جمعنا له أجوبة كبيرة، أحسسناه يعيش بيننا ويأكل مثلنا "الكدم" و"السحاوق" و"البرعي"،*  ويشرب الشاي بالنعناع ويمشي متخفياً ليلاً في أزقة صنعاء القديمة، لعله يمسك بتلابيب سرها الغامض، متسكعاً من حارة إلى أخرى.
أنتهى يوم الشعر الثالث والأخير، وقبل أن يغادر سألناه في صوت واحد "هل يمكننا أخذ صورة جماعية معك للذكرى" ، وضع فنجان القهوة على الطاولة أمامه وأطفىء سيجارته ووقف من فوره بيننا في الوسط تماماً، كان بجواري مباشرة، وكمن شعر برهبتي ضغط على يدي بحنان، التقطنا الصورة وتفرقنا جميعاً في كل مكان.
 

 
 بُـقَـع صغيرة من الدم على وسادة النوم

كان قد مر على الحادثة قرابة الشهر، حينما أهلّ بظله المكسور لأول مرة، ومع أنه حاول التراجع، لكن السائق ورغم ضغطه على كابح السيارة مر من فوقه.
ظهر فجأة في عرض الشارع، كان يكلم نفسه كما يبدو، فلم ينتبه إلا وقد دهمه الموت. تراجع السائق بسيارته مذعوراً إلى الوراء، تجمع الصبية الذين صدف وجودهم هناك، ليشاهدوا جثة آدمي رضت بقوة، كان ينظر إليهم بنظرات مغبونة انطلقت من عينين جمدتهما عاصفة قصيرة، عرفوه فأخذوا يولولون إلى جواره، طيور النهر القريب صفقت بأجنحتها وجه الهواء الذي دهمته رائحة الموت، أوشك النهر أن يأتي لمعاينة من كان يأتيه كل صيف ليبثه أحزانه، امرأة ما في مكان بعيد أخذت فجأة بالبكاء، الأشجار المحيطة انكمشت على نفسها، والسماء فوقهم جميعاً مرآة زرقاء مغطاة بغيوم الخريف الذي لم يتحمل وقع الخبر فأخذ ينشج على مهل.
لم ينطق وهو يرى كائن الخوف يسكن عيون أصدقائه الصغار, حاول أن يبتسم كي لا يريهم جزعه في تلك العصرية الخريفية الخفيفة المطر، حاول النهوض ليخبرهم أنه سليم, "أنظروا..." حاول الانطلاق إلى أي مكان، فلم يتزحزح من مكانه، ثمة حبال فولاذية لا ترى كانت تشده إلى مقتله الذي لم يستوعبه بعد وثمة وجع يعشعش تحت كل خلية من خلايا جسده المندلق على طول المدينة وعرضها, "ظهر فجأة لم أقدر على كبح الفرامل في الوقت..!!" صوت الذي دهسه كان يأتيه من مكان بعيد، أحس بالخجل في تبعثره ذاك، مجرد كيس من لحم وأمعاء منثورة على قارعة الطريق، كيف ستكون الأيام بعده مع أصدقائه الصغار الذين أحبهم وأحبوه, هل سيأتي شخص آخر ويحل محله في حبه للأطفال، وفي شراء قطع الحلوى لهم كلما مر بهم يلعبون!
دوائر الغثيان تحيط به، تجعل منه كابوساً جامداً مغلق على ضجيج لا يهدأ. "ماذا حدث بالضبط", يحاول استرجاع التفاصيل القصيرة الأخيرة من حياته، لم يقصد أن يصل إلى وضع تخرج فيه روحه ممزوجة بدماء أنفه وأذنيه وفمه، كان ذاهباً إلى الدكان المقابل لشراء علبة سجائر وها هو الآن جثة مكرمشة تحت أنياب سيارة ضارية، افترسته على عجل وبدون سابق إنذار. استيقظ وحيداً كما هي عادته، ارتدى ثيابه بسرعة وحتى قبل أن يضع فرشاة الأسنان في فمه, فكر في سيجارة يمجها مع فنجان القهوة التي يحب تناولها قبل أي شيء آخر بعد استيقاظه من النوم المتأخر عادة، وها هو الآن يصارع دقائقه المتبقية له على هذا الكوكب، "لا تخف هو المخطئ، لقد شاهدناه، وسنشهد بذلك", أحدهم قال للسائق المرتعش الذي أخذ يراقب ضحيته لا يدري ماذا يفعل، "فليتصل أحدكم بالإسعاف!!".
ابتسم في سره، تمنى لو أنه يستطيع أن يضحك بملئ فمه، ثمة خدر لذيذ يجتاحه، فجعله يغوص عميقاً مستسلماً في موته، أتقدت ذاكرته في انسحابه من العالم وأخذ يتذكر، كم مرة رأى نفسه نائماً وتحت رأسه وسادة مبقعة ببقع صغيرة من الدم، لم يفهم ذلك الحلم الذي أتاه لآخر مرة قبل استيقاظه الأخير، كان وحده من يموت وتذبل وتذوب شمعة عمره.
بينما الحياة على بضعة أمتار في الشارع الآخر تمر عادية، لم يظن أحد في ذلك الشارع أن ثمة شخص يلفظ أنفاسه في الجهة المقابلة وحيداً لا يواسيه ويخفف من جزعة مخلوق.
أراد أن يبكي أن يرفع عقيرته ببكاء مجروح يسمعه الناس جميعاً, يصرخ محتجاً، أنا أموت.. أموت..!!"
لم يقدر على ذلك في خدره الكاسح، كانت مقاومته تعلن استسلامه خلية خلية أمام زحف الموت الذي لا يرى. كم من الوقت مر وهو مسجى في ثلاجة المستشفى مغمض العينين مرتخي الأصابع، مبيض الوجه منسياً مثل صوت اُطلق في فراغ وحينما لم يرجع إليه صدى صوته انكفئ على نفسه. الشيء الغريب أنه يعي ما حوله، كلام الطبيب "لا فائدة لقد مات في نفس اللحظة التي صدمته فيها العربة", يحدث نفسه ويعي كل ذلك "هل هذا هو الموت؟!".
حاول التذكر بعد أن أتقدت ذاكرته مثل جمرة تأججت من بين الرماد, هل كان متزوجاً في تلك البلاد البعيدة التي كان يصليه الشوق إليها، ما اسمه، كيف كان يعيش, لماذا لم يثر على واقعه الذي صرف فيه سنوات عمره القليلة!، "إذا لم يتقدم أحد الأقرباء بطلب الجثة في الوقت المعلوم حولوها إلى المحرقة"، كم مرة أتاه حلم الوسادة، كم نهض مذعوراً من نومه يتصبب العرق من جسده خشية أن لا يستيقظ أبداً.
أراد أن يلفت نظر المحلقين فوقه صقوراً ونسوراً، إلى أن ركوة القهوة لا تزال على موقد النار ، ود لو صرخ في وجوههم منبهاً إياهم، إلى أنه ينبغي له أن يكون في عمله تمام الخامسة، وإلا فإنه سيفقده ذلك العمل صرخ "ابتعدوا عني.. دعوني أمر.. لا تنظروا إلي هكذا؟!", لم يلتفت إليه أو تسمع صوته أذن.
مشاعر متناقضة تهريه وتدق عظامه، لم يشعر بقهر كهذا من قبل، تمنى من صميم قلبه لو أنهم رأوه يمشي ضاحكاً، مع أنه كان دائم الحزن، إلا أنه إن عاد لتوزيع قوالب الحلوى على الأطفال فسيضحك ملئ شدقيه، لكن ها هو مبعثر على الأسفلت مثل متاع فارغ. كم ليلة كم عمر، كم حزن مر بهم، كم شارعاً ذرعه منكوش الشعر، لا يلوي على شيء ولا يسلم عليه جنس آدمي؟, وحدهم الصغار أستأنسوه، كانت نظرات ذويهم المستنكرة تزيده شعوراً بالنفي والعزلة.
حاول التراجع عندما سمع زعيق الدواليب تحتك بالأسفلت، لكنه لا يدري لماذا أحس براحة عجيبة متواطأة، لم يحاول جدياً الهرب إلى الأمام، كما لو كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن بعيد، لحظة استسلام مرة دهمته ويبسته في مكانه.
ترى كيف سيتصرفون بأدويته الكثيرة للربو والكآبة, من سيعتني بفراشه البارد من سيدفع عنه إيجار الغرفة حتى يعود من رحلته البعيدة.
ألن يخاف منه الناس إن هزّهُ الشوق وعاد, وما هو شعور أولئك الجيران إن رأوه يأتيهم ليتسكع في الجوار, وآثار الخدوش والرضوض بادية على وجهه, والدم اليابس يلون ثيابه الرثة, وتحت إبطه الأيسر وسادة صغيرة مبقعة بالدم!!!
كانوا يشاهدونه ثلاث مرات في الشهر, عندما يكون القمر بدراً أو لا يكون, وأحياناً تمر شهور طويلة لا يرونه فيها. يخرج عجلاً من المنزل الذي فيه غرفته, وعندما يصل إلى حيث صدمته السيارة يسقط على الأرض لثوانٍ معدودات. كانوا يسمعون زمجرة الدواليب على الإسفلت كما لو أنهم يشهدون حادثة أخرى, ثم ينهض محاولاً أن تكون ابتسامته واضحة للعيان, ويدخل الدكان المقابل مثل الطيف ورغم الباب مقفل, يأخذ علبة سجائر, ويخرج وقد اختفت الابتسامة من فمه, ثم يتجه إلى الركن ويشخص في البعيد الذي لا يراه أحدٌ سواه, وهو يمج سيجارته بتؤدة, وعندما ينتهي منها يلقيها على الأرض ويدعسها بباطن حذائه ويعود إلى البيت, وأثناء مشيه يختفي كأنه لم يكن. الذين كانوا يراقبونه هرعوا مرات عدة إلى حيث كان يدخن سجائره, ويتفحصون الأعقاب فيجدونها لا تزال ساخنة, لم يمر عليها سوى ثوانٍ قليلة منذ أن ألقيت على الرصيف.
كثيراً منهم أقسموا أنهم كانوا يرونه يتمشى في أروقة البيت. قال زملاؤه في السكن, وعلامات الحُزن بادية على وجهه. لم يحاول الاعتداء أو إفزاع أحدهم. لكن صوت نحيبه كان يصلهم رتيباً ملتاعاً, يزرع القشعريرة في جلودهم.
ومع إتقاد ذاكرته ورؤيته لكل ماضيه, إلاّ أنه رأى نفسه وحيداً في ذلك الماضي. ما رأى شخصاً حقيقياً إلى جواره, الطفولة البعيدة, وتخيله للأشباح تُطارده, الأشياء الصغيرة التي حاول صنعها وما قدر, أسمه, أهله الذين لا يتذكر واحداً منهم. هناك انطفأت جمرة الذاكرة!! من أين أتى, من سيبكي عليه في رحيله, ومن سينتظر عودتهُ تصليه الأشواق لتحقق ذلك المستحيل؟!!!مرات ومرارات طويلة وآهات مشبعة بالغُبن والقهر, كانت تخرج من صدره حينما يأوي إلى فراشه عندما كان حيّاً. لم يجرؤ مخلوق على السكن في غرفته التي شُغرت بعد وفاته, "لقد رأيته, أقسم على ذلك, كان يبكي, وعندما رآني أختفى في أقرب جدار إليه". هو نفسه صُعب عليه أن يجد ما يذكره بماضيه. كان يحب الوحدة. تسكع كثيراً قبل أن يلتحق بعمل ما. أمتهن مهن كثيرة, حتى يجد ما يسد رمقه, وعندما كان يعود إلى غرفته يتعتعه سُكر قاهر, لم يكن يقصد ذلك, يرتمي على السرير بملابسه مثل قتيل عاد من حرب خاسرة, ويغط عميقاً في نوم دائخ, يمزقه قهر أصم, ويكتم أنفاسه. مرات مريرة أستيقظ فيها والدمع متحجر على خديه, لا يدرك قصدية ذلك الضياع الذي يعصف به, ولماذا الوحشة تمزقه من الداخل, لا يوجد معه أصدقاء حقيقيين, لا يدري لماذا؟ عاد إلى حيث كان يعيش, رغم موته, ثمة دَيّنْ لا يدري لمن يسعى لسداده, ثمة لحظات حزن معلقة على نافذة غرفته تبكي غيابه, ثمة آهة تخشبت تحت السرير, وثمة بكاء طويل امتزجت ملوحته بطلاء الجدران, لم تمحها الطلائات, المتعددة, أشياء كثيرة كان يود الانتهاء منها قبل أن يرتاح في عالمه الجديد, مثل حب سعى للقاؤه ولم يجده, إمرأة تمناها في أحلامه ليبكي بين يديها ضيعة عمره ولم يلتقي بها. لم يحاول أن يخيف أحداً من أولئك الذين كانوا يلتقي بهم فجأة. بل كان يتوارى خجلاً ملطخاً بدماء الحادث الذي أودى به, وتلك الوسادة تحت إبطه لا يدري لماذا يحتفظ بها. كان يظنها خزانة أسراره, هي التي احتضنته في بكائه, وأزالت عن رأسه وساوس الشعور بالنفي. لم يكن الحلم الذي رآه في منامه ذات فجر هو السبب في الاحتفاظ بها فذلك سر لا يعرفه هو نفسه, لكن ما كان يدهشه في الأمر، تحقـُق الحلم مباشرة فقد رأى في نومه أنه استيقظ سعيداً على غير عادته، لفت نظره بقع صغيرة من الدم على الوسادة التي يضعها تحت رأسه، تأكد من أنفه، وجهه، وأصابعه فلم يجد جرحاً ما، على الرغم من نداوة الدم، هل..كان يأتي إلى البيت الذي سكنه ليكتشف سر تلك البقع لكنه ما توصل إليه, مرات سُمع صوته في البيت يحدث نفسه, أحد زملاءه في السكن قالوا أنه رآه يبكي في الصالة قبل أذان الفجر وعندما رآه أختفى لا يدري أين.
مرات عديدة رأوه وهو يبحث عن دواؤه في غرفته التي اُغلقت بعد موته . مرات سُمع صوت كوابح السيارة التي قتلته وهي تزعق على أسفلت الشارع. سيدةٍ ما قالت بأنها رأته واقف على رصيف الشارع يدخن سيجارة وعندما سمع بصوتها تبخر في الهواء, لكن ما أثار فزعها وإستغرابها انها سارت إلى حيث كان يقف ووجدت عُقب سيجارة لا يزال مشتعلاً .
حدث كل ذلك في ليالٍ مقمرة وكأنه يخبرهم بموعد قدومه لزيارتهم لذلك أستمر في زياراته القمرية، حتى عرف الناس به، وأخذوا يترقبون مجيئه كل منتصف الشهر، خصوصاً سكان ذلك الشارع الذي شهد مصرعه. والآن ها هو هناك في أعلى سطح البيت الذي سكنه ذات يوم بعيد، في الجهة اليسرى منه وحده منتصباً تحت ضوء القمر، في فمه سيجارة مشتعلة حتى منتصفها يحدق في الفراغ، وثمة ريح خفيفة تعبت بسوالفه التي طالت كثيراً.
 

 
أرجوكم لا تؤخروا السيدة أورسولا عن موعدها

نعم هو كما قال هذا القاص الذي يكتبني الآن بالمناسبة ما اسمك يا عزيزي؟! "عبدالناصر مجلي سيدتي", أرجو أن لا يؤخرني أحد عن مواعيدي، أنا السيدة أورسولا، من مدينة "آن أربر" بولاية ميتشجن الأمريكية، إحدى الولايات المترامية الأطراف، التي تشكل الجمهورية التي تحكم العالم!! ماذا قلت؟! إني أثرثري كما هي العادة فما ينبغي لي أن أتحدث أمام الآخرين بهذه الطريقة. عفواً مستر مجلي أكمل القصة وسأحاول التزام الصمت! تقود سيارتها الـ"لينكولن" الجديدة، لست أدري هل اُخذ هذا الاسم من اسم الرئيس إبراهام لنكولن، أم أنه لنكولن آخر، ما علينا، قلت أن السيدة أورسولا ، وهذا هو الاسم الذي اخترته لها في هذه القصة و...!، "لا..لا، عفواً بل هو اسمي الحقيقي "ينج مان*", كما ترون فهذه هي المرة الأولى التي أواجه فيها أحد أبطالي، وجهاً لوجه, تريدون الصدق، هي التي فرضت نفسها على قصتي، بوصفها المغري للكتابة دون قصد مسبق لذلك, أعني أن البطل يحاورني كما تفعل السيدة أورسولا، هذا هو اسمك أليس كذلك سيدتي! "نعم هو ما قلت". كانت السيارة حديثة الموديل وكنت في ذلك الصباح الباكر متجهاً إلى دائرة الهجرة لاستخراج إقامة دائمة، بعد أن تمت الموافقة على ذلك رسمياً, ويبدو أن حظي سليل الكلاب كان في برجه العالي، فأنا أقود سيارة صديق يبدو بأنه عزيز وإلا لما أعطاني سيارته، في تلك الطريق السريعة يجب أن يكون معي صديق عزيز يقف دائماً بجواري دليل عوزي وعدم استطاعتي شراء سيارة نظراً لظروف عملي القاسية، وأيضاً حتى أستطيع أن أكمل القصة، فلابد من حبكة معقولة لمواصلة الأحداث، وأنني حزين ووحيد، خلاصة القول فيِلم هندي والسلام, بين مدينة آن آربر ومدينة ديترويت ذات صباح باكر، ولأنني متجه إلى موعد هام التأخير عنه قد يجعلني أنتظر سنةً أخرى لموعد قادم، وحده الله يعلم ما الذي قد يحدث خلال عام الانتظار، فقد كانت الطريق مختنقة – لابد من تحويج القصة بأحداث كهذه لزوم الصنعة – وثمة حادث مروع يسد الطريق ففتحت مسجل السيارة بأغنية يتحسر مغنيها على حُبه العظيم الذي لا يقدره أحد، وبدرت مني التفاتة فرأيت سيدة ستينية العمر تقود سيارة غالية الثمن، تسريحة شعرها تُذكّر بموضة الأربعينيات، لكنها كانت تبدو جميلة رغم ثقل السنين على ظهرها, "هيه أنت، أبدول لقد حشرتني حشراً في قصتك ولم أمانع، ولكنني أراك تسيء إليّ، ماذا تعني بـ"ثقل السنين"، لقد كنت أجمل نساء عصري ولازلت، إنني أحتج وأطلب الانسحاب من هذه القصة التي تكتبها عني، وإلا فسأتصل بالمحامي وأجعله يرفع عليك دعوى قذف وتشهير و.....!!", سيدتي على مهلك، إنما هي لغة قصصية، يعني لغة إثارة وتشويق حتى يجد القارئ ما يسليه ويشد انتباهه عندما يقرأ هذه القصة، ولا أقصد لاسمح الله الإساءة إليك فهدّئي من روعك،!!.
"كما قلت لك عليك أن تسحب كل ما كتبته وإلا فسأتصل بالبوليس". حاضر، من عيوني, تدللي, لكن أرجوك لا تقاطعيني دعيني أكمل، هذا لا يصح, هناك من يقرأنا الآن" , هل أبدأ من جديد سيدتي؟! أشاحت برأسها بعيداً في حنق مبالغ ونطقت من أنفها "لابأس المهم تنتهي على خير!". كانت تبدو شديدة التأنق ، تبدو كسيدة أعمال، كان القلق لتأخرها القسري يبدو واضحاً في عينيها، وعلى قسمات وجهها الجميل الذي لم تُفقده السنين بريقه وجاذبيته، "أوه.. يا إلهي إنك رقيق جداً مستر مجلي!" إنها الحقيقة، ولو أعطيتني فرصة لمواصلة الكتابة، فسأخلع عليك صفات وألقاب لم تسمعي بها من قبل, "استمر أبدول.. استمر!" ولها عينين يقظتين توشك لشدة انفعالها أن تترجل عن سيارتها وتصرخ في سائقي السيارات جميعاً في ذلك الموقف العظيم، "ابتعدوا عن طريقي، إنني على عجلة من أمري أيها الأوغاد!"
لم تكد تنتهي من خطبتها القصيرة حتى بدأ اللغط المقيت الذي أوشك أن يؤدي بنا جميعاً، "ونحن أيتها السيدة هل تريننا نلعب الحجلة"، "بإمكانك أن تطيري بسيارتك فوق رؤوسنا يا حلوتي"، "انتبهي لألفاظك أيتها العجوز المتصابية!", لم ترد السيدة أورسولا على كل ما قيل لها، لكن عندما وصلَتها تلك الطعنة المباغتة من فم ذلك الأحمق، حتى رمتني بنظرة حارقة أشعلت كبدي، "أيها الغبي، أيها الكاتب اللاهث وراء مجدٍ لن تصله، كيف تسمح لذلك التعس أن يخاطب سيدة محترمة مثلي بهذه الفجاجة والسوقية، أخرجني فوراً من قصتك الغبية هذه وإلا فالويل لك". كانت تبدو مصممة على تنفيذ ما تقول فحاولت مراضاتها، سيدتي، قـُرة عينَيّ الشمال واليمين، حُبي، أرجوك، أتوسل إليك دعيني أتم هذه القصة على خير، هذه مجرد أحداث تفرض نفسها لم أقصدها أبداً، كذلك لابد من افتعال بعض المواقف لتكون القصة اسم على مسمى، فأنتِ تعلمين أنني أنحت في الهواء لإخراج أعمال كهذه إلى الناس مع علمي الأكيد أن لا أحد يهتم، فلا تسوّدي عليّ عيشتي أسألك بالله، وعلى كلٍ سوف ألفت نظر ذلك الحيوان و...! لم يتركني أكمل جملتي حتى هجم عليّ "هيه..يو* احترم نفسك أيها الصبي، فأنا لم آمرك بحشري في كلامك هذا الذي تسميه قصة، حتى تنعتني بالحيوان، انتبه لما تقول قبل أن أجعلك تبلع لسانك!!" لم أدر ماذا أقول، حاضر، أنا آسف كان قصدي....!!, هل يرضيك هذا سيدة أورسولا؟!, "لكنه قَلّ أدبه عليّ". أنا آسف نيابةً عنه، خلاص.. أوكيه، نكمل!!, "نعم", إنها فتحت نافذة السيارة رغم برودة الطقس وأخرجت سيجارة وأشعلتها وبعد أن أخذت نفساً عميقاً نفخت دخانها عالياً من شدة الضجر...!! "أوه يا إلهي، كيف تسمح أيها السيد المحترم لنفسك أن تصفني بهذه الصفة، أنا أورسولا السيدة الرياضية والأنيقة، والأخلاق  الرفيعة تجعلني أبدو كمراهقة مجنونة، لا .. هذا كثير سأغادر المكان، لم أعد أستطيع تحمل مزيداً من الإهانات في صباحك اللعين هذا؟!", ترجّلَت عن السيارة وعادت أدراجها سيراً على الأقدام، تبعتها منادياً، متوسلاً أُوشك على البكاء، "سيدة أورسولا، لا يجوز هذا أنتي بطلة لقصة محترمة، عيب ماتفعلينه", واصلَت سيرها شامخة الرأس ولم تنس أن تقولها بصوت نزق, "ابحث عن شخصية أخرى"، لكن القصة مبنية عليك أنتِ ولهذا...!! لم تتوقف للتفاهم، لقد ذهبَت عزيزي القارئ، ليس ذلك وحسب ، بل إن انسحابها قد شجع البقية على الانسحاب، وأعلنوا رفضهم لمواصلة أحداث القصة، لولا أنني هددتهم باستدعاء البوليس!
أرجو المعذرة لقد أربكتِني فعلاً بإنسحابها هذه الأورسولا وتركتني في حرج عظيم، لكن ما رأيك بإحضار شخصية أخرى قَمّورة تخزي العين، جاكلين مثلاً، إنه اسم ظريف أليس كذلك، على الأقل حتى ننتهي من هذه الورطة!!, وبعدين معاك أنت الثاني؟! تود أن تعرف ماذا حصل للسيدة أورسولا؟!، لكنها قد انسحبت  تلك المجنونة، أسأل الله أن لا تكون قد سمعَتْني، طيب.. طيب حاضر من عيوني، لا تغضب .. سأحاول جهدي، إبقَ مكانك" أرجوك واصل القراءة حتى النهاية، حسناً سأحاول من جديد، استعد!! .
كان ثمة حادث قد وقع في الطريق السريع بين مدينتي آن آربر وديترويت، أُغلقت الطريق على إثر ذلك حتى تستطيع سيارة الإسعاف الوصول إلى مكان الحادث، بينما السيدة أورسولا وراء مقود سيارتها الفارهة، تنظر إلى ساعتها في قلق، لقد كانت على موعدٍ مهم كما يبدو، لكن ما العمل فقد وقعت في فخ زحمة خانقة، وعندما دهمها الوقت أخذت فجأة في البكاء!!
هه.. ما رأيك؟! ماذا؟ النهاية غير مقنعة! تقول أنها سقطة قصصية، عفواً.. انتبه لكلامك أيها السيد، هل تدري من تخاطب؟!, "طز"!!!! هكذا إذن بعد هذه السنين من الجهد ومن النفي والتعب والدموع تقول في وجهي طز بكل بساطة، وكأنني ما أفرحتك يوماً ولا أشجيتك ولا أثرت فيك معالم الدهشة والإعجاب، لقد حاولت قصارى جهدي أن أكتب شيئاً ما، شيئاً مبهراً غير مألوف لكي أجعلك تشعر بمتعة القراءة، حاولت أن أعيد ترتيب العالم في ناظريك، والآن عندما رأيتني أختلف مع إحدى بطلاتي تصف ذلك بالسقطة! ومع كل ما قلته فأنا أعرف عن أورسولا ما لا تعرفه أنت ولا غيرك ولن أخبرك بشيء، لقد وددت أن أصنع بعض المفاجآت في هذه القصة لأجلك وها أنت تواجهني بالجحود، يا أخي لا.. لا تقل شيئاً، أرجوك أتركني الآن، إني متعب، وشديد الإعياء، متعب من كل ما حولي، من ضياعي، وحزني الدائم ووحدتي المقرفة، ومن قلبي الذي لم يجد حتى من تستحق ان يخفق لها -  هاقد عدت إلى موال الفلم الهندي-. "مستر مجلي..مستر مجلي", من هذه..أنت!!، "نعم أنا، أورسولا..لقد عدت غيرت رأيي، فلا يجوز أن أتركك قبل أن تكمل قصتك", لقد اختلفت مع القارئ، لقد شتمني، قال طز، تصوري، هل يرضيك هذا؟!, "لا عليك منه واصل كتابة قصتك وسيضطر لقراءتها رغم أنفه", شكراً على عودتك كنت أعرف بأنك طيبة. هل أبدأ الآن؟! "نعم أرجوك".
وعندما ترجلت السيدة أورسولا عن سيارتها حنقة تود الانسحاب غيرت رأيها فجأة وعادت إلى مقعدها أمام المقود، وأشعلت لفافة أخرى، "لقد أخبرتك بأني لا أدخن، لكن لابأس هذه المرة", وأخيراً تم فتح الطريق، واستطاعت السيدة أورسولا مواصلة طريقها، وقد بدت أمارات السعادة على وجهها الوقور لأنها ستصل في الوقت المناسب، أما أنا فقد وصلت متأخراً عن موعد المقابلة، وأخبروني هناك بضرورة الانتظار سنة كاملة حتى يحين وعد المقابلة القادم, فعدت إلى تعبي من جديد ومرت بضعة أشهر فقدت فيها عملي، وتصعلكت في الشوارع مثل كلب ضال لا أملك سنتاً واحداً في جيبي، وذات يوم وأنا أقف بجوار إشارة المرور، كشبح هزيل, رأيت سيارة السيدة أورسولا، فأسرعت إليها على أمل أن تتذكرني هذه المرأة وتساعدني بما يفك ضيقي، ناديتها بصوت مشوب بفرح الذي يجد أمه بعد سنين طوال، "مسز أورسولا، مسز أورسولا", التفتت مذعورة إليّ، ظننتها ستبتسم في وجهي لكنها عوضاً عن ذلك, مشطتني بنظرة ازدراء وقرف، وضغطت على البنزين وانطلقَت مثل الصاروخ دون أن تتفوه بكلمة واحدة.

 

 

جغرافية الكتاب
 الصفحة
• الإهداء  .............................................................................. 2
• السيرة الرملية للفتى البحر.. أو تحت سماءٍ لم تعد غريبة..؟ ..................... 3
 ذات مساء .. ذات راقصة: 
•  حزاوي علي  بلابله ................................................................ 17
• الرسالة ............................................................................... 22
• تداعي الزمن الصعب ............................................................... 27
• خربشات.. على جدران متداعية ................................................... 37
• مطــر ................................................................................ 44
• الجدب ................................................................................ 47
• 12 قصة قصيرة ..................................................................... 56
• اللعبة ................................................................................. 60
• احتراق ............................................................................... 64
• جــوع ................................................................................ 66
• من مذكرات شخص هامشي ........................................................ 69
• ذات مساء .. ذات راقصة  .......................................................... 81
• الثقب ................................................................................. 83
• ثمان قصص قصيرة جداً ............................................................ 87
• تداعيات الشخص المحزون ......................................................... 90
• ثلاثية الفجيعة ........................................................................ 98
• عيشة ................................................................................. 101
• رحلة إلى كوكب ساﭭوراس ......................................................... 107
• أميـرة ................................................................................. 129
 تصاوير اليبوسة والملح والأسمنت
• صمتاً العم حميد سيخبرنا بما حدث.. ............................................... 133
• غُربـة ................................................................................. 135
• صـــورة  ............................................................................. 136
• ثلاث فتيات مكسيكيات في مدينة باردة ............................................. 139
• أقاصيص أمريكية:- 
o سقــوط  .................................................................. 141
o جَينـْـــا  ................................................................... 142 
o تقليد ....................................................................... 143
o علــي ..................................................................... 144
o لحظــه .................................................................... 145
o كابــوس .................................................................. 146
o ميشيــل ................................................................... 147
o صــراخ .................................................................. 148
o شواهــد ................................................................... 149
o غـُــزاة .................................................................... 150
o حــادث .................................................................... 152
o ولــد وبنــت .............................................................. 154
• جستينا منتصف الشتاء .. أول الربيع ............................................... 155
• الثيران والضباع والنحل:- 
o الثيــران .................................................................. 157
o الضبـاع ................................................................... 160
o النحـــل ................................................................... 162
• عــرض .............................................................................. 165
• هدهــده ............................................................................... 167
• الجثـة ................................................................................. 168
• اعتيـاد ................................................................................ 169
• أقاصيــص ملونــة:-   
o تاريــخ .................................................................... 171
o أركـبُ الحافلة وأمضـي ................................................. 172
o مداهمة .................................................................... 173
o اغتيـال .................................................................... 174
o حكايـة  .................................................................... 175
• قطـار ................................................................................. 176
• غياب ................................................................................. 177
• وجه ناحل يشع عميقاً في الظلام .................................................... 178
• قصـص لها رائحة:- 
o بنـت عـرب ............................................................... 180
o صدفة ..................................................................... 181
o قهـر ....................................................................... 182
o اعتـراف .................................................................. 183
o انتظـار .................................................................... 184
o أمل ........................................................................ 185
o مغامـرة ................................................................... 186
• برانـدا، براندا وبالإنجليـزي  BRANDA ...................................... 187
• الآنسة كوكي التي أتت وفي يدها منديل الأحزان .................................. 190
• دكـس ................................................................................. 192
• .. ولكن المشكلة في اللسان الجزمة ................................................. 193
• تصاويـر اليبوسة والأسمنـت:- 
o جولي ...................................................................... 195
o قصـة مايك الطيـب ....................................................... 196
o القتـل ...................................................................... 197
o بحار ....................................................................... 198
o ثلاثة ....................................................................... 199
o أليكس ..................................................................... 200
• السيدة العزيزة الغالية مس هارييت ................................................. 202
• واقع ................................................................................... 205
• Huge life:- 
o صراحة ................................................................... 207
o فتوحات ................................................................... 208
o Hustler ................................................................ 209
o رتابة ...................................................................... 210
o بسرعة .................................................................... 211
o طقـس ..................................................................... 212
o وحشة ..................................................................... 213
o إضراب ................................................................... 214
o اللعنة على....! ........................................................... 215
o تكرار ..................................................................... 216
o Suicide ................................................................ 217
• أنا وجدتي.. أحداث ومعارك وعصيد:- 
o فضيحة .................................................................... 219
o المعركـة .................................................................. 221
o المأتـم .................................................... ................ 225
• حكاية الحرب ................................ ...................................... 226
• أعني .. عفواً أهذا هو أنتي كاثى ......................... .......................... 228
• الأعمـدة ............................................................................... 229
• المجنون .................................................. ............................ 231
 أشياء خاصة
• تلك الأيام ............................................................................. 233
• قصة شارع منسّيْ ................................................................... 236
• الطوفان ............................................................................... 244
• هل تستطيع القفز عالياً..جان؟!! ..................................................... 253
• علاقة ................................................................................. 257
• جدي .................................................................................. 259
• ما قالته السيدة عذبة وآخرون:- 
o ما قالتهُ السيدة عذبة في يوم النار الذي يسبقه شهر الثلج .............. 267
o ما قاله الولد المقتول قبل أن يموت ..................................... 268
o ما قالته السيدة أم جاسم .................................. ................ 269
o ما قاله رجل الأربعين المجنون .......................................... 270
o ما قالته السيدة عذبة في مناسبة أُخرى ........................... ...... 271
o ما قاله عويس الصعيدي وهو يحتضر ............................ ..... 272
o ماقاله الوقت قبل الزوال ................................ ................ 273
o ما قاله الفتى طيب القلب ساذج الفعل ........................ .......... 274
• هنري الصغير ........................................................................ 275
• ملامسة الأشياء البعيدة ................................... ........................... 281
• الآلة ................................................. ........ ........................ 290
• لاري العزيز ............................................ ............................ 294
• يوم موت لاري ....................................... ........ ..................... 304
• حينما احترقت المياسة ................................... ........................... 312
• ذلك البيت ............................................ ........ ....................... 314
• أشياء خاصة ..................................................... .................... 318
 عندما كنت جبلاً صغيراً من ثلج ذوبته الأحزان: 
• أونكل جيمس أو كيف حالك يا عبده وسبعة قتلى في صندوق .. ........... ...... 324
• ثلاث نساء ................................................. ........ ................. 333
• الحاج مثنى الذي لدغه الحنش .............................. ........................ 339
• خبابيـر بلغة شكسبيـــر ........................................ ..................... 341
• انزواء وكوابيس مالحة ................................... .......................... 344
• مواجهة ........................................................... ................... 346
• وراء الزجاج ........................................ ........ ....................... 350
• أصوات ................................................ ........ ..................... 352
• ترنس .......................................... ........ ............................. 360
• القرين ................................................... ............................. 362
• شتـاء طويـل ليس له نهاية دافئة .............. ........ ............................. 366
• مدن الزجاج ............................................. ........ ................... 371
• عنـدما كنـت جبلاً صغيــراً من ثلــج ذوبتـه الأحزان ........ ........ ............ 380
• ذكرى ................................................................................. 389
• صـورة ............................................... ................................ 392
• بقع صغيرة من الدم على وسادة النوم ........................ ........ ............ 395
• أرجوكم لا تؤخروا السيدة أورسولا عن موعدها ............. .................... 402
o ما يشبه التعريف ................................. ........ ....................... 412

 
ما يشبه التعريف
- عبدالناصر مجلي
- شاعر وقاص وروائي وناقد يمني أمريكي.
- مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية.
- عضو إتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين والعرب.
- شغل منصب رئيس تحرير صحيفة العربي الأمريكية.
- تم تكريمه من قبل "البيت العربي الأمريكي الثقافي"
- على مجمل إنتاجه الشعري ديترويت2000م
- درَس كتابه القصصي "ذات مساء.. ذات راقصه"
- في جامعة صنعاء تحت إشراف الناقد الدكتور عبدالملك المقرمي.
- ناشر ورئيس تحرير صحيفة "الأمة" التي تصدر في الولايات المتحدة باللغات: العربية والإنجليزية والأسبانية، وموقع الأمة برس www.thenationpress.net
- E.mail:thenation21@yahoo.com
صدر له:
- ذات مساء.. ذات راقصه ـ قصص ـ القاهرة1991م.
- سيرة القبيلة ـ شعر ـ عمان1995م.
- السيرة الرملية للفتى البحر ـ شعر صنعاء1997م ـ عن الهيئة العامة للكتاب.
- أشياء خاصة – قصص – عمّان- 2002.
- رجال الثلج ـ رواية ـ نشرت مسلسلة في جريدة الثقافة اليمنية 2000م.
- جغرافية الماء– نشرت في جريدة الثقافية اليمنية، 2003/2004م.
- أنطلوجيا الأدب السعودي الجديد ـ بيروت2005م.
في النقد:
- الوحشية المضادة ـ قراءات في سطور أدب وحشي "نظيرة نقدية جديدة".
نشرت مسلسلة في كل من صحيفة الزمان اللندنية، الخليج الإماراتية، الثقافية اليمنية2001م.
في الترجمة:
- ترجمت بعض أعماله القصصية إلى الإنجليزية والفرنسية والسويدية والأسبانية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 


المصدر : خاص - شبكة الأمة برس الإخبارية
 
 
التعليقات
لا يوجد تعليقات على هذا الموضوع
أضف تعليقك
العنوان: يجب كتابة عنوان التعليق
الإسم: يجب كتابة الإسم
نص التعليق:
يجب كتابة نص التعليق

كود التأكيد
verification image, type it in the box
يرجى كتابة كود التأكيد

 

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

الرئيسية  .   سياسة  .   اليمن والخليج  .   العرب اليوم  .   عرب أمريكا  .   العالم الإسلامي  .   العالم  .   اقتصاد  .   ثقافة  .   شاشة  .   عالم حواء  .   دين ودنيا  .   علوم وتكنولوجيا  .   سياحة  .   إتجاهات المعرفة  .   عالم السيارات  .   كتابات واتجاهات  .   منوعات  .   يو . أس . إيه  .   قوافي شعبية  .   شخصية العام  .   غزة المحاصرة  .   بيئة  .   العراق المحتل  .   ضد الفساد  .   المسلمون حول العالم  .   نقطة ساخنة  .   بروفايل  .   الرياضية  .   عرب أمريكا  .   الصحيفة  .  
من نحن؟ | مؤسسات وجمعيات خيرية | ضع إعلانك في الأمة برس | القدس عربية |
جميع الحقوق محفوظة © الأمة برس